قصة حب من زمن المراهقة .

في سن ال 14 أو ربما ال 15 كنتُ طالباً في المدرسة المتوسطة في مدينة المأمون. ولكون تلك المدينة كانت حديثة البناء فلم تكن وزارة التربية والتعليم “المعارف” قد هيأت بعد مدارس جاهزة للتلاميذ ـ بنات وأولاد ـ، لِذا قامت بإستئجار بيت كبير متعدد الغرف والصالات وجعلوه مدرسة متوسطة للبنات صباحاً وللبنين بعد الظهر!، وكأن الأختلاط كان مرضاً مُعدياً وطاعوناً أسوداً في ذلك المجتمع الذكوري المتخلف !.
وكنا نحنُ الأولاد نكتب فوق جدران غرف الحصص الدراسية والطاولات المدرسية الخشبية والتي كنا نُسميها ( الرَحْلَة )، عبارات شِعر وحب وغزل حتى تقرأنها البنات في اليوم التالي، كذلك كانت تفعل الجريئات منهن .
ذات يوم تركتُ رسالة ورقية للبنت المجهولة التي كانت تستعمل رحلتي الخشبية وأخبرتُها بإسمي (طلعت بديع) .. وطلبتُ منها أن تترك لي رسالة تُعَرِفني بنفسها، وفعلاً إستجابت لطلبي … وكان إسمها (وداد) .
إستمرت الرسائل السرية العذبة المثيرة بيننا يومياً، وكُنا نخفيها في باطن “الرَحْلَة” حيث هناك شق أو شرخ بين الأخشاب.
كان الكثير من الطلاب يلجأون لنفس طريقتي في ترك رسائل للفتيات عبرَ رَحْلاتِهِم الخشبية، ولكن بعضهم ضُبِطت رسائلهم من قبل المدرسين المُفتشين المعقدين نفسياً وإجتماعياً، وتمت معاقبتهم بواسطة الضرب بالعصا (الخيزرانة) على راحة أكفهم أثناء الإصطفاف المدرسي اليومي وكأنهم كانوا قد إرتكبوا جريمة مُخِلة بالشرف !!.
غالبية البنات لم يستجيبوا للرسائل التي تركها لهم الأولاد في رحلاتهم المدرسية، ربما خوفاً من العقاب أو “الفضيحة”!!، أو خوفاً من أخوتهم التلاميذ في نفس المدرسة. أو ربما لإن فذلكات (الشرف والعيب والحرام) الموروثة كانت قد أخذت مفعولها في مفاهيمهن وشخصياتهن وطريقة تفكيرهن وحياتهن للأسف .


ذات مرة كان داخل رسالتها وردة قرنفل حمراء ربما كانت أجمل هدية تلقيتها من أنثى طوال حياتي، وإحتفظتُ بها بين ثنايا ديوان شعر لنزار قباني كان بعنوان (( قالت لي السمراء )) .
ذكرَت لي (وداد) في واحدة من رسائلها بأنها أخت الطالب “س” وطلبت مني أن أتعرف عليه وأتخذه صديقاً لي حتى يُمكن لي الإختلاط بهِ وزيارته في بيته ومحلته ومن ثم نتمكن ـ هي وأنا ـ من أن نتعرف ونرى وجوه بعضنا ولإول مرة ، حيث علاقتنا كانت بالخفاء وحتى من دون أن نعرف شكل بعضنا البعض!، وكما يقول المثل (الأذنُ تعشقُ قبل العَينِ أحيانا) أو الفكرُ والنفسُ وليس الأذن كما في حالتنا .. وداد وأنا !.
تعرفتُ على شقيقها (س) وكان بعمري .. شاباً مرحاً طيباً جميل الأخلاق، يحمل وجهاً جميلاً مما أفرحني حيثُ حتماً شقيقته (وداد) ستكون جميلة مثله على الغالب.
وفعلاً .. وجدتها جميلة حين شاهدتها لإول مرة في حديقة بيتهم. سمراء رشيقة الجسد تحمل وجهاً جميلاً وشعراً أسوداً بلون الليل البهيم وعيون سوداء لماعة وكأنها من زجاج، وأكثر ما شدني إليها وأعجبني فيها هو الغمازة العميقة المثيرة في خدها وخاصةً حين كانت تبتسم .
الحق أحببتُ تلك الفتاة حتى من قبل أن أشاهدها، وأصبَحَت شغلي الشاغل وملهمتي في كتابة أول الأشعار في حياتي والكثيرمن الخواطر النثرية التي كنتُ أتركها لها في الشق الخشبي في الرَحْلَة المدرسية التي شهدت حبنا الجميل البريء في عالمٍ جاهل ومانع للحب والعشق وكل ما هو جميل ورومانسي وفطري وبشري يقود إلى السعادة الحقيقية البيضاء .
فجأةً لم تعد (وداد) تترك لي أي رسالة !، ولم تجدي كل رسائل العتاب والشوق والإستفسارالتي تركتها لها في الرَحْلَة المدرسية، وكنتُ كلما زرتُ صديقي (س) في بيتهم ومحلتهم لا أشاهد (وداد) كما كان يحصل في السابق!، مما جعلني أفكر بإحتمالاتٍ لا تخطر على بال أحد، إلى أن تفاجأتُ ذات يوم برسالة أخيرة منها تركتها لي في الشق الخشبي تقول لي بإختصار ما معناه بأنها عَرفَت من شقيقها (س) بأنني مسيحي !!. وهذا معناه إننا لا يُمكن أن نكون لبعضنا في المستقبل القريب!، مع كلمات إعتذار كثيرة عَجَزَتْ تماما عن أن تُشفي جراحي العميقة التي حملتها معي لسنوات كثيرة لاحقة .
وداد لم تكن ناضجة يومها لدرجة تفهم أنه ليس للحب شروط . لهذا لم أرسل لها أية رسالة جوابية. وذلك دعاني كي اُلملِم جراحي وإكتفي بالصمت المُطبق .
بعد سنوات طويلة من قصة الحب هذه، وقبل مغادرتي العراق كمهاجر، وقفتُ في منتصف جسر الجمهورية وقذفتُ كل رسائل وداد مع زهرة القرنفل الحمراء اليابسة ليغرقوا في نهر دجلة الحبيب .
اليوم وبعد مرور أطنان من السنين لم أعد أتذكر ملامح (وداد) بالضبط !، لكني لا أزال أعشقُ الغمازات الجميلة في خدود النساء. ولا تزال الإبتسامة الحزينة ترتسم فوق وجهي كلما شاهدتُ زهرة قرنفل حمراء .
طلعت ميشو . Feb – 5 – 2021
************************************
هذه القصة مهداة لمن إقترحَ عليَ كِتابة مواضيع عن قصص الحب، وهُم: رجاء رجاء سولاف، فؤادة محمد، سحر صالح، طليعة ألياس، رافدة سفر، مكارم ابراهيم، سليم كلكامش، زكي زريف .

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

1 Response to قصة حب من زمن المراهقة .

  1. س . السندي says:

    من ألاخر …؟

    ١: الله على حب الطفولة العذري والصبايا ، اللواتي يزدن الجراح جرحا وبلايا

    فكيف لمن أوجد الحب والهوى في البشر أن تحرمنا منه أديانه أو بعض الحثالات والبقر ؟

    ٢: المراة هى ملهمة الشعر الاولى ومدرستها ، ومن لم يكويه حب إمراة مجنونة يبقى تلميذا فاشلا في الحب وكسولا ؟

    ٣: وأخيرا { أول قصاصة شعر كتبتها كانت لجارتي واسمها منتهى قلت فيها…؟
    يا جارتي يا منتهى ، لشخصك تمثال في غرفتي ، أقبله كل ليلة حتى ينام هو وأبقى أنا ؟

    وختاما
    سلاما لكل المحبين والعشاق ولمن كان دينه الحب نبيا ورسولا ، سلام؟ ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.