قصتي مع شهادة “عدم المحكومية” في بغداد !.

بعد تخرجي من المدرسة المتوسطة قدمتُ طلباً لقبولي في ( ثانوية الصناعة الألمانية العراقية ) التابعة لألمانيا الغربية، وكما هو معروف طلبوا مني عدة شهادات ووثائق منها وأهمها شهادة ( عدم محكومية ). والتي يتم الحصول عليها من واحدة من الفروع التابعة لمديرية الأمن العامة يومذاك كما أعتقد .

وفي اليوم المحدد لي ولمئات الشبان ذهبنا لإستلام تلك الشهادة، وكان هناك عريف في الجيش يقرأ أسماء الناس ويرمي لهم بشهاداتهم من أعلى المنصة المنصوبة على سور مرتفع يفصل الشارع الفرعي عن البناء الداخلي لتلك المؤسسة الحكومية التي لم أعد أذكر اسمها أو موقعها .

كان عددنا بالمئات، والجو الصيفي اللاهب يكاد يخنقنا ونحنُ ننتظر لإكثر من ساعتين، وبقي العريف يقرأ الأسماء ويرمي شهادات عدم المحكومية من أعلى المنصة إلى أن انصرف الجميع ولم يتبق من جموع المنتظرين غير أنا وشاب آخر فقط .

قرعنا الباب الخارجي ففتح لنا، وحين علموا بأننا لم نحظى بالشهادة المطلوبة إقتادوا كل منا إلى داخل غرفتين منفصلتين، وكان يجلس في الغرفة التي إقتادوني لها جندي مخربط الشكل برتبة ( رئيس عرفاء )، هزيل الوجه والجسد، وكانت بدلته العسكرية أكبر من حجمه بشكلٍ مضحك وكأنها تقول له : إخلعني !.
بقيتُ واقفاً أنتظر أن ينتبه لوجودي لكنه كان يقرأ في ورقة بين يديه ويُهملني بصورة متعمدة رخيصة وكالتي نراها في بعض الإفلام السينمائية !، وفي داخلي رحتُ أضحك من المثل القائل ( يلوگ لبو ضروگ ) !.

وأخيراً أمرني بالجلوس ثم باغتني بقوله :
إعتَرف !!.
قلتُ له : أعترف ب شنو !؟.
أعاد كلامه وبصوت أعلى من السابق وبنوع من الأمر والحدة وهو يُبحلق عينيهِ :
إعترف أحسن ما أشبعك صوندات وجلاليق !.
قلتُ له : أعترف بماذا يا أخي، وليش هل اسلوب !؟. .
صرخ بوجهي : إعترف بكل جرائمك وأنا لستُ أخوك فلا تناديني ب “يا أخي” .
قلتُ له : شنو القصة ؟ من حقي أن اعرف !؟
صرخ بي وبصوت عالِ جداً هذه المرة وهو يدق بكلتا يديه فوق المنضدة التي تفصل بيننا : طبعات أصابع يدك تقول بأنك مجرم خطير !.

وقبل أن أجيبه فُتِحَ باب الغرفة وأطل علينا وجه ضابط شاب أعتقد كان يحمل على كتفيه نجمتيىن أو ثلاثة، وراح يسأل رئيس العرفاء عن سبب صراخه وزعيقه وتعصبه وحدته؟، فأجابه بأنني مجرم خطير ولي سوابق وهارب من وجه العدالة وأنهم إكتشفوا كل ذلك من خلال طبعات أصابعي حين قدمتُ طلباً لنيل شهادة عدم المحكومية .
نظر الضابط الشاب في وجهي متأملاً للحظات، ثم إنفجر ضاحكاً ومقهقهاً بأعلى صوته، وحين أنتهت قهقهاته راح يوجه كلامه لرئيس العرفاء :
ولك مطي .. دثو .. هو هذا وجه واحد مجرم وهارب من العدالة !؟. والله أنتَ يمكن تكون مجرم بس مو هل شاب البريء !.
ثم طلب منه وبلهجة آمرة أن يذهب ويأتينا بقدحي ( إستكانين ) شاي، وجلس في كرسي رئيس العرفاء وإعتذر مني بلطف، وأمرَ أحد المستخدمين بأن يذهب ويُحضر لي شهادة ( عدم المحكومية ) فوراً وبدون أي تحقيق أو بطيخ !.

ومن خلال حديثي الطويل والحضاري معه بينتُ له وبطريقة دبلوماسية مهذبة بأنه في شغلتهم الحساسة تلك فهم للأسف لا يتبِعونَ حكمة ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) !، فضحك بألم وسخرية وقال : أخي .. ليش هو وين موجود في كل الدولة “الرجل المناسب في المكان المُناسب “حتى يكون ذلك موجود هنا عندنا !؟، نحنُ في الدولة نسير وللأسف ضمن حكمة : ( من قلة الخيل شدوا عالجلاب سروج ) !.
********************
قبل أيام سألتني واحدة من ألصديقات الفيسبوكيات (على الخاص) عن أسباب هجرتي من العراق !!؟.
وجوابي لها : أن هذه القصة أعلاه واحدة من أصغر الأسباب الألف التي دفعتني للهجرة من العراق !. واتمنى أن يطول عمري لإقص عليكِ وعلى الجميع بقية الأسباب ال 999 الأخرى، لإني من بلد الف ليلة وليلة .

المجدُ لكل الدول التي تضع الأنسان في محله الصحيح والمناسب .
طلعت ميشو Jul – 29 – 2020

الصور المرفقة مع منشوري هي صوري يوم قدمتُ طلباً لحصولي على شهادة “عدم المحكومية”

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.