قراءة في ديوان قصائد مهرجانية

بقلم: آدم دانيال هومه.

بقلم: آدم دانيال هومه.
ً ي ]ميخائيل ممو[ آخر، ويضعك
بالنسور حينا في مهب رفيف ً، وبالنوارس حينا
ذكرك الشاعر واألديبُ
1 إلى
القبرات على الدروب الترابية ليأخذك على جناح شاعرية لها خصوصيتها، انطلقت مح لقة من الحبانية
بغداد ثم إلى السويد حيث العطاء الغزير على امتداد سنوات، ولم يزل النسر يحلق في آفاق الشعر واألدب عاليا على الرغم من الشدائد والمحن التي تعرض لها في السنوات األخيرة. ً
ليس من العسير على من يقرأ قصائد الشاعر ميخائيل ممو، حسب تتابعها الزمني، أن يلمح فيها صورة من التدرج الواعي المتعمد نحو واقعية صلبة مشمولة بمزيد من البساطة ومزيد من الوضوح، كأنما كان يحاول أن يقترب من الهدف الذي وضعه لنفسه، في دور مبكر، وهو أـن تكون قصيدته واقعية مغلفة ً، كما قال نزار قباني،: ً بالغموض بأن
، وبنفس الوقت تعطي شعو ار وراء الكلمات ما وراءها. وهو يدرك جيدا
)بأن وظيفة الشعر هي أن يعطيك بطاقة السفر دون أن يتدخل في تفاصيل الرحلة، ومواعيد القطارات التي ستستقلها، وأسماء الفنادق التي ستنزل فيها. وأن اللفظة الشعرية تؤدي عمل جهاز اإلضاءة )الفالش(. ويصبح الشعر إضاءة خاطفة عمرها أقل من جزء من الثانية. اللفظة الشعرية برق ورفة جفن، والتماعة سيف. إنها طيران عصفور( .
ُت ال أطيقيبدأ الشاعر ديوانه بقصيدة )عد عتمة القبر(:
)أحبائي
هلموا ارحلوا وعالم شعري
بساتين، ثمار تنضج، تساوم أمري
. تقع الحبانية شرقي محافظة األنبار بجانب مدينة الخالدية، وتبعد عن مدينة الرمادي 25كم، وعن الفلوجة 20كم، أما المسافة بينها 1
وبين بغداد فتقدر بـ 68كم .
1
يرحل نهار وآخر، و يضجر سري
ويهتف اإللهام:
أنا األمس
أنا اليأس
ُت ال أطيق رحلة اليأسعد
عدت ال أطيق عتمة القبر(.


يبدأ الشاعر بإي قاع متزن /هلموا ارحلوا/، ثم يهتف /أنا اليأس/ عدت ال أطيق عتمة القبر/و اليأس ھو الحزن، وموقع الحزن ھو الَّداخل النفسي، وداللته في التعبير عن القلب كونه موقع العواطف واألحاسي س في التعبي ر األدبي، وموقع الحياة، والد ي مومة في الوجود الجسمي المادي. أما اليأس، ومفاعيله في اللغة واللسان فقد أودى إلى الصمت . والصمت لغة الخوف واالنبھار، والمفاجأة. وقد يذھب الصمت إلى التأمل والمراجعة، اال ٍت واالستحضار أي ضا
ً. فلل َّصمت عوالمه، وفضاءاته، وتأمالته الساحرة بألوانھا، وما تفتحه من خي ، ومشاھد، وكش ٍف له رونقه، وسحره. والصمت ينتمي لعالم التفكير، واالسترسال، وعرض الصور، والخياالت . إنه صمت الحزن، والتأمل، والتفكر بما آل إليه وجود اإلنسان اآلشوري، وما اعترى الطبيعة اآلشورية من الركود والجمود اللذين هما أشبه بعتمة القبر.
وإن الشاعر الموجود في النص، والذي يتحرك على مساحة واسعة من آفاق الداخل والخارج، في عملية
نْعَ
، ال من قريب وال بعيد، أن ه، ومن معه، ومن كان مثله، من )العراق( يشب ه ذلك

ألن ه ، وإيحاءاته، و الحركة
مقصودة، لم ي خروج

الخروج إال من باب مغادرة السجن الكبير الذي كان فيه. حركة النص، وتنامي وأخي ار، د ً الملحوظة في السطح عبر اإليقاعية التي في ه.
ما فيھا من إش ارق وشحوب، وتعد ھذه الحركة بكل
للمعاني، وإحاالت واقعية.
و يقول في القصيدة ذاتها:
)ويصرخ من فوقي الرعد
أنا الماضي
أنا التراث
ُت ال أطيق رحلة اللهاثعد
عدت ال أطيق عتمة القبر(.
في اشتغال الشاعر /ميخائيل ممو/ على موضوعات ه يعني بتفاصيل الموضوع الواحد، و يدخل في جزئيات ولم المشھد الوصفي ليقدم لوحات جد يدة فيھا الحركة، والدقة، والتفاصيل، ونفاذ البصيرة في المشاھدة، واإلضاءة، وااللتقاط، وحسن الَّرسم والتصو ير.
يقول الشاعر في قصيدة )قراءة في وجه التاريخ(:
)أرغب أن أتلوث بهيروشيما الديار المحظورة
2
أرغب في أن أمزق وأنثر تاريخ السورة
أرغب أن أُسجن فن ثغري تأثيرات األقوال المأثورة كغاني ة مأجورة
تلهو
في أوضاع
في أشكال

.
2
متفاوتة الصورة(

هنا تطرق الشاعر إلى قضية غاية في األهمية ربما لم يتطرق إليها أحد قبله في ذلك الوقت أال وهو اإلسالم السياسي الذي سيطر، و ال زال يسيطر على مجمل الخطابات السياسية في جميع الدول العربية واإلسالمية.

مموهة، فاقتحم على خصوصيات الناس، و د خل
يتو بما يرتديه من أقنعة دينية غ وبدأ ل في أدق التفاصيل

. وتد ل في خصوصيات األسرة وأسرارها، وفرض عليها القيود التي يرتأيها، وأوجب
خ بين اإلنسان وخالقه
عليها االلتزام بما جاء في أدبياته بدون سؤال أو اعت ارض. وفرض على الناس نوعية اللباس، ولغة التخاطب، وكيفية إلقاء التحية، وأسلوب األلكل، ونوع الطعام، وطريقة دخول المرحاض، وإل زام الزوجين بما عليهما كتابا ما ورد فيه بدون ً فعله أو ممارسته حتى في الفراش. وأصبحت توجيهاتهم منزال ينبغي االلت ازم بكل

ُا من ينفذها بحذافيرها فيثاب. ناهيك عن العجائب
ُعاقب عقابا م ً ي شديدا، أ
تذمر أو اعتراض. و كل من يخالفه

والغ ارئب في فتاوى الشيوخ ونذكر منها على سبيل المثال ال الحصر.
ً قالها الشيخ1[ .األغاني نوع من الدعارة، ومن يسمعها ألهله ديوث [. فتوى غريبة أثارت جدالً وغضبا ً ]أسامة عسكر[ الداعية اإلسالمى، حيث قال: ]إن ا واألئمة األربعة
ألغانى والمعازف ح ارم شرعا
، مطالبا ي عن طريق تشغيل األغان ي ً نهوا عنها[ كل المقبلين على الزواج بأال يبدأوا حياتهم بالمعاص
فى األفراح. وأضاف: )إن المعازف وضعت بين المحرمات من الزنا والخمر، وهى أمور ال جدال

.
3
فيها وإثم كبير، خاصة أن األغاني اليوم أصبحت تدعو إلى الفسق والفجور(

ً أن هذه العادة تتيح 2 .أصدر شيخ سعودي فتوى تمنع النساء من مشاهدة مباريات كرة القدم، مدعيا للنساء النظر إلى أفخاذ الرجال المكشوفة. قال الشيخ أيضا: )إن النساء ال يكترثن بمن يلعب ً
المباراة وال بالفريق الفائز أو الخاسر، بل يتابعنها فقط من أجل النظر إلى أفخاذ الرجال. قائمة على آية )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن(.
3 .أصدرت منظمة إسالمية مقرها كالكوتا في الهند فتوى خاصة بحق العبة التنس الهندية )سانيا ميرزا( عام 2005 ،حذرتها من مخاطر ارتداء مالبس غير محتشمة أثناء اللعب ألنها تفسد جيل
. ألقيت في المهرجان الشعري الثالث للنادي الثقافي اآلشوري ببغدا بتاريخ 24/09 /1970 .
2
. مجلة الشبيبة المصرية. األربعاء ) 8/مارس/2017 .
3
3
ُحرم من اللعب. قامت هذه الفتوى على حجة مفادها أن مالبسالشباب، وإذا لم تلتزم بالفتوى فست
تخر .
)ميرزا( الرياضية الفاضحة ب عقول الشباب
4 .أصدر الشيخ رشاد حسن خليل، عميد جامعة األزهر في القاهرة، فتوى تفيد بإبطال وإلغاء الزواج بين زوجين إذا مارسا العالقة الحميمية وهما عاريان. لكن يجب عليهما ممارسة الجنس بعد التدثر بالغطاء أو تحت غطاء السرير، وإال بطل زواجهما.
5 .قال الشيخ عزت عطية رئيس قسم الحديث في جامعة األزهر أن على الرجل أن يرضع من زميلته في العمل، بالتقام الثدي مباشرة، إذا أراد تجنب الخلوة غير الشرعية معها. دعى الرجل النساء إلى إرضاع زمالئهن خمس مرات في اليوم على األقل، لتأسيس عالقة أسرية معهم، وتفادي الفتنة والشهوة الجنسية.
بدون تقطيعه ي ، والهدف من التحريم هو أال
ًُ حر دولة أجنبية أكل الموز عتبر ح ارما
6 .م أحد الشيوخ في
تخطر ببال الم أرة صور وإيحاءات جنسية، كعضو الرجل الذكري مثالً.
والمبكي المضحك أن الكثير من المسلمين في أر جاء العالم يلتزمون بهذه الفتاوي المضحكة وغيره ا باعتبارها ، ومن ال يتقيد بها مصيره نار جهنم خالد مخ ل د فيها.
واردة في األحاديث النبوية الشريفة لرسول اإلسالم كما يقول في قصيدة )أغنية للوطن المحكم باآلغتصاب(:
)وصية قد يمة
موغلة في قدم الصمود
على مشارف دروب الرافدين.
ة وذات مر
على أطراف من النأي الكئيب
هبت الريح عاتية وبصوت مهيب
أنتم أبنائي النجباء
أصحاب ملك
أصحاب حق(.
تتجلى الوجدانية القومية في النصوص السابقة، كما تظھر الَّرھافة العاطفية، وإحساسھا النبيل، )على أطراف ً وتفاعالً. وما تعابير النأي الكئيب ، وهبت الريح من النأي الكئيب (. فالشاعر هنا مندمج مع لوحاته إحساسا
عاتية إال التعبير عن اإليقاعات الرومانسية، وتجاوز الواضح الصوري، إلى العمق التأثيري الغائب داخل النفس. واألھم من كل ذلك قوله: )أنتم أبنائي النجباء، أصحاب ملك، أصحاب حق(. فهو يخاطب اإلنسان اآلشوري النجيب بأن ال يتملكه اليأس من الواقع المرير الذي يعيشه داخل الوطن اآلشوري السليب، وفي المغتربات حيث التيه والضياع.
وفي القصيدة ذاتها يقول:
4
)تجهشون بالبكاء
تنقلون الحزن
عبر أسفار الشجن
تحملون الثقل
من أطنان المحن
تمخرون عباب البحر كالمسيح
وقاموسكم مصدر حق صريح(.
ً، والرؤية فيكان فضاء النص، في هذ ا المقطع الشعري، حزينا
ًفضاء ه رؤية ذاتية لكنھا إنسانية وشاملة،
لعام ق ارءة واالغتراب، والتشرد، والذوبان
ً وفيھا التأمل بالمصير، والمآل. كان النص ببعده ا كونية للحياة،
ًرويدا في جرن معمودية الغرباء. لقد حفل النص بالومض الفلسفي: تنقلون الحزن عبر أسفار الشجن، ً رويدا تمخرون عباب البحر كالمسيح.
جمع الشاعر ميخائيل ممو مستويات جمالية في شعره. جمع بين إنسيابية النص، وعفويته وصدق مشاعره وأحاسيسه، وبين االشتغال الفني في تركيب صوره، و اختيار مفرداته. جمع بين النحت واالختيار، جمع بين اشتغل كثي ار ه، وامتزج ً التأني البنائي واالشتغال القاموسي الشخصي لمفرداته. على تفاصيل المكان وإيقاع لديه الذاتي بالموضوعي شأن جميع الشعراء الكبار.
يقول الشاعر في قصيدته )هكذا يخبرني الزمن(:
ًر)حش ارت هذا الزمان تتباحث س ا
تعكس األضواء لتجعل قفاها للمفسدين ترنيمة
ومن عمقها لوحة اليفقه فحواها المترجلون
من الحضر، أو من قصبات لم تتمدن
في عصر يبغض أي تطاول أحمق(.
في هذا المقطع المضمخ بالرمز هناك عالقات متداخلة حركية بين األرض – الوطن- من جهة، وبين التيه – اإلنسان اآلشوري المشرد، من جهة ثانية. وكذلك بين األسير، اآلشوري المقموع داخل الوطن، وبين

سد الصراع األخير في المقابلة الجدلية بين األرض – الوطن –
األعداء المحيطين به من كل صوب. ثم يتج وبين األعداء المغتصبين لهذه األرض. يقول في قصيدة )يا ابن آشور(:
)يا ابن آشور
يا شعلة من نور
ماضيكم
كقرص الشمس في عتمة الديجور

5
كطلعة نيسان بين الزهور
حاضركم كالقمر الخجول
يرنو لظاهرة الذبول واألفول(.
أخال أن الشاعر في هذ ه القصيدة معلق ما بين األرض والسماء، يتلو شعره على شكل صلوات وتراتيل هي أقرب ما تكون إلى رؤيا يوحنا الالهوتي. يحمل بداخله أحاسيس األنبياء. وقد سيطرت فكرة الخالص القومي على مجمل قصائده. ولكن هذا األمر لم يمنع من أن تتفتح في جسد القصيدة أزهار عاطفية تذكرنا بالشوق والشغف اآلشوري بت ارب وطنه المقدس. إضافة إلى أن القدرة الفائقة في مزج العقالنية بالعاطفية قد أينعت، في نهاية األمر، عن عالقة درامية رائعة التكوين.
ً وأصيالً كميخائيل ممو ال يمكن أن يتواطأ على يقينه، مثلما ال يمكن ل نص حقيقي ً لذلك فإن
شاع ار حقيقيا
وأصي يغرد خارج سربه. ٍل أن
والبد ، قبل كل هذا، أن ننوه بأن لميخائيل ممو معاناة شخصية وقومية أليمة قد عبر عنها في جميع قصائد ه ً بإخالص فني مرهف. فنحن ال نلمح في تحويل التجربة
عازيفا الواقعية إلى صنيع جمالي، بل ً أو تصن
نتفاجأ بعفوية مسيجة باألسالك الفنية. وال شك أن التجربة األليمة التي مر بها الشاعر برحيل فلذة كبده وهو في ريعان شبابه هو الذي أسبغ، في اآلونة األخيرة، على شعره هذه القشعريرة الرومانتيكية األسيانة إذ زق وضائع وقلق
ار بفيض من المشاعر الكئيبة واألحاسيس ً لعبت في قصائده كإنسان مم دو كبي ار فأغنته
المرهفة. وال بد من القول: إذ ا كانت مسالك الشعراء واألدباء مسالك مختلفة ومتعددة يحددها ما يكون من ًومالمح تفر ، فقد كان نصيب الشاعر واألديب ميخائيل ممو من هذه المسالك نصيبا
ظوا هر خصائصهم دهم
كبيرا نستطيع أن نتبينه إذا نحن نظرنا إلى مكانته في الحياة األدبية على الساحتين اآلشورية والعربية وأثره فيهما.
وأول ما يمكن مالحظته من هذه الخصائص في حياة ميخائيل ممو هو هذا النموذج ر
المتميز الذي يعب
عن حرية حركة المثقف، وانفساح األفق أمامه ليتكون على النحو الذي يشاء. ال تحكمه فكرة معينة، وال ينصاع لنظرية سابقة. وال تقف الب ارمج الضيقة دون تفتحه وازدهاره، وإنما هي القراءات الحرة، واالكتساب العفوي، والتزود الذاتي من حيث يحلو للنفس أن تتزود على نحو يتحقق معه التفتح واالزدهار في كثير من الحرية، وكثير من الوعي الذي يلجم هذه الحرية حتى التنفلت من عقالها.
وفي بداية الختام البد أن نقف طويال أمام قصيدته األخيرة في الديوان تحت عنوان )محاضر استجواب متبعثرة( حيث يقول فيها:
)بين ر ؤيا الفجر وعيوني
أصوات شو ٍق…
متاخمة
حدود اليأس
6
حدود البأس
تتماوج بين الحين واآلخر
تركن في باب االشمئزاز
ًرقيبا
تصرخ بي
أكتبها
نها دو
وأعلنها
حياة األمس… روح اليوم(.
هذه القصيدة تتألف من تسع صفحات ، والقصيدة الطويلة تملك من القدرة على الحركة واالنتقال لما يكفي ً للحياة البشرية التي يمارسها،للتعرف على المساحات التي يسبح فيها الشاعر. ويمكن أن تكون كذلك تأريخا
وهذا ما تحققه قصيدة )محاضر استجواب متبعثرة(.
ففي هذه القصيدة تخرج شخصية الشاعر من الماضي لتأخذ مالمح جديدة هي مزيج من شخصية اإلنسان اآلشوري العادي الذي يحكي باسم التاريخ بكل فخر واعتزاز. ثم تحكي الشخصية قصتها بطريقة المقاطع كر والتداعي. وهذا النوع من الشعر يتحققالشعرية المتالحقة التي يت ازوج فيها الماضي بالحاضر، والتذ إذا ً، إذ تتسرب من خالله المعرفة الكامنة أو الالشعورية.توافرت له الشروط، مستوى عاليا
وفي قوله: )ما بالك؟
أال تعلم
بأن سأم السأم
وهج األلم(.
يحاول أن يصحح األخطاء المتراكمة، ويستقصي جذورها وامتداداتها. ويرفض أن يكون مجرد إنسان يركن لليأس وخيبة األمل، كما ال يريد أن تكون حياته بكائية ينام على أصدائها الفكر اآلشوري النابغ. وهو إذ يستنكر الظلم الذي لحق بشعبه، فإنه ال ينكر انتماءه إلى البسالة المتمثلة في الجذور التأريخية لإلنسا ن اآلشوري، ألنها األرضية التي يتحرك عليها المصير، وتستمر فوقها الحياة التي يدعو إلى انبثاقها ونهضتها. ثم يقول: )أين أنا من جثامين ماليين األموات
فإن دريت أول لم أد ر
سأظل عالمة استفهام مرئية
في أعماق بحار هائجة مطوية.
في هذا المقطع يختزل الشاعر موت جميع شهداء األمة اآلشورية عبر العصور واألزمان. ويقف على ً األطالل يراقب أخيلة الماضي التليد تمضي أما بأن التغني بمحامد
م بصره كالس ارب ألنه يدرك جيدا
7
األجداد، واإلغ ارق في ترديد المآثر واألمجاد التليدة، بمغٍن عن النظر والتأمل في الكثير الكثير مما يجب أن نكون عليه في يومنا الحاضر. وأن نتصرف لمعالجة الكثير من مشكالت جيلنا الحاضر، اللهم إذا كان إثارة كوامن الهمم، وبعث روح الجد والعمل واألمل مما قد يكون حاف ازً الغرض من تقليب صفحات التاريخ على اقتفاء آثار األجداد الميامين، والنسج على منوالهم في الجد والدأب والعمل المتواص. ثم يستطرد الشاعر في القصيدة ذاتها، وبلغته اآلشورية المقدسة قائال:
)ةٍمحونًأ بوة حًأروةِأ
وهِنت قِأ هِنت اٍمِرِأ
فتشِأ دلِأ مِرِأ
اٍيكِأ يلِآ اْنِشوةِأ؟
أيكِأ يلِآ كًانوةِأ؟
اٍيكِأ يلًى شرِرِأ؟
دحِفَط لطٍحطوحًأ
ىِي هِنت شلتةِأ
حلٍيوةِأ دمِوةِأ(.
ومعناها بالعربية:
)أفكر بالحرية
ونفسي تخاطب ذاتي قائلة:
أصبحت بال ولي أمر
فأين هي اإلنسانية؟
وأين هي العدالة؟
وأين هي الحقيقة الدامغة؟
ضلتح على تحطيم ذاتي
الغارقة في سبات عميق
وهي تصبو لحياة مك للة بالموت(.
وهكذا فإن الشاعر يعتبر الشهيد اآلشوري هو اإلنسانية المع ذبة. وتعليل هذه الظاهرة بالظروف المتأزمة التي يمر بها اآلشوريون خاصة، والع ارقيون بشكل عام ما يدعونا إلى إرجاعها إلى عامل القلق الذي تستوجبه مراحل االنتقال في األمم ذوات التاريخ واألمجاد الغابرة كاألمة اآلشورية الحضارية. وإن االنفعاالت الشعرية لدى الشاعر كانت الراح الذي تذوب فيه الفلسفة والخواطر واالنفعاالت والعواطف، وقد انعكست هذه االنفعاالت بقوة تأثر مشاعره.
ً س إحساساإن كل بيت في القصيدة يتنف ، وكل صورة فيها تض ج بدم الحياة، ناهيك عن هذه الموسيقى الساحرة التي تسري في عروق ألفاظه، ولصياغة هذه األلفاظ رنين هامس حلو يخلب األلباب. إنه يغترف
8
ُالذي س ووجوده وهو يتطلع إلى مستقبل
شعره من ينبوع الحياة، من شعبه المظلوم المتألم لبت أرضه وتاريخه
مشرق تحققه األجيال اآلشورية القادمة. والشاعر واثق بأنه لو أثبت كل فرد آشوري جدارته اإلبداعية باإلمكانية، ويحققها بكل كفاءة وجدارة، وبمثل هذه الرو ح المؤمنة بنفسها ال المتكلة على الغير، نستطيع أن نعتز باألجيال من األفذاذ المبدعين القادرين على خلق حضارة جديدة.
إن في هذه األبيات لشعو ار التناغم المبدع الذي ينبغي أن يتحقق كامال بين الشاعر ومجتمعه، ً عميقا بهذا
.ًوبهذه اإلش ارقة التي البد أن تغمر بضوئها نفس الشاعر ونفوس ق ارئه معا
ويقول في القصيدة ذاتها:
)الصدى الزاحف
عبر أميال الزمن الراحل
قبعة عنفوان مخنوق
لوحة إعالنات مهفهفة
دٍ رغاء متص اليصدأ
سهام تكسر جنح الغربان
ٍالناعبة في ببد تتجاهل
بأني إنسان
ُطعم األرضي
يحرث األرض
ويهتف:
)كٍدد يٍمِأ دمتخةِأ بعومقِأ دشَليوةِأ
وهِوِآ بَرةِحِأ لٍفُأ دحٍيوةِأ
مَنشَلةِنًأ نثَع لىْون قِلُأ مبٍرتروةِأ
داتةلٍن اتةوةِأ
اتةلٍن اتةوةِأ
اتةلٍن اتةوةِأ(.
و معناها بالعربية:
)بينما البحر نائم في أعماق السكو ن
تضطرم في أحشائه أمواج الحياة
ة وعلى حين غر انبثقت أصوات عنيفة مسربلة بالكآبة تهتف:
لنا وجود
لنا كيان
9
لنا ذات إلهية سرمدية(.
لقد لعبت الكلمة الشاعرة دو ار في تهييج روح الشعب، وإيقاظه وتحريكه. كما لها المكانة األولى في ً خطي ارً
توجيهه صوب هدفه لتحقيق وجوده كإنسان. و لكن هذه الكلمة اإللهية التي لها من القوى واألس ارر هي الوسيلة الكبرى في توعية الشعب.
ً، ذو عقيدة قومية راسخة. عقيد ة ترمي إلى العمل اإليجابي بالقول ًر وأديباو ميخائيل ممو، إلى كونه شاع ا
والفعل من أجل قضية اإلنسان اآلشوري، وحريته و كرا مته، ومن أجل تحطيم كل القيود التي تعيقه عن الحركة، وكل العقبات التي تحول دون تقدمه وازدهاره وإبداعه في الحياة لنفسه، وألمته، ولإلنسانية جمعاء. وفي الختام البد من التنويه باألخ الشا عر القدير )جورج أويا أرخيو ام( الذي أصر في )كلمة وفاء( على
الغالف األخير بأن يكون عنوان الديوان هو )قصائد مهاجرة( بدال من )قصائد مهرجانية(. فحياة الشاعر جورج أرخيوام تفتحت عن شاعرية ألفت جوقاتها عرائس الشعر وربات الفصاحة والبالغة. ُسكت تلك القيثارة الشجيةلشاعرنا الملهم، ولم يَولو أن القدر كان رحيما حين أصيب بالشلل، ً، ولم يتصد
ً للذكريات . وأصبح طريح الفراش مستسلما
يتسم الشاعر )جورج أرخيوام( بعمق العاطفة، وبعد النظر، وصفاء السريرة. وقد أوتي موهبة مبدعة خالقة، والقدرة اللغوية على التحليق. وقصائده بتدفقها وعفويتها وصدق لهجتها، وعمق الرعشات التي تميز أكثرها تظهر إلى أي حد يلتصق شعره بحياة شعبه، ويستمد مشاعره وأحاسيسه من ينابيعها. فشعره أشبه بمعرض شعري متنوع األلوان واألساليب واآلفاق.
10

About آدم دانيال هومه

آدم دانيال هومه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.