كانت #بي_بي_سي هي نافذتنا على أخبار العالم الحقيقي، على البشر الطبيعيين، الذين يعبرون عن آرائهم بحرية

Eiad Charbaji الناشط السوري إياد شربجي

Eiad Charbaji

كان لدى والدي رحمه الله راديو ترانزستور يبث صوت الـ “بي بي سي” طوال الوقت، حتى عندما كان ينام كان يخفض الصوت ولا يطفئ الراديو. لم يكن ليفوّت نشرة واحدة، والغريب في الأمر أنه كان يتفاجئ في كل مرة من الاخبار ويتفاعل معها بحماس، مع أنها هي هي من النشرة التي قبلها والتي قبلها وربما من اليوم الفائت.
كان سامي حداد وجميل عازر ومديحة المدفعي وسلوى جراح يعيشون معنا في المنزل. كنت أعرفهم وأعرف عنهم أكثر من كثير من أقاربي الذين كنت ألخبط بين أسماءهم وأصواتهم، وكان صوت :بيغ بين” يصدح في المنزل على رأس كل ساعة. كان وسيلتنا للتوقيت واحتساب المواعيد، لدرجة أن والدتي رحمها الله كانت تعيّر الطبخة على بيغ بين وكنا نضحك من الأمر.
في ذلك الوقت الذي لم تكن تتوافر فيه بين ايدينا سوى اذاعة دمشق والقناتان الاولى والثانية، والتي تشعرك بأنك محسود لأنك تعيش في نعيم جمهورية الأسد، كانت “بي بي سي” هي نافذتنا على أخبار العالم الحقيقي، على البشر الطبيعيين، الذين يعبرون عن آرائهم بحرية وقد لا تعجبهم قرارات الحكومة ويتظاهرون ضدها.
حينها كان الجيش الجمهوري الايرلندي ناشطاً ويقوم بتفجيرات وأعمال عنف في بريطانيا، وكانت الـ “بي بي سي” تنقل النقاشات حول ذلك، ونسمع اعضاء مجلس العموم والمحللين والمواطنين الانكليز العاديين يشتمون رئيس الوزراء والحكومة ويتهمونهم بالفشل، ثم يظهر أولئك أنفسهم في نشرات اليوم التالي ليقولوا كلاماً أقسى، ويستمر الأمر دون أن يختفي أي منهم، في الوقت الذي كان فيه أولاد خالتي معتقلون في السجون منذ أكثر من عقد من الزمن ولا نعرف عنهم شيئاً لمجرد أنهم لا يحبون الأسد.


عدا كل ما سبق، كانت الـ “بي بي سي” وسيلة متعة حقيقية لتذوّق جمال اللغة العربية الفصحى بأصوات فخمة مثل حسام شبلاق ورشاد رمضان ومحمد صالح الصيد، وكنا نحفظ لكناتهم وهنّاتهم وطبقات أصواتهم ونحاول تقليدها.
لم أستمع للـ “بي بي سي” العربي ربما منذ عقدين من الزمن، ومن حينه لا أعرف عنها شيئاً ولا تشكل أي مصدر للمعلومات لي، لكن أحزنني جداً خبر ايقافها وأشعرني بالفقد، تماماً كما يشعر رجل سبعيني بفقدان لعبة طفولته التي تركها ذكرى منذ ذلك الوقت، وكان يضعها في أفضل الأماكن في منزله وقلبه، واعتاد وجودها إلى درجة أنه نسيها… إلى أن صحى يوماً فلم يجدها .

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.