قصة حقيقية حصلت معي في الأردن

قبل أكمن سنه.
قبل 5 سنوات.
ما زلت أذكر ذلك الشتاء القارص والقاسي.
اقترح عليّ نخبة من الشباب المثقفين بأن نقوم بتشكيل منتدى ثقافي يعني بهموم الكُتاب والمبدعين من شعراء وكتّاب قصة قصيرة ورواية, وأن نعني أيضا بالأقلام الواعدة.
الأقلام المبدعة.
الأقلام التي توحي لك بأن أصحابها في المستقبل سيكون لهم شأنٌ كبير.
المهم, قمت بالاتصال بالمبدعين من الكُتّاب والمبدعين وعلى مدار شهرين من الاتصالات والاجتماعات في منزلي خرجنا أخيرا بفكرة(المنتدى الثقافي).
فرحنا جميعنا بولادة الفكرة.
لم أنم يومها جيدا من شدة الفرح.
حشرت للمنتدى النخبة المثقفة من بلدتي, من مبدعين ومهتمين ومشجعين.
وعلى حسب الأصول, قمت بالمشوار الروتيني القاتل, وقلت: عادي التعب كله بروح, أهم شيء أن ينجح عملنا, غدا سنقدم للناس في محافظة إربد انجازاتنا وإبداعاتنا الثقافية, غدا سنقدم الموهوبين من المثقفين والمبدعين, غدا هو الأجمل.
والأهم في الموضوع.
أنني ذهبت إلى وزارة الثقافة وعلى حسب الأصول قدمت أسماء المؤسسين للمنتدى.
الأسماء الرباعية.
وأماكن عملهم.
وأماكن تواجدهم.
وأرقامهم الوطنية.
وصورة عن كل بطاقة شخصية لهم.
وقدمت قصيدة مدح طويلة في جلالة الملك وقصيدة أخرى في وزير الثقافة وفي الوزراء الذين سبقوه وفي الذين سيأتون من بعده.
ومدحت رئيس قسم الهيئات الثقافية, حتى المراسل الذي أحضر لي القهوة مدحته كأفضل مراسل رأيته في حياتي وكدتُ أن أكتب به قصيدة مديح طويلة.
وقدمت الولاء والطاعة لجلالة الملك وأقسمت أنني على العهد وسأكون من المصفقين والمسحجين وحتى أثبت ذلك سحجت أمام الموظفة المسئولة عن الهيئات الثقافية في المملكة الأردنية الهاشمية.
مملكة ا لبي كومبلكس, أو مملكة الشعب الذي يعاني من نقص في فيتامين البي كومبلس.
دبكت.
وسحجت
وصفقت.
ومدحت بقصيدة شعرية كل من صادفني يومها في وزارة الثقافة.
وقلت: يعيش جلالة الملك.
احضروا لي الشاي والقهوة.
رتبوا على كتفي وكأنني طفل صغير.
خرجت وأنا مطمئن جدا على الثقافة في الأردن.
كنت سعيدا من استقبالهم, وقلت: هكذا هي الحكومات ولا بلاااش!!.
قالوا لي: دع لنا الأوراق وسنرسلها للدوائر الأمنية كإجراء روتيني, قلت: عادي, كل الأعضاء أصلا من المثقفين الذين لا يفقهون لا بالسياسة ولا بالتسلق, كل همهم أن يجدوا مكانا يلقون فيه قصيدة شعرية أو لنقل أن 5 منهم فنانون تشكيليون كل حلمهم أن يجدوا جدارا يعلقوا عليه لوحاتهم.
عدت إلى المنزل وانتظرت ما يقرب من شهر كامل.
اتصلت بي امرأة بعد ذلك من محافظة إربد وقالت: ضروري أن تحضر إلى مكتبي.
ذهبت إليها وكلي شوق وحنان وحرمان ولهفة, قابلتني وهي مبتسمة, وقالت: فلان من المؤسسين مطلوب للمخابرات كإجراء روتيني, وفلان مطلوب للأمن العام…وفلان مطلوب للمخابرات.
قلت: أوكي على الرحب والسعة.
اتصلت بالمطلوبين وأبدوا استعدادهم للذهاب.
بعد أسبوع اتصلت بي نفس الموظفة وعاتبتني وقالت: المطلوبين لم يذهبوا للمخابرات. اتصلت بهم: قالوا ذهبنا وقالوا لنا أننا لسنا مطلوبين نهائيا, ذهبت إلى الموظفة وأخبرتها القصة, وبقيت ما يقرب من شهرين بين المحافظة وبين الجماعة المطلوبين.
وأخيرا سقط الصرح الذي كنت أحلم بتأسيسه.
ذهب كل شيء أدراج الريح.
ذهبت أحلام الشعراء والكتاب القصصيين.
لم يعلق الرسامون لوحاتهم على جدار المنتدى.
وهبطت بل وأحبطت أحلامنا جميعنا ورجع كل واحد منا إلى بيته خجلا وكأنه فعل شيئا مخلا بالأخلاق وبالشرف.
المهم مرة أخرى.
أو المغزى من تلك القصة أنه حدث قبل يومين في بلدتي أمرٌ عجيب.
أغرب من الخيال.
صحوت على أصوات الزغاريد
الناس تحتفل بالشوارع وتفرفر بسياراتها.
سألت: شو في؟
قالوا: نجح المهندس أركان حرب المتقاعد وزمرة من الضباط المتقاعدين بتشكيل منتدى ثقافي.
نظرت في قائمة المؤسسين.
لم أجد شاعرا واحدا.
لم ألحظ كاتب قصة واحد.
لم أتعثر برسام تشكيلي.
كل المؤسسين وكل أعضاء الهيئة الإدارية لا يوجد فيهم رجل واحد من المتخصصين بالثقافة أو من المهتمين, أو من المشجعين.
حزنت كثيرا.
وقلت: طيب هاظا العضو المؤسس من أقربائي لماذا لم يتصل بي؟ طيب أنا مش مشكله: لماذا لم يتصل ذلك العضو بنايف القاص؟؟
أغلب المؤسسين كانوا من الشخصيات التي لديها خلفية فكرية دينية اسلامية متزمتة.
أغلبهم متعاطفون مع الإخوان المسلمين أو حزب التحرير والباقي من المؤسسين لديهم لحى طويلة مثل داعش وماعش.
اتصلت بالمؤسسين وقلت لهم: أين اللاعبين؟ أين: نايف؟ أين لطفي وأين أحمد وأين أنا؟ فقالوا: ولماذا لم تؤسس منتدى ثقافي.؟
عند سماعي هذه الكلمة دمعت عيني.
فقلت لهم: عملت ولكن الإجراءات كانت معقدة.
قالوا مستحيل.
نحن لم نذهب إلى أي دائرة أمنية, وقالوا: لم نُطلب لأي جهة أمنية, لم تتدخل بنا المخابرات, لم يطلب منا عضوا واحدا.
جثوت على ركبتي وقلت: أعضاء مؤسسين غير مثقفين وغير مهتمين في الثقافة ينجحوا بتشكيل هيئة ثقافية دون أي إعاقة.
دون أن يتعرضوا للمسائلة.
والغريب أن أغلبهم لديهم مرجعيات حزبية إسلامية متطرفة ووسطية.
دون أن يدخلوا في سين وجيم كما دخلت أنا.
هاظا شيء غريب!!
طيب ليش أنا عقدوني؟
وعقّدوا اللي خلفوني!!
مرمروني بيجي شهرين وانا رايح جاي.!!!.
دون أن يكون ولا لأي واحد منهم أي محاولة لكتابة مقالة أو قصيدة أو قصة!.
دون أن يكون لأي واحد منهم تجربة مع أي منتدى ثقافي سابق.
وأنا عقدوني حين أحضرت المثقفين الحقيقيين, حين أرسلت في الشوارع أحشر جيشا كبيرا من المبدعين الحقيقيين.
والحكومة على التلفاز تطالب بالنهضة.
كيف سننهض.
وكيف سنقاوم الارهاب؟
هذا حدث في الأردن بتاريخ 21-11-2015.

About جهاد علاونة

جهاد علاونه ,كاتب أردني

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

One Response to قصة حقيقية حصلت معي في الأردن

  1. س . السندي says:

    ** عادي حكوماتنا كلها لا تحترم إلا أبو كف كبير ورأس حمير أما الفنون والمثقفين هم أخر المحترمين إن وجدو فيها ، سلام ؟ **

Leave a Reply