قصة هبة

انكيدو السوري

لهذه اللحظة كان هناك صديق واحد فقط يعرف قصتي مع هبة, لكن قررت اليوم أن أسردها حتى لا تبقى ذبحة في قلبي مدى الحياة..
هبة وهي معلمة سورية اختصاصها في تدريس اللغة العربية عمرها 28 سنة, كانت زميلتي في العمل العام الماضي لباسها الرسمي هو النقاب تم تزويجها بعمر صغير لأحد شيوخ الدين وهو متزوج ولديه أولاد كبار والذي كان في الستينيات من عمره, والدين أجاز له أن يفض بكارة مراهقة ويدمر حياتها لكن حين أصبحت امرأة قوية قررت متابعة دراستها وحصلت على ماجيستير في اللغة العربية بالرغم من صعوبات فرض النقاب عليها من قبل عائلتها و زوجها ثم استطاعت عن طريق القانون خلع زوجها لمعاملته السيئة ورفضه أن تنجب له أطفال, ومع تداعيات الأحداث في سورية لجئت إلى مدينة اسطنبول ونزلت عند أختها المتزوجة واستطاعت بشهادتها مزاولة عمل تدريس اللغة العربية.. لتترك خلفها أخوتها الشباب الذين انضموا إلى تنظيم أحرار الشام الارهابي في سورية ليصبحوا امراء حرب فيه..
العام الماضي كنا معاً في دورة تدريبية عن التعليم, وكان المحاضر وهو سوري يصر على اقحام الدين بالمفهوم الاخواني في عقول الطلاب السوريين أولاً وكان يبشرنا باقتراب سقوط العلمانية في تركيا, فرديت عليه بقوة وبلهجة شديدة عن وجوب عدم اقحام الطلاب السوريين في أمور التزمت الديني وشؤون الحرب والسياسة وماذا يحدث في سورية فما رأوه من حصار ودمار ورعب يكفي لأن ننظر في مستقبلهم بشكل أفضل وأن نحترم وجودنا في الدولة التركية وعدم التحيز لأي طرف كان, و أحدث ردي هذا وقع عند هبة ومن هنا ابتدأت قصتنا..


طلبت مني يومها مناقشتي في ما حدث وجلسنا جلسة نقاش طويلة, كنت أتحدث اليها وأنا أنظر في عينيها اللوزيتين الجميلتين وبالرغم من تعارض فكرها مع فكري إلا أنها تقبلت آرائي عن الدين بشكل عام واكتشفت فيها انسانة تريد التحرر من ما هي عليه من تزمت و تحجر ومن وقتها أصبحت هبة مشروعي لتحريرها وعودتها إنسانة طبيعية في المجتمع تفكر في مستقبلها وكيف تصبح على قيد الحياة الحقيقية.. ولعدة أشهر كنا نتناقش كل يوم تقريباً, لم أهاجم نقابها بل أقنعتها بأنه ليس فيه من الدين بشيء الا فكر ذكوري متطرف يختبأ خلفه و يريد أن يبيقيها في العتمة حتى موتها, وبعد هذا الحديث خلعت هبة النقاب ورمته بعيداً وارتدت حجاب عادي ولباس عادي بدون جلباب أسود, وكانت لأول مرة تتنفس الحياة كما قالت لي, اكتشفت فيها امرأة جميلة لها صوت شذي حين تغني وكأنه نبت لها جناحين كانت تريد أن تطير معي في كل مكان جميل.. وتحت شمس اسطنبولية كنا أحراراً لنعترف لبعضنا البعض بمشاعرنا وبدأنا قصة حب وخططنا لحياتنا القادمة وبالرغم خوفها من عائلتها المتزمتة قررت المضي معي… لكن أين سنهرب من الوحوش..
اكتشف زملائنا في المدرسة أن هبة تغيرت, غيرت لباسها وأصبحت السعادة تملأ ملامحها الجميلة, أغاظهم أن يرونا طوال الوقت مع بعضنا البعض نضحك ونمرح, ولتعمل على اسكات الأفواه القبيحة اعترفت هبة لزميلاتها بجرأة عن حبها لي, وقامت أحد زميلاتها التي تعرف أهلها إلى ايصال الخبر إلى أبيها في جنوب تركيا وقام هو بالتالي باخبار اخوتها الشباب ذوي اللحى الطويلة, الخبر وصل لهم أن هبة خلعت النقاب وأنها تحب رجل علماني ينشر صور عارية وكتابات ملحدة على صفحته في الفيسبوك, واختفت هبة فجأة من كل مكان.. من المدرسة ومن مواقع التواصل وحتى من الاتصالات, وكلما سألت عنها زميلاتها يخبروني بعدم معرفتهم عن أمرها شيىء, بعد عدة أسابيع وفي خضم بحثي المتواصل عنها, قامت أختها بايصال رسالة تهديد لي من أخيها وهي أن أنسى اخته تماماً وإلا سيرسل لي من يقوم بقتلي نحراً, ثم قالت لي أن أخيها هذا نفسه قام بالقدوم إلى اسطنبول بعد الفتنة التي كانت بسبب زميلتنا بالمدرسة ووضع السكين على رقبة اخته و فرض عليها أن تلبس النقاب وأن تعود معه إلى جنوب تركيا مهدداً اياها أنه سيقوم بذبحي بنفس السكين إذا رفضت ولخوفها علي انساقت مع أوامر أخيها وسافرت معه حيث زوجوها لارهابي تونسي يقاتل في صفوف أحرار الشام هناك.. هبة ماتت مرة أخرى.. قتلوها لأنها تنفست الحياة .. و أنا قلبي مات من بعد تلك الجميلة التي أحبت الطيران..

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.