كان يا ما كان في رمضان !.


Once upon a time in Ramadan .
*************************
أدناه بعض ذكرياتي المؤلمة الحزينة حول رمضان حين كنتُ في بغداد. وما سأذكره لا أتذكر تأريخه بالضبط، لكنه حدث لي في نهاية الستينات أو ربما في بداية السبعينات .

كنتُ أسير في شارع الرشيد، في الجهة القريبة من ساحة التحرير، وفجأةً كتفني من الخلف شرطيين من شرطة النظام، ووضعوا الكلبجات في يديَ !، وبعد إستفساري .. قالوا بسبب أنني كنتُ أمضغ العلك (اللبان) في فمي، وإنني بهذا أكون مجاهراً بإفطاري !!. وهذا حرام وممنوع في بلاد الخليفةِ والسياف !.

كان من ضمن الذين اُلقي القبض عليهم شابين آخرين وفتاة يظهر أنها من طالبات الجامعة، ورجل وقور أبيض اللحية كان يلبس بدلة رصاصية اللون مع رباط عنق أسود، ويبدو أنيقاً ونظيف المظهر، وربما كان في الستين من العمر أو نحو ذلك .

إقتادونا جميعاً إلى مركز الشرطة والذي لم أعد أذكر بالضبط موقعه الآن، وكانوا 5 من الشرطة وعلى رأسهم عريف كان أجهل منهم وأكثر حماقةً وقلة ذوق ومنطق وأدب، و كانت تلك صفات رجال الشرطة العراقيين يومذاك، حيث غالبيتهم كانوا دون مستوى الصف السادس الإبتدائي، طبعاً عدى المراتب الأكبر من رتبة (رئيس عرفاء) !.

وقفنا جميعاً قدام مأمور المركز والكلبجات تقيدنا، ولا أتذكر الآن رتبته الوظيفية ولكني كنتُ متأكداً جداً جداً أنه كان نصف مخمور !. وخلف مكتبه كانت هناك لوحة خط عليها وبحروفٌ أنيقة (( الشرطة في خدمة الشعب )) !!!
رجل كريه المنظر، نصف أصلع، قصير القامة قميئها، أبيض لون البشرة مع عدة ( فالولات ) تنتشر فوق جلد وجهه ويديه، ويحمل في جنبه مسدس نوع المشط ، وكانت عينيهِ من النوع الجاحظ وكأنه “مخروع “ !.
راح يُخاطبنا -كمجموعة- وبكل قلة أدب وكلمات نابية لم نكن نتوقعها أبداً، وكأننا قطيع من الغنم، ومن ضمن كلماته التهجمية البذيئة التي لا أزال أذكرها : ( سرسرية، خوات كحبة، كواويد ) !!، وحين حاول الرجل الوقور الذي معنا الإعتراض على هذه الكلمات الجارحة وهذا الإسلوب الغوغائي القمعي نهض مأمور المركز عن كرسيه مهدداً الرجل وهو يأمره بالصمت “أكل خرا” وإلا ………

لم نكن نُصدق ما يحدث وكأننا كنا في واحدة من أفلام ( رعاة البقر )!، لكننا جميعاً أدركنا أننا أمام وضع وحالة غير إعتيادية وأنه علينا الصمت والصبر لنرى النتيجة، وتذكرتُ الحكمة التي تقول: ( وعظموا أنفسكم بالتغافل ) .

بعدها راح يوجه كلماته النابية للبنت المسكينة التي معنا ويهددها بكذا وكذا من الأمور المُخجِلة التي برأيه أنها تستحقها لكونها أجهرت بإفطارها في شوارع الدولة المسلمة !. وراحت البنت المسكينة تبكي بينما هو يزيد من حدة وقباحة الكلمات النابية التي كان يوجهها لها !.

بعدها وجه الكلام للشاب الذي بجانبي، ونعته بالخنفوس والفرخ واللوطي والزنانة ولمجرد أن سالفيهِ (زلوفه) كانت أطول من المعتاد !، وراح يقول له معاتباً رجولته : طبعاً فلسطين راح تبقى مُحتلة ما دام شباب الأمة الإسلامية مخانيث ومناويج مثلك !.

ثم إلتفت نحوي وإبتسامة خبيثة صفراء ترتسم فوق وجهه وسألني وبشيء من الإستخفاف والسخرية الواضحة : إنتَ نصراني مو ؟.
أجبته : لا … أني مسيحي مو نصراني .
وكأنني شتمته أو بعبصتهُ، لإنه راح يرغي ويُزبد كالثور الهائج، ويشتِم ُ كل المسيحيين وينعتهم بأنهم جميعاً قواويد على أعراضهم، وخونة للوطن الإسلامي، وليسوا عراقيين أصلاء بل هم “لملوم” و “مخلط يا لوز” ـكما وصفهم- وأنهم زبالة من “سقاطة الشعوب” !!.
ثم راح يقول لي بأن العلج (العلكة) ليست للرجال، وإن “الهايشة” (البقرة) تعلك حين تريد من الثور أن ينكحها، وأنني ربما بحاجة لمن ينكحني لإني كنتُ أعلك !!.

حينذاك تدخل الرجل الوقور وبكل حزم وعصبية وصوت مرتفع هذه المرة وقال لمأمور الشرطة :
إتقي الله يا رجل … أنا من تجار الشورجة المعروفين، وعندي معارف وأقارب في الحكومة، وإذا لم تتأدب فواالله ستندم حيث لن ينفعك الندم. سأعطيك مبلغ مئة دينار تبرعاً لمركز الشرطة وللفقراء، وإعتبرها هدية متواضعة مني، ولكن أرجوك أرجوك أرجوك أن تُخلي سبيل الأربعة الذين معي لإنهم ناس أبرياء وجريمة الإفطار لا تستحق هذا العقاب وهذه الشتائم العشوائية !.

راح مأمور الشرطة يُحملق ببلاهة في وجه الرجل الوقور وكأنه يُفكر في أبعاد كلامهِ وتهديده الواضح، وبعد لحظات -بدت لنا طويلة جداً- قال وبلهجة الأمر: سويها مئتين دينار .
أجابه الرجل الوقور : حسناً، ولكن دع من معي يذهبون لحال سبيلهم الآن … وأعني الآن .

خرجنا نحنُ الأربعة غير مصدقين بأننا أحرار ومن دون أن ينالنا الأذى أوالحبس. وكان رجال الشرطة قد أخذوا مِنا كل ما نملك من نقودٍ قليلة !، ورحتُ أهرول إلى أن وصلتُ لموقف الباص # 30 قرب نصب الحرية ، وأرتميتُ على واحدة من كراسيه الجلدية بعد أن طلبتُ من بعض الجالسين مبلغ التذكرة فتبرع أكثر من واحد منهم به .
وأثناء الطريق رحتُ أفكر ولإول مرة في الهجرة من بلاد جهلستان هذه حيث المرء لا قيمة له وممكن جداً أن يضيع مستقبله أو حتى عمره بسبب رعونة ولا عدالة الناس الذين يتصرفون وفق هواهم فيه، ولمجرد أن حكامهم فالتين من تطبيق القوانين والأنظمة، وكما يقول المثل العربي : (( إذا كان ربُ البيتِ بالدفِ ضارباً *** فشيمة أهل البيتِ كلهم الرقصُ )).

بعد بضعة سنوات، في صيف سنة ( 1974) بالضبط، كنتُ أجلس في حافلة سفر عَبرَت بي الخط الحدودي بين العراق وسوريا متوجهاً إلى لبنان ومنها إلى أميركا، وأنا أُردد قول الشاعر اللبناني (سلام الراسي) :

لا السهلُ والوديانُ والجبلُ *** وطني، ولا الأنهارُ والسُبُلُ
كلا، ولا الأطلالُ، بل وطني *** الناس، ما قالوا وما فعلوا .

المجد للحرية
طلعت ميشو … Apr – 30 – 2020

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.