قرص الحقيقة

خاطرة أدبية من جمال شحود رضوان / سورية شاعر وناثر‎

قرص الحقيقة
هبوب غبار التفكك تساقط على خياشيم صباح واحتي، في منتصف الفاقة والعوز قبل قراري المفاجئ بالرحيل مع خيوط الصباح الأولى، وانكماش قرص الحقيقة عند تكلّس تلاله فأخذت تميل نحو أفق المصير فوق جبين النكبة مع توافد الزواحف والجرزان والعناكب من شقوق الجدران و الأراضي المجاورة و فوحان روائح كريهةٍ ومقززةٍ، تنبعث أنى اتجه أنفي كي يستكشف الجوار ويشتمّ رائحة الهويات المقززة بين تضاعيف عمري. فاضطرّرت أن أخاصر الوجع بإزار الأنين وأركل الخوف إلى حافة الانهيار والانبهار، وأغدو أبعد من أن تطالني يد الحلم الوليد بعد سقطاتي العديدة وفي كلّ مرّةٍ كدت أعتبرها الأخيرة . لملمت ذكرياتي على عجلٍ وركضت باسماً نحو الجهة الوحيدة المباحة لي هذه اللحظة!، ولا أدري إلى أي وقتٍ يمكن أن يكون متاحاّ لي أن أحلم كأي متشوفٍ لإرهاصات خيالي الواعد.

حينها هُيأ لي أمْ شبهة النصر دفعتني ضمن نسق التواكل، مع كريّات الروث التي بدأت تتدحرج لترصف درب التحرير أمْ التحريك ، بدايةً ببطءٍ باردٍ! نحو مسيل النجاة تلك الأخاديد التي خُطّت حين رُكّز رُفاة علم الأقانيم العريقة بين رُكام الاندفاعات البركانية المتشظيّة فتلّقفت إحدى حواف السارية، وشرعت تغرس أنيابها بمؤازرة الغريب قبل القريب في بقايا الأسمال المتبقية من السارية وتذروها الرّيح جهة الأخدود فيسارع الصغار قبل الكبار ليلتقطوا بعض النتف المتساقطة من قماط السارية، علّهم يستطيعون تسوير عوراتهم بها لكي لا ترشح وتبعد عنهم شرّ الإصابة بالعين وتحمي أرزاقهم التي خبأوها في بنوكٍ بعيدةٍ لئلا يستفيد منها ابن جلدتهم .

الوقت حبات رملٍ تنحدر من دون توقفٍ مع تسارع وتيرة عجلات الموت وخصوصاً أنّ إطاراته لا تحتاج لهواءٍ تملؤه ،فلم يبقَ لي إلّا أن ألج عبر بوابة البحر إلى أرضٍ تزداد يوماً بعد يومٍ قفراً، بتكاثر الصديد بين جنباته. وكنت أبداً، لا أجهل الجغرافية فحسب إنما الكثير من الغصّات التي تراكمت في عراجيني بسبب العسر الذي توالد من الاحتكاك والاحتكام لخبرات صانعي المطر والأغوار، وأنشأت أشرعن الخسارات ، وأزدادُ بعداً عن أترابي وأبناء عمومتي الأخرين الذين ألقاهم هكذا في صخب البحر الميت ضمن الممرات لكن من دون عبّارات.
تلين حواسي بهم أو عليهم، لا وكل ما يعتمل في داخلي، وبلا تمعن بلا تدقيق في حواف الكلمة وتمعجاتها وصوتياتها في بلعومهم، لديهم أولديه وأيّ عنوانٍ يستحوذ علينا أو يستغرقنا، منذ اللقاء بها أو بهم و اللسان دوماً ذلقٌ؛ ويرتاد ويتخيّر اعتباطياً مجاهيل اللغة المفخخة. فكلما أسأل في عقلي عن تلك الكلمات المتناهية في الإطناب وذات المذاق والملمس المخملي في حافظة التبادل السلعي وضمن حوانيت الكلام، من دون أن تجهد بذاتها ومن دون دراية منّي ، وعلى مسافةٍ من وجودي وتشغل حيزاً في دهاليز شبكية العلائق ؛كأيّ شلالٍ ينسال في السّرد بين مكمنٍ وموطئٍ رخوٍ ودبقٍ للاجترار وحلقة معيبة من التكرار وتكريساً لها ولقوتها.

ومهما تعاظم وحضر الدهاء والمخاتلة في إنضاج وجبة دسمة، قد تغدو لاذعة الطعم من كثرة المجاهيل ، وتضفي عليّ الخواتم الزنخة كما هي المرّات التي ارتشف فيها جرعة إكراه ولم تدعْ تحققي أعيش بوحدتي ، وندفُ الخواء تتساقط على جانبي إناء الذات وأحلم بالهداية الكبرى المخضّبة بحناء الوجود الواهي ، وكلّما تناهى لي : أنك تغريبة الخسارة والوقت في فخ الشوق واللسان بعد الانزياح الكامل عن بواطن الساعة ،وتخشى الذوبان بغتةً بلا مقدمات أو فكرة، سواء في جيوب الرّيح أم تذوب بفعل لعاب العمر ، أو بالأصح خذلتك وتقاعستَ عن ترنيمتها لحظة الحضور وخسرت كل ما راكمته من تلك الأنّات الجافة والباردة في جُبلة الصدفة المدفوع إليها بطيبة خاطر ، بلا أدنى شعور إثمٍ أو سيلان قيحي تراكم بفعل الأصبغة التي تنزّ من ثدي الكلام أو جراب المنطوق.

وتتسارع العاصفةعلى حطام الشاطئ تنتزع من يافطتي تلك الوحدة الموحلة بالأبخرة النتنة مثل أيّ تهجيرٍ كان طازجاً ومربكاً للأمم، ومن دون تمعن كما في كل مرّة بشهوانية المخاتلة والمواربة على صفيح الروابط وتعيد النشيج نفسه كفحوى صوتي للضياع والضباع وكأنما تدفع بهم نحو السقوط في مستنقع الخسران وتوالد الدهشة.

باتوا لنا عطر الورود سجا
والعطر حتماً غاطفات الرجا
ما بال إيماني بكلّ جميلٍ
ينأى إلى مستنقعٍ خراجا

About جمال شحود رضوان

الاسم الثلاثي : جمال شحود رضوان المستوى التعليمي : معهد متوسط المهارات : يجيد استخدام الحاسوب بشكل جيد. يتقن اللغة العربية بشكلٍ ممتاز. الفرنسية والإنكليزية بشكلً جيد. العنوان : سورية _ طرطوس . تاريخ الميلاد : 1960/8/21 الجنسية : ع. س الحالة الاجتماعية : متزوج الجنس : ذكر شاعر / وقاص . لدي مجموعتين شعريتين ومجموعة قصصية ، وليس لدي الامكانية المادية للنشر حالياً إضافة ، ترجمة رواية وقصة قصيرة عن اللغة الفرنسية وأيضاً ينتظرا المغيث .
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.