قراءة جديدة في ثلاث سُوَر قرآنية – ثالثًا: الفاتحة ج4 الرحمن والرحيم


بقلم: رياض الحبيّب
…..
لقد سبق لي التنويه في أزيد من مناسبة بأنّ الرحمن أو الرحمان الذي “وسعت رحمته كلّ شيء”- الأعراف:156 لا يمكن أن يوحي بالقول: “إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصْليهم نارًا كلّما نضجتْ جلودُهم بدّلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب…”- النساء:56 إذا كان رحيمًا حقًّا، وأضيف أيضًا أن الرحمن المذكور لا يُعقَل أن يوحي بالقول: “سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان”- الأنفال:12 ولا بأقوال أخرى على شاكلتها، على أن السبب هو الكفر فقط لا غير، لأنّ “الكفّار” الذين كانوا في بيئة “محمد” وفي زمانه لم يؤذوه بكفرهم، إذْ عاش بينهم وحضر مجالسهم واشتغل بالتجارة فترة ما متنقّلا بأمان بين مكة والشام وبينها وبين اليمن، إنما هو الذي آذاهم بإيمانه! بل لم يؤذهم أحد بإلهه الذي آمن به غير محمد! فوصفهم تارة بالظالمين وتارة بالكافرين… إلخ وهم في شغل شاغل عنه لا يعنيهم أمر دعوته بشيء، إذ سبق لغيره أن أتاهم بدعوات ونبوات إلى أن ذهب في حال سبيله حتّى انقطع خبره عنهم. ولقد تقدّم في إحدى مقالاتي أنّ الكفر المقصود ليس إلّا تكذيب دعوة محمد إلى أن قال بلسان ربّه: “أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”- يونس:99 وهذي المقولة وتلك مِن أمثلة تناقضات القرآن الدّالّة على بشريّته، أي استحالة نسبة القرآن إلى الله. لكني هنا سأركّز على مصدر كلمة “الرحمن” وعلى سبب وضعها بين كلمات البسملة أمام “الرحيم” دون غيرها من “أسماء الله الحسنى” المختلَف عليها


ــــــــــــــ
هل الرحمن هو رحمن اليمامة؟
لعلّ من المعلوم أنّ محمدًا حاول استمالة مَن حوله إلى دعوته حينما بدأ في نشرها؛ مِنهم قريش حتّى ذكر آلهتهم بخير [انظر-ي تفسير الطبري للحجّ:52] ومِنهم اليهود حتّى قال بلسان ربّه: “وأني فضّلتكم على العالمين”- البقرة:47 كذا في الجاثية:16 وأيضا: “ولقد اخترناهم على عِلم على العالمين”- الدخان:32 ومِنهم النصارى “بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون”- المائدة:72 وأضاف الصابئين في المائدة:69 والبقرة:62 وأضاف المجوس في البقرة:62 أيضًا لكن في المسألة الثامنة في تفسير القرطبي [رُوي عن ابن عباس أن قوله: “إن الذين آمنوا والذين هادوا… إلخ”- البقرة:62 منسوخ بقوله: “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه… إلخ”- آل عمران:85 وقال غيره: ليست بمنسوخة] ما دلّ على أن تفسير القرآن أيضًا يناقض بعضه بعضا! ثمّ اعترف محمد بأن الله هو الذي يفصل يوم القيامة ما بين المؤمنين بدعوته وبين غيرهم- الحج:17- وهذا كلّه قد جرى ما قبل انقلاب محمد عليهم جميعًا بعدما قويت شوكته، حسب تفسير سورة التوبة بأجمعها

هذا وحاول محمد استمالة أهل الهرطقات أيضًا فجعل “مَثَل عيسى عند الله كمَثَل آدم…”- آل عمران:59 كذا حاول مع أهل الكتب المنحولة؛ إذ زعم أنّ الطفل يسوع كلّمَ النّاسَ في المَهد- آل عمران:46- عِلمًا أنّ السيد المسيح قد صنع المعجزة الأولى بعد بلوغة سنّ الثلاثين- لوقا3: 23- ولقد أصغى محمد إلى قصائد الشّعراء باهتمام فتأثّر بما تُليَ عليه بكرة وأصيلا، حتّى اقتبس من هذا وذاك؛ مِنهم أميّة بن أبي الصَّلت- مثالا لا حصرًا- وهو الذي قال محمد فيه: “آمَن شعرُه وكفر قلبُه” ثم انقلب على الشعراء أيضًا حسب تفسير سورة الشعراء:224 وإليك التالي مِن شعر أميّة، على وزن بحر الطويل، وقد وردت فيه إحدى الهرطقات بالإضافة إلى ذِكر الرحمن
فقالتْ لَهُ أَنّى يَكونُ ولَم أَكُنْ – بَغيًّا ولا حُبلى ولا ذاتَ قَيّمِ
وقالَ لَها مَن حَولَها جِئتِ مُنكَرًا – فَحَقٌّ بأَن تُلحَي عَلَيهِ وتُرجَمي
فأَدرَكَها مِن ربّها ثمَّ رَحمَة – بِصِدقِ حَديثٍ مِن نَبيٍّ مُكَلَّمِ
أَنِيبي وأَعطي ما سُئِلتِ فأنَّني – رَسولٌ مِن الرَحمنِ يَأتِيكِ باٌبنمِ
وأُرسِلتُ لَم أُرسَلْ غَويًّا ولَم أَكُنْ – شَقيًّا ولَم أُبعَثْ بِفُحشٍ ومَأثَمِ

ولقد ورد في كتب التراث أنّ محمّدًا حاول استمالة مسلمة بن حبيب الحنفي إليه، إذ تفوّق عدد المؤمنين بدعوة مسلمة على عدد المؤمنين بدعوة محمد. وقد سمّى مسلمة إلهه بـ”الرحمن” ما قبل ظهور قرآن محمد، حتّى عُرِف بـ”رحمن اليمامة” لذا توصّلت إلى نتيجة منطقية هي أنّ محمّدًا حاول الجمع ما بين الله [إله أهل الكتاب؛ كلمة آراميّة الأصل معناها: العالي] وبين الرحمن [إله مسلمة؛ كلمة عبرانيّة الأصل دالّة على الرحمة] حتّى قال بلسان ربّه: “قُل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى…”- الإسراء:110
وقوله هذا بمثابة عهد أمان لمسلمة وقومه، فلا يتعرَّض له محمد وجنوده بغزوة ما، وهذا ما حصل في الواقع! فلا أظنّ- أوّلًا- بإطلاق صفة “الكذّاب” على مسلمة بن حبيب في حياة محمد، إذ أشرك محمد مسلمة معه في الدعوة! ثانيا: لم يشنّ المسلمون حربًا على مسلمة وقومه إلّا في عهد الخليفة الأوّل، ربّما لتحصيل الزكاة منهم، بل قتل الخليفة المذكور مسلمين للسبب عينه فيما عُرِف بـ”حروب الردة” معتبرًا أنّهم ارتدّوا عن الإسلام

هذا ما توصّلت إليه مِن تصفّح كتب إسلامية عدّة عبر الانترنت، لعلّ من أهمّها “المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الاسلام” للباحث العراقي د. جواد علي: [وقد وَفَدَ وَفْدٌ منهم، فيه مسيلمة بن حبيب الذي عُرِف بـ”الكذّاب” لادعائه النبوة، وقد طلب من “الرسول” أن يشركه معه في الأمر- دعوة محمد- وادّعى النبوة، ثم قُتِل. سجع سجعات مضاهاة للقرآن. وممّن في هذا الوفد “رحّال بن عنفوة” وقد شهد لمسيلمة أن “رسول الله” أشركه في الأمر فافتتن الناس به… وأنا أشكّ في صحة أكثر ما نُسِب إلى “مسيلمة” من كلام وقرآن. وهو “مسيلمة بن حبيب الحنفي” المكنى بـ “أبي ثمامة” والمنعوت (أي الموصوف) بين المسلمين بـ “الكذاب” واسمه الصحيح “مسلمة” وقد صُغِّر في الإسلام ازدراءً بشأنه. فقد رُوي أنّه صنع قرآنًا مضاهاة للقرآن، غير أنهم لم يتحدثوا بشيء عن قرآنه. واذا صحّ ما ذكره أهل الأخبار مِن أنّه ادّعى الوحي بمكّهَ أو باليمامة قبل الإسلام، وأنّه نزّل على نفسه آيات زعم أنّها تنزيل من الرحمن، فيكون قد باشر بتأليف قرآنه قبل الوحي- المحمدي- وقد سبق لي أن تحدثت في الجزء السادس من هذا الكتاب عن عبادة الرحمن، وقلت إنّ قريشًا قالت لمّا نزل الوحي بـ”قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن…” أتدرون ما الرحمن الذي يذكره محمد؟ هو كاهن باليمامة! وأنها قالت: “دُقّ فوك إنّما تذكر مسيلمة رحمن اليمامة” وكان قد تسمّى بالرحمن… وأنا لا أستبعد احتمال مجيء مسيلمة إلى مكة قبل الإسلام؛ فقد ذُكِر أنّه تزوج كبشة- كيسة بنت الحارث… بن عبد شمس- وهي من مكة، فلا يعقل عدم مجيئه إلى مكة وإقامته بها بعض الوقت ومجيئه إليها بين الحين والحين. ومِن هنا كان لأهل مكة عِلم بدعوة مسيلمة إلى عبادة “الرحمن” وقد قال: “أنا شريك محمد في النبوة، وجبريل عليه السلام ينزل عليّ كما ينزل عليه” وكان الرحّال بن عنفوة من الساعين في نصرته، وكان مسيلمة يقول: “يا بني حنيفة، ما جعل الله قريشًا بأحقّ بالنّبوّة منكم، وبلادكم أوسع من بلادهم، وسوادُكم (أي عددكم) أكثر من سوادهم، وجبريل ينزل على صاحبكم مثل ما ينزل على صاحبهم”… أمّا الرحّال بن عنفوة فهو من وجوه بني حنيفة واسمه “نهار” وكان في الوفد الذي جاء إلى “الرسول” وقد اختلف- أي تردّد- إلى أُبَيّ بن كعب ليتعلّم منه القرآن. وقد تعلّم سورة البقرة وغيرها. وذُكِر أنّه كان على غاية من الخشوع واللزوم لقراءة القرآن، ثم انقلب على عقبيه وصار مِن أشدّ أعوان مسيلمة المقرّبين له، فشهد له أن الرسول أشركه معه في الأمر… وقد أمر مسيلمهّ عمرو بن الجارود الحنفي بتدوين كتابه الذي وجّهه إلى الرسول، فأمر الرسول كاتِبه أُبَي بن كعب بالردّ عليه. ومعنى هذا أن مسيلمة قد اتخذ له كتبة، كالحنفي المذكور، يكتبون له رسائله على نحو ما كان لرسول الله. فأنا لا استبعد احتمال علم مسيلمة بالكتابة والقراءة وإن لم ينصّ أهل الأخبار على ذلك. كما لا أستبعد احتمال التقائه باليهود وبالنصارى وأخْذه منهم؛ فقد كان في اليمامة قومٌ من أهل الكتاب، ودعوته الى عبادة إله هو “الرحمن” تدلّ على تأثّره بأتباع هذه الديانة وبأهل الكتاب] انتهى

وتعليقي: لقد ظلم المسلمون مسلمة بن حبيب ظلمًا شديدا، كما ظلموا كثيرين غيره حتّى اليوم! لكنّ مِنهم مَن أنصفه؛ فكتب التالي على مدوّنته، بتصرّف: [جرت العادة بتسميته بـ”مسيلمة الكذاب” ظلمًا وعدوانا، لكنّه مسلمة بن حبيب الحنفي؛ دعا إلى عبادة الله الواحد باسمه- الرحمن- وسمّته قريش “رحمن اليمامة” لكن أطلق عليه الغزاة إسم “مسيلمة الكذاب” تحقيرًا له ولقومه، وشنّوا عليه حرب إبادة، فقتلوه وأبادوا أصحابه فيما سُمِّي بحديقة الموت. لم يكن “رحمن اليمامة” كاذبًا ولا ظالمًا بل كان رجلًا صالحًا ورسولًا نبيئًا في قومه. ما المانع مِن أن يبعث الله في قرية واحدة رسولين أو أكثر؟ يقول الوحي: “واضرب لهم مَثلًا أصحابَ القرية إذ جاءها المُرسَلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعزّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مُرسَلون”- يس: 13-14 لكنّ الغزاة المتدرّبين على الحروب أحسن تدريب رأوا فيه عقبة أمام طموحاتهم الظالمة وفرصة سانحة لحصد مغانم رخيصة] وأردف المدوِّن في السطر التالي: [يقول د. جواد علي في “المُفصَّل”: لا أستبعد ما نُسِب إلى “مسيلمة” من دعوى نزول الوحي عليه، وتسمية ذلك الوحي “قرآنا” أو كتابًا أو سِفرًا، لكنّي أستبعد صحّة الآيات المُضحِكة التي نسبتها الكتب إليه… تلك قضية لا يمكن إثباتها، فلمّا قُتِل دخل مِن أصحابه في الإسلام مَن دخل وطُمِس أثر ذلك القرآن…] انتهى
ــــــــــــــ
الرحمن والرحيم في معجم لسان العرب- باب: رحم
لقد اقتطفت التالي من “لسان العرب” لابن منظور، لمعرفة عدد من آراء مفسِّري القرآن في “الرحمن” وفيه أيضا معنى “الرحيم” قرآنيّا. فبتصرّف: [الرَّحْمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّف… والرَّحْمَةُ: المغفرة… وتَرَحَّمْتُ عليه أَي قلت رَحمَة الله عليه… وتَرَحَّم عليه: دعا له بالرَّحْمَة… وقوله: “والله يَخْتَصُّ برَحْمته مَن يشاء”- البقرة:105 معناه يَخْتَصُّ بنُبُوَّتِهِ مَن يشاء ممّن أَخْبَرَ عَزّ وجَلّ أَنّه مُصطفىً مختار

الله الرَّحْمَنُ الرحيم: بُنيت الصفة الأُولى على فَعْلانَ لأَنّ معناه الكثرة، وذلك لأَن رحمته “وسِعَتْ كل شيء”- الأعراف:156 وهو أَرحَمُ الراحمين. فأَمّا الرَّحِيمُ فإِنما ذُكِر بعد الرَّحْمن لأَن الرَّحْمن مقصور على الله عزّ وجلّ، والرحيم قد يكون لغيره؛ قال الفارسي: إِنما قيل “بسم الله الرَّحْمن الرحيم” فجِيءَ بالرحيم بعد استغراق الرَّحْمنِ معنى الرَّحمَة لتخصيص المؤمنين به في قوله: “وكان بالمؤمنين رَحِيما”- الأحزاب:43 قال الأَزهري: ولا يجوز أَن يقال رَحْمن إِلاَّ لله عزّ وجلّ… وحكى عن أبي العباس في قوله “الرَّحْمن الرَّحيم” أنّه جمع بينهما لأَن الرَّحْمن عِبْرانيّ والرَّحيم عَرَبيّ… قال الجوهري: الرَّحْمن والرَّحيم اسمان مشتقان من الرَّحمة، ونظيرهما في الله نَديمٌ ونَدْمان، وهما بمعنى واحد، ويجوز تكرير الاسمين إِذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد كما يقال فلان جادٌّ مُجِدّ، إِلّا أَنّ الرحمن اسم مختص لله تعالى لا يجوز أَن يُسَمّى به غيره ولا يوصف، أَلا ترى أَنه قال: “قل ادْعُوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَنَ؟” فعادل به الاسم الذي لا يَشْرَكُهُ فيه غيره، وهما من أَبنية المبالغة، ورَحمن أَبلغ من رَحِيم، والرَّحيم يوصف به غيرُ الله تعالى فيُقال رجلٌ رَحِيم، ولا يقال رَحْمن. وكان مُسَيْلِمَة الكذاب يقالُ له رَحمان اليَمامة، والرَّحيمُ قد يكون بمعنى المَرحوم… ورَحمَةُ الله: عَطفُه وإِحسانه ورزقه… إلخ] انتهى

وتعليقي- أوّلا- على القول “فأَمّا الرَّحِيمُ فإِنما ذُكِر بعد الرَّحْمن لأَن الرَّحْمن مقصور على الله، والرحيم قد يكون لغيره” بسؤال: كيف وَصَفَ مؤلِّفُ القرآن الخالقَ بصِفة “الرحيم” وهي ليست له، إنّما لغيره، ثمّ مَن غيره؟ والجواب: أنّ غيره هو الذي قيل لتخصيص المؤمنين بمحمد فإنْ كانت صفة الرحيم لغير الله، بل لمحمد، فأنّ “بسم الله الرحمن الرحيم” بالنتيجة شِركٌ بالله. وهذه إحدى مسائل تفسير القرطبي- ممّا يأتي بعد قليل

وتعليقي- ثانيا- على قول الأزهري (ولا يجوز أَن يقال رَحْمن إِلّا لله) بسؤال: كيف أجاز محمد لنفسه وصف الله بـ”الرحيم” وهي صفة تُقال لغير الله؟ وبالمناسبة؛ سُمِّيت صفات الله في القرآن بالأسماء الحسنى، فالمفترض هو أن ينفرد الله بهذه الأسماء، أي أن تكون خاصّة بالله وحده لا شريكَ له بإحداها، بغضّ النظر عن اختلاف الفقهاء في الأسماء الحسنى على أنّ بعضها لا يليق بسمعة الله ولا منزلته، كالمُضِلّ والماكر والمتكبِّر، فهذه مِن صفات إبليس بحسب الكتاب المقدَّس

أمّا تعليقي- ثالثا- على قول الأزهري (جمع بينهما لأَن الرَّحْمن عِبْرانيّ والرَّحيم عَرَبيّ) فأني أتساءل: ما دخل لغة أخرى كالعبرية في كتاب “نزل” بلسان عربي مُبين؛ يَبين لقارئه أنّه نزل بلسان العرب، ليس بلسان اليهود؟ وبالمناسبة؛ إذا كانت العبريّة مهمّة في نظر محمد فلماذا أخذ عنها “الرحمن” من أسماء الله أو صفاته، جاعلًا منها الأولى في واحدة من أوائل سور القرآن، حتّى باتت الأولى في المصحف العثماني؟ في وقت ترك صفات أخرى كالمُحِب التي لها الأولوية في وصف الله في الكتاب المقدَّس؛ لأنّ محبّة الله شاملة جميع البشر؛ إذ خلق الله الإنسان لأنّه أحَبَّ الإنسان و{نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلا}+ 1يوحنّا4: 19 فلمّا أخطأ الإنسان تحنّن الله عليه ورحمه. فلا يكتبنّ إليّ أحد أنّ القرآن مِن وحي إلهي، وإلّا فليُجبْ أوّلًا على التساؤلات المطروحة بمنطق سليم عقلانيًّا ولغويّا أو بحجّة مُقْنِعة

وتعليقي- رابعا- على قول الجوهري “الرَّحْمن والرَّحيم اسمان مشتقان من الرَّحمة،… ويجوز تكرير الاسمين إِذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد،… ورَحمن أَبلغُ من رَحِيم” هو إذا كان الإثنان مشتقَّين من الرحمة، وإذا وسعت رحمة الرحمان كلّ شيء، وإذا اعتُبر “الرحمن” أبلغ من “الرحيم” فلا مبرِّر للتوكيد بـ “الرحيم” لأنّ المفترض برسالة القرآن إيصال رسالة ما وليس استعراض بعض “عضلات” البلاغة! عِلمًا أنّ البلاغة مألوفة في الشعر العربي، ما لا حاجة إليه في القرآن، إلّا إذا أحسّ مؤلِّفه بالعجز عن مواكبة الشعراء الفطاحل الذين عاصرهم، كالنابغة الذبياني والأعشى قيس وأميّة بن أبي الصلت والخنساء، فحاول مثلها بالقرآن. ودليل العجز هو في قوله بلسان ربّه: “وما عَلَّمناه الشِّعر وما ينبغي له إنْ هو إلّا ذِكر وقرآن مُبين”- يس:69 فلا حاجة بعدما تقدَّم إلى التوكيد بالرحيم

وتعليقي- خامسًا- على قول الجوهري “والرَّحيم يوصف به غيرُ الله تعالى فيُقال رجلٌ رَحِيم، ولا يقال رَحْمن” هو: بأيّ حقّ إذًا وَصَفَ مؤلِّفُ القرآن الله بـ”الرحيم” وصفة “الرحمن” كافية ووافية؟ لذا حاول كثير من المفسِّرين تبرير كلّ ما أتى به مؤلِّف القرآن، كما جرت العادة، حتّى إذا ناقضوا أنفسهم بأنفسهم بدون انتباه، على أنّ [مَن اجتهد في مسألة ما فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر] وأقول ما قبل ختام هذه الجُزئيّة: أين محلّ الرحمة من قلب الرحمن أو الرحيم في إجلاء اليهود من بني النضير ومن بني قينقاع، وفي الضرب فوق أعناق بني قريظة حسب تفسير “الأحزاب”:26 وفي غزو تبوك لسبي بنات الأصفر ونساء الروم حسب تفسير “التوبة”:49؟

وتعليقي- تاليًا- إنّنا إذا عُدنا إلى تفسير القرطبي المذكور قبل قليل نجد مفاجأة مِن عيار ثقيل، هي الشِّرك بالله في إحدى مسائل تفسير البسملة القرآنية؛ إذ ذكر القرطبي أنّ فيها سبعًا وعشرين مسألة، فإنْ واصلنا قراءة التفسير حتّى المسألة السادسة والعشرين نجد أن “الرحيم” من صفات “محمد” ليس المقصود بها أحد “أسماء الله الحسنى” فبتصرّف: [وقيل إن معنى الرحيم أي: بالرحيم وصلتُم إلى الله وإلى الرحمن، فـ”الرحيم” نَعتُ محمد (أي صفة محمد) وقد نعته “تعالى” بذلك فقال عنه: (رؤوف رحيم)- التوبة:128 فكأنّ المعنى أن يقول “بسم الله الرحمن وبالرحيم” أي وبمحمد وصلتُم إليّ، أي باتّباعه، وبما جاء به وصلتُم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي والله أعلم] انتهى
ــــــــــــــ
التثليث في بسملة القرآن
يمكنك بما تقدّم استنتاج وجود ثلاثة أشخاص في البسملة القرآنية؛
الأولى: الله- إله أهل الكتاب المقدَّس من التوراة إلى سِفر الرؤيا
والثانية: الرحمن- رحمان اليمامة- إله مسلمة بن حبيب الحنفي
والثالثة: الرحيم- محمد
فأقول: أين التوحيد في البسملة القرآنية، أفليست شِركًا بالله حسبما تقدّم؟
أمّا تعليقي على مقولة القرطبي “بمحمد وصلتُم إلى الله” التي تعني أنّ “رسول الإسلام هو الطريق إلى الله” فأوّلا: ألّا نبيّ مِن بعد السيد المسيح بمعنى المُرسَل ولا رسول إلّا مِن رسل المسيح وخدّامه. فالمسيح هو {الألف والياء، البداية والنهاية، الأوّل والآخِر}+ رؤيا يوحنّا1: 8 و11 و21: 6 و22: 13 لهذا فأنّ الناس تصل إلى الله بالمسيح فقط لأنّ المسيح في الحقيقة هو الطريق؛ والدليل موجود في الإنجيل بلسان السيد المسيح: {أنا هو الطريق والحقّ والحياة، لا يجيء أحدٌ إلى الآب إلّا بي}+ يوحنّا14: 6 فبعض الصفات المعروفة أنها من صفات السيد المسيح أو من ألقابه قد نسبها مسلمون إلى مؤلِّف القرآن زورًا أو جهلا؛ منها أيضًا {الأمين والصادق}+ رؤيا يوحنّا3: 14 فلا يُمكن أن يجيء مؤمن-ة إلى الله بغير السيد المسيح القدّوس- الخالي من أيّة خطيئة- وهو الله الظاهر في الجسد

ثانيا: لا نصَّ إلهيًّا، أي في الكتاب المقدَّس، يدلّ على قيام أنبياء من بعد المسيح إلّا الكَذَبة: {ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضِلون كثيرين}+ متّى24: 11 و24:24 ومرقس13: 22 وفي رسالة بطرس الثانية2: 1 وفي رسالة يوحنّا الأولى4: 1

ثالثا: لقد عجز محمد عن إثبات شرعيّة دعوته، سواء أمام كفّار قريش أو أمام أهل الكتاب، إذ لم يؤيّده الله بمعجزة ما أمام الناس في وضح النهار كما أيّد موسى النبي وغيره. عِلمًا أنّ محمّدًا خالف جميع وصايا الله المدوَّنة في الكتاب المقدَّس؛ منها: لا تقتلْ! لا تزنِ! لا تشتهِ امرأة قريبك! لا تسرقْ!… إلخ

رابعا: تكفي تناقضات القرآن والأخطاء المرصودة فيه؛ لاهوتيًّا ولغويًّا وعِلميًّا وتاريخيّا، أدلّة قاطعة بأنّ القرآن موحًى به من جهة أخرى غير الله. وفي مقالاتي النقدية عدد من البراهين الساطعة

خامسا: إنّ الذي لا يستطيع أن يشفع لنفسه يوم الحساب العظيم كيف يشفع لغيره؟ إذ روى أحمد في مُسنده الحديث التالي: [“لا يدخل أحَدُكم الجنّة بعمله” قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: “ولا أنا، إلّا أنْ يتغمَّدني الله منه برحمة وفضل” وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِه] ثمّ رواه البخاري ومسلم بالمعنى نفسه. وهذا ممّا تقدّم في الجزء الأوّل من هذه المقالة
وبالمناسبة؛ ليست الشفاعة المحمدية غير ممكنة فحسْب، إنّما من غير الممكن أيضا للعبد تقدير مَن يدخل الجنّة أو النار، لأنّ دخول إحداهما يقرّره الله يوم القيامة لا العبد، إلّا إذا حاول مدّعي النبوّة أن يشرك نفسه بالله أو حاول أن يحلّ محلّ الله سواء بقلبه أو لسانه؛ فقد ورد الحديث الكارثيّ التالي في صحيح مسلم- كتاب الإيمان ص94 باب “مَن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومَن مات مُشركًا دخل النار” وهذا نصّه بتصرّف: [حدّثني… أنّ أبا ذرّ- الغفاري- حدّثه؛ قال: أتيتُ النبي وهو نائم عليه ثوب أبيض ثم أتيته فإذا هو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فجلستُ إليه فقال: “ما مِن عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلّا دخل الجنة” قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ قال “وإن زنى وإن سرق” قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: “وإن زنى وإن سرق” ثلاثا، ثم قال في الرابعة على رَغْم أنف أبي ذرّ! قال فخرج أبو ذرّ وهو يقول: وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ] كما رواه بمعناه كلّ مِن أحمد في مُسنده والبخاري في صحيحه، ومعنى “وإنْ رغم أنف فلان” هو [وإنْ ذَلّ، وقيل: وإنْ كَره]- عن لسان العرب: رغم

وتعليقي- سادسًا- إنّ هذا الحديث يضطرّ القارئ-ة إلى وضع علامة الاستفهام أمام كلّ من التالي؛
فأوّلًا أنّ قرار الرحمن بدخول الموحِّدين الجنّة، وإن زنى بعضُهم وإن سرق، يناقض اثنتين من وصايا الله العشر التي في الكتاب المقدَّس- لا تزنِ! لا تسرقْ!- فهل يناقض الله نفسه؟
ثانيًا أنّ قرار الرحمن بدخول المشركين النار، حتّى إذا امتازت سِيَر بعضهم بالصلاح، يناقض به رحمته التي وسعت كلّ شيء! فهل يناقض الرحمن نفسه؟
ثالثا؛ كيف يقبل عاقل بهذا الدين وكيف يصدّق الذي ادّعى به إذْ جاء بما لا يرضى به أيّ ضمير حيّ؟ إنّما القرار متروك لكَ أخي المسلم ولكِ أختي المسلمة، فإنْ بقيت على الإسلام فلا تلومنّ “الأزهر الشريف” على تجنّب تكفير “داعش” وغيرها، لأنّ مِن المدوَّن في راية داعش “لا إله إلّا الله” لذا فعليك- أيّها المجاهد في سبيل الرحمن الذي علّم القرآن- توحيده أوّلًا ثمّ الزنا بما طاب لك مثنى وثلاث ورباع… والسرقة أيضا؛ لكن لا تنسَ إعطاء خُمُسَ المسروق لخليفة رسول الرحمن ولذي القربى… حسب الأنفال:41
ــــــــــــــ
باٌسم الآب والآبن والروح القدس- الإله الواحد- آمين
هذه هي “البسملة المسيحية” إن جاز التعبير: باٌسم الآب والآبن والروح القدس- الإله الواحد- يفتتح بها المسيحيّون جميع صلواتهم ويُباركون بها ويتباركون. وأقول: ربّما حاول “محمد” في بسملته مقابلة البسملة المسيحية، بدون محاولته فهم معناها، فابتدع ما ابتدع. هذا لأنّ الله جوهر أقانيمها الثلاثة
فالآب: الذات الإلهية لأنّ الرّبّ إلهَنا موجود: {يَجِبُ على الَّذي يتقرَّبُ إلى الله أَن يُؤمِنَ بأَنّهُ موجود}+ عبرانيّين11: 6
والابن: كلمة الله، عقله الناطق والذي {كُلُّ شَيءٍ بِهِ كان}+ يوحنّا1: 3 وبه كلّم الأنبياءَ وسائر التُّقاة والأبرار
والروح القدس: روح الله {حَيٌّ هُوَ اللهُ}+ أيّوب27: 2 {ثم قال يشوع بهذا تعلمون ان الله الحي في وسطكم}+ يشوع3: 10 {فاجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ}+ متّى16:16 {ونحن قد آمَنّا وعرفنا أنّك انت المسيح ابن الله الحيّ}+ يوحنّا6: 69
فلا يُعقل أنْ يتصوّر المخلوق خالقه بدون وجود وبدون عقل وبدون روح- حاشا الله- لعلّ مسألة الثالوث الإلهي اتّضحت الآن لجميع القرّاء، ومنهم الإخوة المسلمون والأخوات المسلمات، فليس صعبًا إدراك هذه البديهة. والمزيد عن مفهوم الأقانيم الثلاثة وارد في إحدى مقالاتي على گوگل، إليك منها بتصرّف: [إنّ المثلّث الهندسي يفقد جميع خواصّه إذا ما تمّ تجريده من أحد رؤوسه أو تلاشت إحدى زواياه أو اٌنكسر أحد أضلاعه. هذا ما يحصل للإنسان إذا ما غاب عن الوجود أو فقد عقله أو توقف القلب عن نبض الروح فيه. فالذات الإنسانية كينونة حقيقية أو وجود له صورة يمكن رسمها أو تصويرها لتحديد معالمها بدقة. والعقل هو المسيطر على جميع أقوال الإنسان وأفعاله وإحساسه. أمّا القلب فهو المسؤول عن ديمومة الروح في جميع خلايا الجسد وحواسّه. لذا يمكن القول إنّ الإنسان مثلّث الخواصّ؛ بوجوده وعقله وروحه، ومن خلالها تُعرَف هويّته ومعالم شخصيّته وصفاته، لكنّه يفقد كلّ شيء إذا ما تمّ تجريده من إحداها. فالثالوث الإنساني شبيه بالثالوث الإلهي، باستثناء فروق ثلاثة… أمّا أحد المعترضين إذ طلب إشارة حرفيّة إلى الثالوث في الكتاب المقدّس فلعلّه يستجيب إلى دعوة الإله الحقيقي من خلاله، وفيه أزيد من دليل على الثالوث، فليقرأ- مثالا- تفسير متّى\ الأصحاح الثالث، والتالي المدوَّن عن لسان السيّد المسيح في أعقاب قيامته من الموت: {فتقدّم يسوعُ وكلّمَهم قائلا: دُفِعَ إليّ كلّ سلطان في السّماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمِذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهم باٌسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أنْ يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كلّ الأيام إلى اٌنقضاء الدهر. آمين}+ آخِر إنجيل متّى. وليتأمّل في قول السيد المسيح “باٌسم” إذْ لم يَقُلْ “بأسماء” أي أنّ الثلاثة {الآب والابن والروح القدس} واحِد وهو الله…] انتهى
ـــــــــــــــــــــ
لينغا” في 01 تموز 2017 قبل مراجعتها مساء اليوم- الثامن من نوفمبر2018 بتوقيت سكندناڤيا لنشرها على: مفكّر حُرّ

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.