قيمتك ليست فيما تحصل عليه، بل فيما تستحقه

سافرت وزوجي في رحلة لمدة اسبوع، تركنا قطنا بسبوس في رعاية جارتي جودي… جودي أمريكية أبا عن جد، وهي من المدافعين عن حقوق الحيوان، وربما ستتبرع بقصرها وبكل ما تملك من ملايين للجمعيات المختصة بهذا الامر، من يدري؟
فهي مقطوعة من شجرة، لا ولد ولا قريب! جودي استقبلت بسبوس بذراعين مفتوحين وبالقبلات. لكنها من شدة خوفها عليه حبسته داخل كاراجها.. لم تسمح له بالخروج خوفا عليه من الذئاب التي تنتشر في منطقتنا أكثر من البشر.
ولم تسمح له بالتجوال داخل البيت لأنها تملك قطا شرسا، وربما من منطلق غيرته سيمزق بسبوس اربا، كما فعل بإحدى قططها السابقة.
وضعت جودي لبسبوس بطانية ومدفأة متقدة على مدار الساعة، ومن الأكل مايكفي وليمة قطط، وتركت مصباح الكاراج مضيئا.
ثم راحت تتردد عليه عدة مرات في اليوم لتمسد ظهره وتشعره بمحبتها له. لكن لم تكفِ كل هذه الإجراءات لتمد بسبوس بما يحتاج إليه، فعاد إلي كأم ثكلى فقدت لتوها ابنها…
……………………
رفض أن يأكل أول أربعة أيام بعد عودته، وتعربش إلى زاوية قرب إحدى نوافذ البيت العالية، وظل قابعا هناك.. لم تُجدِ كل محاولاتنا لإقناعه بالنزول… فهمت من تصرفه أنه ينتقم منا، وهو الذي اعتاد أن يتبوأ أحضاننا حيث يغفو آمنا من كل ثعالب الأرض… لكنه رويدا رويدا وجد أنه لا فائدة من عناده، فراح يقوم بزيارت خاطفة لبعض أرجاء البيت ثم يعود سريعا لمأمنه،
ونحن نتظاهر بعدم الإكتراث… أول مرة اقترب مني قفز إلى حضني، فرحت أتحسس جسده الذي بدا أنحل مما كان عليه عندما تبنيته من ملجأ القطط قبل عام، وحملته إلى البيت… بدا وكأنه قفص من العظام يكسوه جلده وفروه… تقطع قلبي ورحت أنشد غفرانه، بمزيد من الضم والتمسيد والتحديق في عينيه، حتى عاد لاحقا إلى كامل نشاطه وحيوته..


………….
عندما رويت لجودي القصة صُعقتْ، واتصلت على الفور بالطبيب البيطري تسأله رأيه بتلك الحالة.
أكد لها الطبيب أن بسبوس دخل في حالة كآبة، سببها اضطراب نفسي يدعى:
Abandonment Disorder
اضطراب التخلي!
وهو خوف وقلق شديد من أن يخسر شخصا مقربا له، يثق به ويحس أنه مصدر الأمان له. ونصحها أنه في حال اضطررنا أن نضعه مرّة أخرى في رعايتها، أن نجلب معه قميصين لي ولزوجي ملبوسين وغير مغسولين، لكي يتمكن من شمهما، وبالتالي يحسّ من خلال الرائحة بالأمن والأمان… وسيكون افضل لو نسجل صوتنا، ونرسل الشريط لجودي لكي تكرره على مسامعه بين الحين والآخر…
……………
هذا هو الحال مع الحيوان الذي يظن أغلبنا أنه خال من الإحساس ومجرد من كل المشاعر، فما بالك بالطفل؟ عندما أراقب أشرطة لأطفال عراقيين وسوريين لفظتهم الحرب في الشوارع يخبو أملي بمستقبل أفضل… الاضطراب النفسي الذي شكى منه بسبوس هو نفسه عند الإنسان، ويعاني منه عادة الأشخاص الذين انفصلوا في طفولتهم المبكرة عن آبائهم، وعاشوا بدون لمسة حنان…
والانفصال الذي أعنيه ليس انفصالا جسديا وحسب، وإنما انفصالا عاطفيا ونفسيا. قد يعيش الطفل مع والديه ولكنه لا يشبع من حنانهما لسبب أو لآخر…
…………
الكآبة اضطراب نفسي قد يصبح حادا جدا، ويكاد يكون عصيا على العلاج. يتجذر سبب هذا الإضطراب عميقا في الطفولة،
ويعود إلى إحساس المريض الدفين بأنه شخص لا قيمة له، ولا أحد بحاجته! يستمد الإنسان إحساسه بقيمة نفسه في السنوات الأولى من عمره، ويكتسب ذلك الإحساس من الطريقة التي يعامله به المربون والمحيطون به. لا شيء…لا شيء على الإطلاق يُشعر الإنسان برضاه عن نفسه أكثر مما يُشعره إحساسه بأنه ذو قيمة، وبأن هناك من يحتاج إليه…. يقول مفكر أمريكي: (قيمتك ليست فيما تحصل عليه، بل فيما تستحقه)!
Know your worth. Know the deference between what you’re getting and what you deserve
ربما شعر بسبوس بأن الشخص الذي كان يحبه لم يعد بحاجة إليه ولذلك تخلى عنه.. ربما شعر بأنني تخليت عنه لأنه فقد قيمته ولم يعد يستحقني… لذلك، دخل تلك الحالة الحادة من الكآبة… أذكر قولا لمفكر أمريكي آخر: (بعد مائة عام من الآن لن يهم حجم حسابي في البنك، ولا نوع سيارتي، ولا شكل بيتي. ما سيهم هو ماكنت قد فعلته في حياة طفل)! مسّدتُ بلطف على ظهر بسبوس، ولسان حالي يقول:
يا إلهي،
ماذا فعل أباؤونا وأجدادنا قبل مائة عام….مائتين….ثلاثة مائة…قرن
قرنين….أو أربعة عشر قرنا؟
ماذا فعلوا ليقع هذا الشرق المعذب فيما هو غارق فيه من وحول؟؟
ثم قمت بتسجيل صوتي:
I love you BisBos
استعدادا لرحلة قادمة…

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.