قراءة جديدة في ثلاث سُوَر قرآنية – ثالثًا: الفاتحة ج3 اختلافات أخرى


بقلم: رياض الحبيّب
…..
إليك مزيدًا مِن الاختلاف على الفاتحة، ممّا في تفسير البسملة- بسم الله الرحمن الرحيم- لدى القرطبي، فاقتطفت التالي بتصرّف: [وفيها سبع وعشرون مسألة
الرابعة: رُوِيَ عن جعفر الصادق- سادس أئمة الشيعة الإثني عشرية- أنه قال: البسملة تيجان السُّور. قلت: وهذا يدلّ على أنها ليست بـ”آية” من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال؛ الأوّل: “ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها” وهو قول مالك. والثاني: “إنها آية من كلّ سورة” وهو قول عبد الله بن المبارك. والثالث: “قول الشافعي هي “آية” في الفاتحة، وتردّد قوله في سائر السور؛ فمرّة قال: هي آية من كلّ سورة، ومرّة قال: ليست بآية إلّا في الفاتحة وحدها” ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل

الخامسة: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك؛ لأنّ القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يُختَلَف فيه. قال ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يُختَلَف فيه. والأخبار الصِّحاح التي لا مطعن فيها دالّة على أنّ البسملة ليست بآية من “الفاتحة” ولا غيرها إلّا في “النمل” وحدها] انتهى

وتعليقي- أوّلا: ذكر القرطبي ثماني وعشرين مسألة، أي بزيادة مسألة واحدة على المذكور أعلى. والمهمّ: أفبعد اختلاف الفقهاء من أصحاب التأويل أو التفسير يُقال “والقرآن لا يُختَلَف فيه” حسب ابن العربي؟ إنّ هذا لقول غريب



ثانيا- واضح أنّ البسملة حسب “المصحف العثماني” مزيدة على سُور القرآن في مقدّمة كلّ سورة منه باستثناء سورة التوبة، إذْ خلت من الترقيم في السُّوَر إلّا الفاتحة:1 والنمل:30 عِلمًا أنّ ابن مسعود لم يُدوِّن البسملة في “الفاتحة” التي في مصحفه. فإذِ احتجّ المرء بهؤلاء الثلاثة بأقلّ تقدير- ابن مسعود ومالك والقرطبي- وقد أضاف ابن كثير إليهم أبا حنيفة، فلا بدّ من إعادة النظر في مسألة احتساب البسملة من أجزاء الفاتحة، وإلّا فمسألة التلاعب بالقرآن تبقى قائمة وإن كان بقصد الإحسان إليه. لكنّ البسملة في “النمل” قد وردت ضمن سياق الخاطرة القرآنية “إنّهُ مِنْ سُليمَان وإنه بسْمِ اللَّهِ الرَحمَن الرَحِيم30” لم يُفتَتَح بها! فالخلاف قائم على الرقم الأوَّل، ليس على الرقم الـ30
تاليا؛ وردت الحكاية التالية في تفسير ابن كثير للبسملة: [ومِمّن حُكِيَ عنه أنّ البسملة آية من كلّ سورة إلّا “براءة” ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي] انتهى. وتساؤلي: إمّا صحّت هذه الحكاية عن هؤلاء، ولكلّ منهم وزن ثقيل في الإسلام ولا سيّما ابن عباس “حَبر الأمّة وإمام التفسير” وعلي- الخليفة الرابع وصاحب مصحف قيل إنّه أخفاه عن الناس- لماذا تُرِكتِ البسملة في سور القرآن بدون ترقيم حسب المصحف العثماني، في وقت أعطِيَتْ رقمًا في الفاتحة؟
ـــــــ
مكان “نزول” الفاتحة
إنّ مكان “النزول” مختلف عليه ما بين مكّة والمدينة؛ إلّا أنّها مكّيّة في رأي القرطبي، حسب تفسيره جزئية “الحمد لله ربّ العالمين” وإليك ما كتب- بتصرّف: [قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية وغيرهم: مكية. وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم: مدنية. وقيل: نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة، حكاه السمرقندي في تفسيره. والأوَّل أصحّ لقوله “ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم”- الحِجر:87 والحجر مكية بإجماع. ولا خلاف على أنَّ فرض الصلاة كان بمكّة… والله أعلم] انتهى

وتعليقي- أوّلا- على إفادة القرطبي بـ”أنّ الفاتحة نزلت بالمدينة” هو أنّ ابن كثير اتّفق معه حَرفيّا؛ فإمّا أنّ الثاني نقل عن الأوَّل، أو أنّ كليهما نقل عن المرجع عينه

ثانيًا- أنّ ما حكى السمرقندي في تفسير القرطبي “غريب جدًّا” في رأي ابن كثير

ثالثا- هو ذا خلاف على ستّة أجزاء قصيرة، أو سبعة، من جهة “النزول” ما بين مكّة والمدينة، في وقت لاحظنا المشكلة عينها في قراءة “القلم” إذ لُملِمت أجزاؤها من مكّة ومن المدينة. فكم بلغ الاختلاف بأنواعه على سورة مؤلّفة من مئة جزء فما فوق؟ أدعو القارئ-ة إلى الاطّلاع بنفسه على تفسير القرطبي وغيره. لكنّ اللافت في تفسير ابن كثير هو أنّ ما حكى السمرقندي “غريب جدًّا” في نظره بدون ذكره وجه الغرابة؛ هل خَفِي على ابن كثير ما كتب الماوردي عن أجزاء “القلم” المبعثرة ما بين مكة والمدينة، حسبما نقل القرطبي عنه، فلماذا استغرب ابن كثير ممّا حكى السمرقندي ولم يستغرب ممّا حكى الماوردي؟
ـــــــ
اختلاف في مفردات “الفاتحة” وفي الإعراب
الاختلاف الأوّل: ورد في جزئية “مالك يوم الدين”- الفاتحة:4 إذْ جمع القرطبي التالي بتصرّف: [قرَأ ابْن السَّمَيْقع بنصْب مَالِك؛ وفيه أربَع لغات: مَالِك ومَلِك ومَلْك، مُخفَّفة مِنْ مَلِك، ومَلِيك. ورُويَ عَن نافِع إشباع الكَسرة فِي “مَلِك” فيَقرَأ “مَلِكِي” على لغة مَن يُشْبع الحَرَكات، وهي لغة للعَرَب ذكرَها المَهدَوِيّ وغيره. واختلفَ “العُلمَاء” أيّما أبْلغ: مَلِك أو مَالِك؟ والقراءتان مَرويّتانِ عن “النّبيّ” وأبي بَكْر وعُمَر. ذكرَهُمَا التِّرمِذِيّ؛ فقِيل “مَلِك” أعَمّ مِن “مَالِك” وأبْلغ، إذ كُلّ مَلِك مَالِك، وليسَ كُلّ مالِك مَلِكا؛ ولِأنّ المِلْك نافِذ على المالِك في مُلْكه، حتّى لا يتصَرّف إلّا عن تدبير المَلِك، في قول أبي عُبَيدة والمُبَرِّد. وقِيل “مَالِك” أبْلغ؛ لأنّهُ يَكون مَالِكًا للناس وغيرهم؛ فالمالِك أبْلغ تصرّفًا وأعظم؛ إذْ إليه إجراء قوانين الشّرع، ثُمَّ عِنْده زيادة التّملُّك] انتهى

وتعليقي: مهما اختلف الفقهاء فلا يجب الإختلاف على مفردة واحدة ممّا في النصّ الأصلي! والمهمّ الآن تقرير مصير كلّ مِن: مَالِك ومَلِك ومَلْك ومَلِيك؛ أيّ منها هو المكتوب في “اللوح المحفوظ” وهل القائل إنّ “ملك” أبلغ من “مالك” أو العكس أعلم مِن مؤلِّف القرآن أم أبلغ، ثمّ ما موقف ذوي الألباب وذواتها من القائل “لا تَبدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّه”- يونس:64 و”لا مبدِّل لكلماته”- الكهف:27 و”قرآن مجيد. في لوح محفوظ”- آخر سورة البروج؟

الاختلاف الثاني: ورد في قوله “اهدِنا الصِّرَاطَ المستقيم”- الفاتحة:6 إذْ جمع القرطبي أيضًا ما يأتي بتصرّف: [وقُرِئ: السِّرَاط بالسِّين مِن الِاستراط بمعنى الابتِلاع؛ كأنّ الطّريق يَسترِط مَن يَسلُكه. وقُرِئَ بَيْن الزّاي والصّاد، أي بالزراط وبالصراط، وقرِئَ بزاي خالِصَة والسِّين الأصل. وحَكَى سَلَمَة عَن الفَرَّاء قال: الزِّرَاط بإخلاص الزّاي لغة لِعُذرَة وكَلْب وبَنِي القيْن، قال: وهؤلاءِ يقولون في أَصْدَق: أَزْدَق. وقد قالوا الأَزْد والأَسْد ولسِق بهِ ولصِق به] انتهى

وتعليقي: يا ليت شعري ما المكتوب في “اللوح المحفوظ” هل الصّراط أم السّراط أم الزّراط؟ عِلمًا أنّ القرطبي جمع خِلافًا حتّى على معنى “اهدِنا الصّراط المستقيم” ما يمكن العودة إليه في كتابه “الجامع لأحكام القرآن…” ورقيًّا أو على صفحات الإنترنت

الاختلاف الثالث: ورد في قوله “غير المغضوب عليهم ولا الضالين”- الفاتحة:7 وإليك مقتطفات من تفسير ابن كثير بتصرّف: [روى أبو عبيد القاسم بن سلام في “فضائل القرآن” عن أبي معاوية… عن عمر بن الخطاب أنه قرأ “غير المغضوب عليهم وغير الضالين” وهذا إسناد صحيح وكذلك حُكِيَ عن أبَيّ بن كعب أنه قرأ كذلك وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير. وقرأ الجمهور “غير” بالجَرّ على النعت، أي الصفة، بينما قال الزمخشري: قُرِئ بالنصب على الحال وهي قراءة “رسول الله” وعمر بن الخطاب] انتهى

وتعليقي على اختلاف القراءة: لقد سمح “محمد” بقراءة “كتاب الله” كيفما اٌتُّفِق، بغضّ النظر عمّا في “اللوح المحفوظ” والدليل موجود في حديث أُبَيّ بن كعب بتصرّف: [إن “النبي” كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه “جبريل” فقال إنّ “الله” يأمرك أنْ تقرأ أمّتُك القرآن على حرف، فقال النبي “أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمّتي لا تُطيق ذلك”… ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على سبعة أحرف فأيَّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا]- عن صحيح مسلم وفي “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي
ـــــــ
ثبات نصوص الكتاب المقدَّس الأصلية واختلاف الترجمات والمعنى الواحد
إنّ اللغات الأصلية التي تمّ تدوين الكتاب المقدَّس بها ثابتة لا تغيير فيها ولا اختلاف. وهي ثلاث لغات: العبرية والآرامية واليونانية؛ بالأولى والثانية العهد القديم – التوراة وسائر أسفار الكتبة والأنبياء- والعبرية فيه هي الغالبة، أمّا بالثالثة فقد كُتِبَ العهد الجديد- الإنجيل. كما تمّت ترجمة مخطوطات العهد القديم إلى اللغة اليونانية فيما عُرف بالترجمة السبعينية، بأقلام اثنين وسبعين حَبرًا يهوديّا، والتي تمّ إنجازها خلال القرن الثالث قبل ميلاد المسيح. أمّا بعد فلنأخذ ترجمات الكتاب المقدَّس إلى العربية- مثالا- دون غيرها، إذْ تطوَّرَ أسلوب الترجمة الأدبي وباتت مفرداتها أوضح، بحسب العصر الذي عاش خلاله المترجم-ون. فالمهمّ أنّ النصّ اليوناني ثابت. وقد شهد الكتاب المقدَّس لحِفظ كلام الله سواء في العهد القديم؛ كالذي بقلم إرميا النبي (إرميا 1: 12) وفي العهد الجديد كالذي دوَّن الإنجيليّون عن لسان السيد المسيح: {اَلسَّمَاءُ والأرضُ تَزُولانِ ولكِنَّ كَلامي لا يَزُول}+ متّى24: 35 ‏ومرقس13: 31 ولوقا21: 33‏ عِلمًا أنّ للكتاب المقدَّس الرصيد الأعلى في سلسلة الكتب المترجمة عالميّا بدون منازع! والجدير ذكره هنا أنّ المعنى واحد في جميع الترجمات المعترف بها كنسيًّا أيّا كانت لغة المترجم
ـــــــ
القرآن وترجمته
أمّا القرآن فأنّ الاختلاف عليه كارثي، لأنه وقع على مفردات نصوص القرآن الأصلية! سواء المدوَّنة منها والمقروءة، فلا يمكنني اتّخاذ “المصحف العثماني” مرجعًا للقرآن بدون أخذ المدوَّن في مصحف الصحابي عبدالله بن مسعود- مثالًا لا حصرًا- بنظر الاعتبار، حسبما أخبر مفسِّرو القرآن أو أهل التأويل، ولا سيّما أنّ ابن مسعود كان من بين الأربعة الذين أوصى “محمد” بأن يؤخذ القرآن منهم، لكنّ عثمان لمْ يلتزم بوصيّة “محمد” ما دلّ في النهاية على أنّ ربّ القرآن قد عجز عن حفظ كلامه، على خلاف ما زعم محمد في البروج:22 عِلمًا أنّ من غير الممكن ترجمة القرآن إلى لغة أخرى مع الحفاظ على معانيه مهما اجتهد مترجِم، لأنّ نسبة كبيرة من معانيه مختلَف عليها بين جمهور الفقهاء عبر التاريخ، بالإضافة إلى اختلافهم على القراءات؛ فالرازي- مِثالًا لا حصرًا- في محاولته تفسير سورة الإخلاص قد جمع للصمد- مِثالًا لا حصرا- ثمانية عشر معنى. وفي رأي أهل البحث أنّ جميع مفسِّري القرآن قد عجزوا عن الوصول إلى جميع معاني القرآن، والدليل يكمن في اختلافهم عليها وفي قولهم “والله أعلم” والأسباب ترجع إلى جهلهم باللغتين السريانية والعبرية اللتين نطق بهما محمد في خواطر قرآنية كثيرة، أكثر ممّا نطق بلغات أعجمية أخرى، إلى جانب العربية القديمة، مع أخذ التالي بنظر الاعتبار: اختلاف القراءات القرآنية التي عُدَّت بالمئات، وتشكيك طائفة من المسلمين في صحّة حديث ما ممّا لدى طائفة أخرى وفي صحّة إسناده، والاختلاف ما بين فقهاء الطائفة نفسها في جهة ما وبينهم وبين فقهاء طائفة أخرى في جهة مقابلة

شاهد-ي لطفًا على يوتيوب وغيره كلًّا من: جذور القرآن السرية
سؤال جريء 278 القرآن واللغة الآرامية
سؤال جريء 283 السريانية مفتاح للكلمات المبهمة في القرآن
صندوق الإسلام 27 كلام جديد عن كتاب لوكسنبرج عن القراءة الآرامية للقرآن
وفي إمكان الباحث-ة عن الحقّ تصفّح المزيد سواء ورقيًّا وعبر الانترنت
ـــــــــــــــــــــ
لينغا” في 11 حزيران 2017 قبل مراجعتها ب ظ اليوم- الثالث من نوفمبر 2018 بتوقيت سكندنافيا لنشرها على: مفكّر حُرّ

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.