قصة بعد الصحوة لأننا دائماً نايمين.

المحامي ادوار حشوة

في العام 2001 تم إطلاق سراح دفعة من المعتقلين السياسيين، وكان من بينهم قريب لنا مقيم في إحدى قرى درعا خرج بعد 22 عاماً قضاها في سجن تدمر..
بعد ثلاثة أيام من خروجه رافقت والدي رحمه الله لتهنئته بالسلامة، وبعد أن وصلنا إلى منزله وتبادل القبلات وكلمات التهاني بالخروج حياً من أسوأ سجن على وجه البسيطة.
كان قريبنا (المفرج عنه) يجلس صافناً في غياب عن الوعي الزماني والمكاني.
كانت علائم القهر بادية على وجهه.. ربت والدي على كتفه وبدأ يواسيه بعبارات الصبر: طوّل بالك وصلي على النبي، الحمد لله إنك طلعت عايش وهيك ربك رايد.
قال الرجل: بتعرفوا ليش أنا صافن؟
ثم تابع قائلاً: والله دخلت المعتقل من 22 سنة وكنت أباً جديداً لطفل لم أعلم ماحدث له، لأن سنوات السجن الـ 22 أنستني حتى اسمي، لن أحدثكم عما رأيته وسمعته وعشته وذقته من العذاب، لكن حين أعلموني بنبأ الإفراج عني وتجهزت للخروج، اصطحبوني بسيارة ثم قاموا بوضعي في درعا البلد وانصرفوا.
سألت الناس أين انا وكيف الوصول إلى قريتي؟ فدلوني، وقام أحدهم بعد أن عرف وضعي بإيقاف سرفيس وقام بإعطاء السائق مبلغاً من المال كي يوصلني للقرية التي تبعد ثلاثة أرباع الساعة.
وفي الطريق كان السائق يقول بين الفينة والأخرى: أهلين حجي.
ثم سألني لوين رايح حجي؟ قلت له: للقرية الفلانية.
سألني: و مين إلك بالقرية؟
قلت له: أهلي وقرابتي.
قال لي: وكيف هيك؟ أنا من هذه القرية وما أعرفك، ونحن كلنا مائة بيت! لعند مين رايح بالضبط؟
قلت له: رايح عند بيت فلان (أقصد نفسي).


فجأة توقف السائق في وسط الطريق والتفت إلي وقال: شو إلك ببيت فلان؟ ومن وين تعرفهم؟ بدك تخبرني.
قلت له: انت يا أخي وصلني لعندهم وما عليك بالباقي.
قفز السائق إلى حيث أجلس وأمسك بياقة قميصي حتى كاد أن يخنقني وقال لي: اسمع، ولك هذا بيتنا يلي انت رايح عليه وأنا صاحب البيت وشلون تجي لعنا، وأمي أرملة وأنا ما أعرفك؟!
هنا والله لم أدري ما فعلت، لكن قلت له: أنت أحمد؟!
قال لي: اي أنا أحمد ، بدي أعرف شو بدك ومين انت!؟
فما كان منّي إﻻ أن قبلت يديه اللتين ما زالتا على الياقة وقبلت وجهه وأنا أقول: أنا أبوك أنا أبوك.. وأخبرته أجزاء من ذاكرتي عنه وعن والدته أم أحمد.
وأسقط في يده واحتضنته واحتضنني في عاصفة من دموع ﻻ تصفها كل الكلمات.
ومن وقتها وأنا أعيش صدمتي هذه التي أنستني سنواتي ال 22 التي قضيتها في السجون.
( ولا يزال بعضنا يقول: كنا عايشين و مبصوطين).

About ادوار حشوة

مفكر ومحامي سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.