قصة تعبيرية ساخرة عن الفلسفة الواقعية

الكاتب الفلسطيني نبيل عودة

الفلسفة المبسطة: مفهوم الفلسفة الواقعيــــــــة

وقصة تعبيرية ساخرة عن الفلسفة الواقعية

نبيــــــل عـــــــودة

احتد النقاش بين طلاب قسم الفلسفة حول مفهوم الواقعية. أحمد القى شبه محاضرة ادعى فيها ان النقاش عن الواقعية يفتقد لتحديد دقيق لنوع الواقعية التي يقصدها زملائه الطلاب.

تابع شارحا وملفتا النظر لمعلوماته الواسعة بقوله ان هناك أشكال متنوعة من المفاهيم الفلسفية للواقعية، التي تطورت في اطارها مدارس فلسفية مختلفة، وان النظريات المختلفة في الفلسفة عن الواقعية، بدأت بما يعرف ب الواقعية كمفهوم فلسفي ومنطقي يتعامل مع الأحداث الموضوعية، وروابط الموضوعات، وتفاعلها والتغيرات الحاصلة نتيجة التراكم او التفاعل، الى جانب حقائق مجربة ومؤكدة علميا.

مرشد قاطع أحمد “ليبرز نفسه” كما علقت بسخرية فاتنة، إذا انه قطع اندماجها مع حديث أحمد الشيق. وقال: الواقعية تعرف نظريات متنوعة منذ الفلسفة الاغريقية وصولا الى العصر الوسيط، والى عصرنا الراهن.

لكنه لم يورد أي نموذج يمكن اعتماده في شرح موقفه، بشكل “فلسفي ومنطقي”، حسب تعبير محاضرهم عندما كان ينتقد أجوبة الطلاب العامة التي لا تعتمد على مراجع تؤكد ما يذهب اليه الطالب في عرض وجهة نظره.

أحمد حافظ على صمته، مشغلا فكره كما يبدو وبعد ان وجد فرصة هدوء مناسبة أضاف، فارضا الصمت لسماعه: مفهوم الواقعية حظي باهتمام الفلاسفة الإغريق مثل أفلاطون وأرسطو. كان هناك فلاسفة في العصر الوسيط طوروا مختلف النظريات عن الواقعية، حتى وصلنا الى القرن العشرين، لنجد ان فلسفة الواقعية، أضحت أحد المواضيع البارزة في الفلسفات الحديثة، مثلا، تطورت “الواقعية الجديدة” التي تدمج بين الموضوعي والذاتي، والواقعي والذهني، وذلك في إطار نظرية المعرفة.

كان الادعاء الأساسي في هذه النظرية الفلسفية التي عرفت باسم الواقعية الجديدة، انها تعتمد على التجربة. ثم تطورت نظرية هامة عرفت ب “الواقعية النقدية”، التي أعتقد انها الأرقى والأكثر تركيبا، وهذا التيار يؤكد على الخصوصية النوعية للوعي والمعرفة الإنسانية.

حسب طروحات فلاسفتها تتشكل هذه المعرفة النوعية من ثلاثة عناصر: الذات، الموضوع والمعطيات، التي على أساسها تبنى المعرفة حسب نظريتهم.

بالطبع لا أنصحكم بقبول أي نظرية قبل الإلمام بكل نظريات المعرفة ودراستها.

ساد الصمت بعد هذا الشرح المفاجئ والذي نقل الطلاب من أفكار أولية بدائية حول الواقعية، إلى جو يبدو لهم صعبا ومليء بالقفز فوق الحواجز غير السهلة، لكنهم اعتادوا مصاعب الفلسفة، إنها مجرد حالة تسبق الفهم الصحيح للموضوع، بعدها يصبحون “منظرين ونقاد فلسفيين”، كما يصفهم بشعور من السعادة أستاذ الفلسفة.

فجأة ارتفع صوت فاتنة: صفقوا لأحمد. قدم لنا درسا لنفهم ان الفلسفة ليست الأوهام التي نشأنا عليها، وان تفسيرات جدتي وجداتكم، يجب ان نتركها خارج قاعة الفلسفة.

ابتسم أحمد بسعادة وعينية تتعلقان بفاتنة، التي فتنته منذ بداية الفصل الدراسي الأول، لكنها تتصرف مثل جنرال في ساحة حرب، جميلة وقاطعة في قراراتها. هذا يجعلها أكثر سحرا وفتنة أنثوية ويجعل أحمد أكثر ترددا ووجلا قبل ان يتجرأ على طرح إعجابه بها لكنه، لسبب لا يدريه، قرر ان يضيف، مقلدا أستاذ الفلسفة في سرد قصة فلسفية تلائم الموضوع، لتسهيل فهمه ـ او لخلق جو مرح يخفف من ضغط الدراسة، عبر قصة تظهر المفارقة بين موضوع الدرس، والحكاية.

كان يهم أحمد اولا ان يرى ابتسامة فاتنة تشرق، لابتسامتها فعل السحر في قلبه، ربما ليثبت لها ايضا، انه ليس مجرد “ولد شاطر” في دروسه، بل خفيف دم أيضا. قال موجها حديثة لها: لدي يا فاتنة قصة عن الواقعية، ارجو ان تسمحوا لي بقصها. ساد الصمت. قالت فاتنة: كلنا نصغي لك. وهز المحاضر راسه موافقا، قال أحمد: القصة عن النظرة الواقعية وتتحدث عن ثلاثة محققين شباب جدد وصلوا لقسم التحقيقات في الشرطة.

مدير القسم قرر، قبل ان يوزعهم على مكاتب قسمه، ان يفحص ما تعلموه في مدرسة الشرطة ومدى جاهزيتهم للعمل في قسمه. كذلك فحص قدراتهم على التحقق من مميزات هوية الجناة.

أخرج من جارور مكتبه صورة، وسأل المحقق الشاب الأول:

– هذه صورة المتهم الذي تطارده. كيف ستتأكد من شخصيته؟

أظهر له الصورة لخمسة ثوان فقط. أجاب المحقق الشاب:

– هذا سهل.. توجد له عين واحدة فقط.

قال مدير القسم:

– ايها المحقق. انا أريتك صورة جانبية لوجه المتهم. بهذه الحالة لن ترى الا عيناً واحدة.

نفس الأمر جرى مع المحقق الشاب الثاني. أظهر له الصورة لخمسة ثوان فقط، وسأله:

– هذه صورة المتهم الذي تطارده. كيف ستتأكد من شخصيته؟

ابتسم المحقق الشاب الثاني وقال بثقة:

– أوه.. من السهل القبض عليه لأن له اذناً واحدة.

غضب مدير قسم التحقيقات من الإجابة الثانية أيضاً، وقال بنرفزة:

– ماذا يحدث لكما؟ من الواضح انه في الصورة الجانبية لا نرى الا عينا واحدة وأذناً واحدة. هل هذا هو أفضل ما لديكما؟

بغضب بارز طلب من المحقق الشاب الثالث ان يتأمل الصورة وسأله بنفاذ صبر:

– هذه صورة المتهم الذي تطارده. كيف ستتأكد من شخصيته؟

المحقق الشاب الثالث تركز في تفكيره، ابتسم وأجاب بثقة:

– المتهم يضع عدسات لاصقة.. من السهل تمييزه.

المدير لم يكن مستعداً لمثل هذا الجواب الجديد، لأنه حقاً لا يعرف اذا كان المتهم يضع عدسات لاصقة، لكنه سعيد بهذا الجواب الجديد من المحقق الشاب الثالث الذي يشير الى محاولة استعمال الفراسة الشخصية. قال:

– جواب مثير حقاً.. انتظروا قليلاً، سأفحص ملف المتهم صاحب الصورة. دخل للحاسوب، وبحث عن ملف المتهم. قرأ مقاطع من الملف، بانت ابتسامة على شفتيه:

– أمر لا يصدق.. هذا صحيح، المتهم حقاً يضع عدسات لاصقة. تشخيص ممتاز. قل لنا، كيف استطعت ان تستنتج مسألة بهذه الدقة؟

أجاب المحقق الثالث:

– مسألة بسيطة سيدي القائد.. الشخص في الصورة لا يستطع ان يضع نظارات عادية لأن له عين واحدة وأذن واحدة!!

[email protected]

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.