قصة سجينات الخان في سوق مدحت باشا.

الاعلامي السوري توفيق حلاق

توفيق الحلاق

وتحت زخةٍ غزيرةٍ من مطر تشرينتسربلت ليلاً في عباءة واعتمرت عقالاً ، ورحت أغذُ السير على بلاط السوق الطويلة أوسوق مدحت باشا في دمشق القديمة حتى وصلت إلى العنوان في مدخل سوق الحرير المؤدي إلى سوق الحميدية . أما لماذا تموهت وكأنني بدوي قادم من الصحراء ؟ فذلك لأن برنامج السالب والموجب كان قد أصبح متابعاً جداً وبات شكلي معروفا ولابد من إخفاء معالمه ، وقد ساعدني المطر المدرار إلى الوصول والناس في غفلة عني يتلطون في بيوتهم . أما إلى أين كنت أمضي ؟ فذلك هو محور القصة .كانت الرسالة التي وصلتني إلى مبنى التلفزيون تحمل عبارة : فاعل خير . وفحواها أن والداً لفتاتين قد قيدهما بالجنازير على سطح خان سماه لي وحدد مكان السطح . كان باب الخان الذي يدخل منه جملُُ مفتوحاً منذ الأزل على مصراعيه ، وفي الساحة الداخلية المقابلة دكاكين ومستودعات للأقمشة . وقريباً من المدخل إلى اليسار درج ضيقُُ متهالك يفضي إلى طوابق ثلاثة يعلوها السطح المكشوف إلا من غرفة آيلة للسقوط حيث تعيش الفتاتان . صعدت على مهل وتأكدت أن العنوان صحيح ، خصوصاً بعدما رأيت جنزيرين من الحديد الصدئ تحت باب الغرفة ينتهيان عند سور السطح وقد ربطا بعمود خشبي سميك . في صباح اليوم التالي وصلت مع فريق التصوير وصعدنا مسرعين إلى السطح لنجد الفتاتين السجينتين تجلسان إلى جانب صندوق فيه حبات من البندورة المتعفنة وعلى الأرض خضر متنوعة متعفنة أيضاً . لحق بنا رهطُُ من الشبان المراهقين وأطفالُُ فضوليون وتطوع أحدهم وهو فتى أمرد للرد على أسئلتي : ليش ماحدا من الناس هون خبر الشرطة ؟ ضحك الفتى ثم قال فيما يشبه الهمس : إجت الشرطة كذا مرة وشافوا البنات ومشيوا !! يعني ماحكوا شي مع الأب ؟ كان أبوهن للبنات يناولن اللي فيه النصيب ، يعني طربوش طربوشين حسب الرتبة اللي جاي . ( الطربوش يعني خمسمائة ليرة سورية ) . وليش الأب حابس بناتو؟ ماحدا بيعرف !! أبوهن جبار ماحدا بيسترجي يحكي معو حاططلك  هاالطربوش على راسو وقاعد قدام باب الخان وعندو مية واحد بخدمتو ، أبوهن تاجر كبيرأستاذ . بس هلأ هرب وقت جيتوا . وجها الفتاتين غمرتهما الحبوب والبثور واستقرت في رسغيهما حلقتا القيد . كانتا أشبه

بعجوزين غائبتين عن الوعي ، ولاتدركان مايجري أمامهما من حشد وضجيج وتصوير . لاأحد من الفضولين يعرف إسميهما . وكانوا يشيران إليهما بتعبير : الظغيرة والكبيرة . لم يك بينهما فارق واضح في السن لكن إحداهن  كانت أطول قليلاً ، سألتها : ليش أبوكي عامل فيكن هيك ؟ نظرت إلى اللاشيء ، ثم بصوت متحشرج : مابعرف والله نحنا ماعملنالوا شي . سألت الثانية : شو بتاكلوا وين بتحمموا ؟ لم ترفع رأسها وأشارت بإصبعها إلى الخضر المتعفنة المسفوحة على الأرض . وإلى مصرف مياه في زاوية السطح إلى جانبه صنبورماء نحاسي تهطل منه قطرات متباعدة من الماء . يا إلهي عندما نصم آذاننا عن أهات المعذبين ،
ونعمي أعيننا عن رؤيتهم ، ونمضي في الحياة غير آبهين لمصيرهم ، بل إننا نصافح الجاني ونتغافل عن جرائمه . ساعدنا الشباب في كسر قيود الفتاتين واصطحبناهما معنا فيما كان الرجال في الأسفل ينظرون إلينا خلسةً ويتسربون إلى داخل دكاكينهم كي لايكونوا شهوداً ولايشهدوا على شيء . ماتت واحدة من الفتاتين بعد فترة وجيزة بسبب سوء التغذية وعاشت الثانية في دار المعاقين . أما فاعل الخير فلم أتعرف إليه حتى اللحظة . وأما الأب فقد أقمنا عليه دعوى باسم الحق العام وحكم 5 سنوات أشغال شاقة لكني لاأعلم إن كان سجن أم دفع مقابل جريمته آلاف الطرابيش.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.