قصة الاسلام عند المستشرقين

قصة الاسلام عند المستشرقين

يتسائل المؤرخ توم هولاند هل الاسلام هو من اوجد الامبراطورية العربية ، ام الامبراطورية العربية هي من ولدت الاسلام ؟
وللاجابة على هذا السؤال ومعرفة قصة الاسلام من مصادرها التاريخية زار المستشرق توم هولاند الكثير من المناطق التي جرت فيها الاحداث التاريخية الاسلامية ، وحقق فيها كثيرا وصور فيها فيلما وثائقيا يحكي قصة الاسلام كما درسها اكاديميا . ومن هذا الفيلم المسمى ( الاسلام _ قصة لم تروى ) نستخلص هذه المقالة حيث قال المستشرق توم هولاند مايلي .

نشأ الاسلام في صحارى الجزيرة العربية ، على يد رجل عربي من قبيلة قريش العربية اسمه محمد بن عبدالله بن عبد المطلب . حيث ترعرع في بادية تلك الاراضي الصحراوية القاحلة . ضمن المجتمع البدوي الذي كان يمتهن الرعي ولايتقن الزراعة ولا الصناعة ، ويسوده الامية والجهل .
كانت العرب قبائل عديدة تعيش في قرى ومدن صغيرة بعيدة عن المدنية والحضارة ، تمتاز بالفصاحة والشعر والبلاغة الكلامية .

في الجانب الشمالي من جزيرة العرب كانت الحضارة الرومانية في اوج ازدهارها في القسطنطينية التي تدار وتحكم من قبل الرومان ، حيث امتدت امبراطوريتهم من بلاد الاناضول والقسطنطينية الى سوريا وفلسطين وشمال افريقيا.
في عام 632 م كانت القسطنطينية عاصمة الثقافة وقلب العالم المسيحي الروماني.
أما في الجانب الشرقي من جزيرة العرب وعبر البحر كانت هناك الامبراطورية الفارسية العريقة والمنافسة للرومان .
في عام 630 م اجتاحت جيوش الفرس اهم مقاطعات الامبراطورية الرومانية ووصلت الى اسوار القسطنطينية ذاتها . وبعد خمس وعشرين سنة من المناوشات على الحدود ، تمت هزيمة الفرس واصبح الامبراطور الروماني مجددا سيد الكون ، ولم يكن يدرك ما سيخبئه له القدر على ايدي الغزاة العرب المسلمين الجدد.

في القرن السابع الميلادي ، ثبت محمد نبي الاسلام حكمه في جزيرة العرب من شمالها الى جنوبها، وكان طموحه بلا حدود لنشر الاسلام عبر البلدان المجاورة ، ذات الحضارات والغنى والرفاه الذي يحلم به بدو العرب ان الحلم بالغنى وكسب الاموال والمغانم وسبي النساء كانت هي الدافع الاساسي لغزوات المسلمين كعادة بدو الصحراء والصعاليك، وكان نشر الاسلام والدعوة اليه هو الستار الذي يظهر للسطح . فقد قال محمد قولته المشهورة : ” اُغْزُوا تَبُوك تَغْنَمُوا بَنَات الْأَصْفَر وَنِسَاء الرُّوم “
فقد كان الهدف سبي البنات والنساء الجميلات من الروميات الشقراوات وليس نشر الاسلام .

ارسل محمد نبي الاسلام رسائل تهديد الى حكام الفرس والرومان يدعوهم الى الاسلام تحت شعار اسلم تسلم .
ولما لم يصغ حكام الفرس والروم الى دعوة وتهديد محمد، وجه العرب البدو الجيوش لغزو العالم شرقا وغربا ، واستطاعوا احتلال اراض شاسعة وبنوا امبراطورية عربية اتسعت لتغطي نصف العالم لينشروا دين الاسلام ويحتلوا اراض وممالك عديدة ويملؤا خزائن بيت المال من اموال الشعوب المحتلة .
لم يفكر قادة الجيوش العربية في بناء حضارات متقدمة ونشر التعليم واكتساب العلوم ، لأنهم اصلا كانوا يفتقدون الحضارة والعلوم ، وانهم بدو ورعاة وصعاليك من الصحارى والبوادي لا يجيدون سوى مهنة الغزو وقطع طرق القوافل التجارية . كان همهم الوحيد هو نجاحهم في نشر الاسلام وكسب الغنائم والاسلاب والنساء والغلمان للاستمتاع الجنسي اوللبيع في اسواق النخاسة للربح وشراء الاسلحة والخيول، وكذلك استحصال الجزية من الشعوب المحتلة لتكون موردا ماليا ضخما يملئ بيت المال الاسلامي .
بالنسبة للقدماء من الشعوب والقادة كان العرب مشهورين بهمجيتهم .
يقول المؤرخ توم هولاند منتج فيلم ( الاسلام قصة لم تروى ) : من بين جميع البشر على وجه الارض حضى العرب على أقل قدر من الاحترام والاهمية .
في النصف الاول من القرن السابع الميلادي، وبعد الف سنة من ازدهار الحضارة الرومانية ، استطاع العرب المسلمون احتلال القسطنطينية وحرمان الامبراطورية الرومانية من اغنى مقاطعاتها.
لقد حطم العرب المسلمون اكبرعاصمة لأعظم امبراطورية في التاريخ وقضوا على الكثير من آثارها المعمارية والحضارية ، وحولوا اعظم كاتدرائية فيها وهي آية صوفيا الى مسجد بعد ان ازالوا لوحاتها الفنية الرائعة التي كانت تشير الى الديانة المسيحية .
كما استطاع العرب القادمون من صحاري الجزيرة العربية ان يسحقوا الامبراطورية الفارسية واخضعوها للاسلام والمسلمين بقوة السيف تحت شعار اسلم تسلم وراية لا اله الا الله محمد رسول الله.
سميت تلك الغزوات فيما بعد بالفتوحات الاسلامية بعد معارك طاحنة بين العرب والروم في معركة اليرموك ومع جيوش الفرس في معركة القادسية.

خلال فترة حكم الامبراطورية الررومانية ، كان العرب البدو على هامش التاريخ ، لكنهم استطاعوا ان يؤسسوا لأكبر امبراطورية اسلامية امتدت من منطقة الشرق الاوسط غربا الى شمال افريقيا واسبانيا وشرقا الى بلاد فارس وما بعدها خلال عقود قلائل . ونجحت فيما بعد في تكوين امبراطورية شاسعة من الصين الى حدود فرنسا .
قصة الاسلام بدأت عندما سمع محمد في غار حراء صوتا مخيفا مهيبا يقول له إقرأ ، وادعى محمد ان ملاكا من السماء ظهر له قائلا انه رسول الله ، وانه سيكون نبي هذه الامة ، كانت الرسالة واضحة بقدر ما كانت بسيطة : لا اله الا الله ، محمد رسول الله .
الاسلام يعني التسليم لله . كانت هذه الرسالة هي التي منحت العرب القوة لاحتلال ممالك عظيمة وتأسيس امبراطورية واسعة .
يقول المؤرخ توم هولاند الذي نستمد هذه المقالة من فيلمه ( الاسلام – قصة لم تروى) : لا يشك احدُ بأن الفتوحات او الغزوات قد حدثت بالفعل ، ويتسائل :هل كانت تلك الغزوات والفتوحات بدواعي نشرالاسلام ام لأمور اخرى؟

ويشير المؤرخ توم هولاند في الفيلم ان الاسلام لم يترك اي دلائل وآثار مادية وحضارية او معمارية مرموقة تشير الى وجوده كما ترك الرومان والفرس والسومريون والبابليون وآلاشوريون من آثار معمارية ومنقوشات تدل على عظمة حضارتهم ورقيهم .

في الجامعات الغربية ، تقام الابحاث التاريخية عبر مبدا الشك والريبة ، وكما قام الكثير من العلماء بتسليط الضوء على حياة السيد المسيح ، يقوم بعضهم الان بالنظر بشكل مختلف جذريا لحياة محمد .
تشغل ( باتريشيا كرون) منصب بروفيسور في جامعة برينستون وهي واحدة من العديد من المؤرخين الذين يبحثون في موضوع جذور الاسلام .
تقول باتريشيا :”هناك ستار يحمي محمد لايمكنك تجاوزه ، ونحن نعلم انه كان موجودا في مكان ما من الجزيرة العربية وأنه مرتبط بالقرآن ، فقد كان هو من تلفظ بكلماته ، ولكن قلة المعلومات لا توصلنا لما جرى، وهو الأمر الذي يريد المؤرخون ان يعيدوا تركيبه ، لدينا انعدام الادلة ، صحيح لدينا القرآن ، ولكننا لا نستطيع ان نروي القصة الكاملة باعتماد القرآن . لدينا العديد من المصادر القديمة غير الاسلامية ، لكن عند جمعها لاتشكل القصة الكاملة . ليس لدينا شئ من الادلة الاسلامية، سوى كتاب واحد فقط من الاصل ولا شئ غيره … هناك ظلام دامس عن التاريخ الحقيقي للاسلام” .

لكن العرب لا يرون الامور بهذه الطريقة .
يعتقد البدو انهم يعرفون كل شئ عن محمد ، صفاته الشخصية ، زوجاته وحتى طعامه المفضل . هناك عالم كامل مبني على قصص تراثية ومتوارثة عن محمد نبي الاسلام .

كان محمد تاجرا يعمل لحساب خديجة بنت خويلد قبل زواجه منها ، ولكن لم يترك لنا دليلا ماديا على ذلك سوى كتب السيرة التي كتبت بعد ما يقارب 200 سنة بعد حياة محمد .
في معظم الديانات يتم نقل التراث من خلال التاريخ الشفهي.
لقرون عدة وضعت هذه جانبا ، وتعتبر الان تاريخا ايجابيا، التراث الشفهي معكوس تماما.
تقول البروفيسورة باتريشيا : ” ان التراث الشفهي يعني انك تتذكر الاشياء التي تريدها ، بعضها يمكن اعتباره من التأريخ ، ولكن معظمها ليس تاريخا كما هو واضح . فقد تم اعادة صياغتها وتشكيلها وتم اخراجها من سياقها الاصلي حتى تخدم اغراضا جديدة، تم تعديل احداث التأريخ او تخريبها بواسطة جميع الاغراض التي ارادها الناس “.

في سنة 636 م ، انتصر العرب على جيش الرومان في معركة اليرموك، ثم انتصروا على جيش الفرس بمعركة القادسية. كلا الامبراطوريتان كانتا ضعيفتين بسبب الحروب الطويلة مع بعضهم البعض ومع الاخرين، ولم تستطيعا مقاومة هجمات العرب .
سار العرب بجيوشهم ودخلوا اغنى مقاطعات الامبراطوريات المنهزمة .
بعد خمس سنوات من موت محمد ، اتجهت انظار المسلمين الى ارض الميعاد ، الارض التي قال عنها الله في التوراة انها تفيض لبنا وعسلا .
الارض التي وعد بها الله لليهود لتكون موطنا لهم . الان اتى العرب ليطالبوا بذلك الحق لأنفسهم . ابناء اسرائيل جعلوا منها ارضا يهودية ، الرومان جعلوا منها ارضا مسيحية مقدسة في زمن الامبراطور قسطنطين وما بعده لو اتى العرب بدين جديد فحتما سنجد بصمتهم هنا .
المصادر المسيحية تؤكد انه في اواخر القرن السابع ، سيطر العرب على القدس من خلال مفاوضات سلمية .
يتسائل بعض المؤرخين، ما هو الدين الحقيقي للفاتحين الاوائل من العرب ؟
المشكلة التي يصعب فهمها هي : كيف ان مجموعة صغيرة من العرب استطاعت السيطرة على مدن فيها اعداد كبيرة من السكان تفوق عليهم ، وعدد من المسيحيين واليهود والزرادشتيين يحملون افكارا دينية رفيعة .
لماذا لم تقم هذه الشعوب المحتلة بالثورات ضد حكام المسلمين ، لو كان هؤلاء الحكام المسلمين يحاولون فرض شئ يختلف جذريا مع معتقداتهم ويعاديها ؟ ماذا كانت نية العرب وماذا كان دافعهم؟

بعض المعاصرين من المسيحيين يقولون بأن العرب كانوا يؤمنون باله واحد وانهم كانوا يتبعون مرشدا او معلما ً ، ولكن بصورة عامة فهمهم لمعتقدات العرب كان مشوشا بعمق ، بالنسبة لليهود وكذلك المسيحيين كانوا يعرفون ان العرب جاؤا من اعماق الصحراء، ولا يعرفون من هم ولا يعرفون معتقداتهم . هم يسمعون اشياء عنهم .
بالبداية ظهر الحكام العرب وكأنهم قريبون من اليهود. لم يكونوا مهتمين بأماكن المسيحيين المقدسة ، عوضا عن ذلك بدؤا بالصلاة على اطلال المعبد اليهودي القديم ( هيكل سليمان ) ، كل هذا زاد من احساس المسيحيين بالقلق بسبب غزو العرب لهم، بدؤا بالشك بوجود مؤامرة يهودية ضدهم.

لغرض توثيق تاريخ محمد بشكل مادي ملموس، بحث المؤرخ توم هولاند في متاحف العالم عن اول واقدم عملة معدنية نقدية مسكوكة كتب فيها اسم النبي محمد على وجه العملة ، فلم يجد. بل وجد اقدم المسكوكات العربية الاسلامية كانت لمعاوية بن ابي سفيان وتعود للعهد الاموي ، وكذلك عثر على مسكوكات لخلفاء عديدين في العهد العباسي ، ولكن كل تلك المسكوكات النقدية للعهدين السابقين كانت تتجاهل اسم النبي محمد !
بعد 50 سنة من وفاة محمد ، لم يخلد الخلفاء المسلمون اسمه في مسكوكاتهم النقدية او في تراثهم الفكري والتاريخي رغم توسع الامبراطورية العربية في الشرق والغرب من حدود الصين حتى اسبانيا .

بعد موت محمد بدأ العرب بالارتداد عن دين محمد ورفضوا دفع الجزية الى الخليفة ابو بكر الصديق ، فكانت المغانم والجزية والاموال وليس الاسلام هي الدافع لشن حملات الحروب التي اسميت بحروب الردة، وخير مثال على ذلك هو تصريح الخليفة الاول لمحمد ، ابو بكر الصديق قولته الشهيرة : ” لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه “
من هذا يتضح أن سبب حروب الردة سياسي اقتصادي … وليس الارتداد عن دين الاسلام
قالت قبائل العرب المرتدة في اليمن بقيادة مسيلمة : ندفع الزكاة لمستحقيها من افراد قبيلتنا ، لكن الخليفة ابة بكر الصديق رفض واصرّ ان تُجلب الاموال للمدينة المنورة لتوزع على قريش !
كما تمرد المسلمون المتنفذون في الشام واعلنوا اقامة دولتهم الاموية وتسمية خليفة للمسلمين من قوم بني امية وليس من بني هاشم .

بعد نصف قرن على وفاة محمد مؤسس الاسلام ، تم طبع عملة نقدية من قبل عبد الله بن الزبير كتب على وجهها ( بسم الله- محمد رسول الله ) .
وهذه اول عملة يُكشف عنها تحمل اسم محمد ، سكها عبد الله بن الزبير مقلدا بذلك الامبراطور الروماني قسطنطين الذي كان اول امبراطور مسيحي في الامبراطورية الرومانية .

قضى عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير واسس أمبراطورية العرب الجديدة في الشام ، وبنى مسجد قبة الصخرة على انقاض هيكل سليمان ، وكانت اساساته محفورة فوق صخرة كبيرة حيث يعتقد اليهود انه مسكن الله وقدس الاقداس ، كما يعتقد المسلمون انه الكهف الذي صلى فيه محمد قبل عروجه الى السماء كما ورد في قصة الاسراء والمعراج التي تثير الشكوك حول صحتها.
رفع عبد الملك بن مروان البناء واحاطه بقبة كبيرة وعالية ليقول لليهود والمسلمين إننا ها هنا موجودون .
توالى الخلفاء المسلمون على حكم الامبراطورية الاسلامية بالوراثة وليس بانتخاب من هو الاصلح والاقدر على القيادة ، ولكن معظمهم مات قتلا اما بالسيف او بالسم ومن اقرب الناس اليهم من عوائلهم طمعا بالخلافة .
هذه هي لمحة عن قصة الاسلام كما يراها المؤرخون المستشرقون بعد دراسة وتمحيص اكاديمي دقيق .
صباح ابراهيم

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.