قراءة جديدة في ثلاث سُوَر قرآنية – أوّلًا العَلَق ج2 من 2


بقلم: رياض الحبيّب
أدعو في البداية إلى قراءة المقدّمة المنشورة هنا على صفحة الكاتب قبل بضعة أيام وقراءة الجزء الأول المنشور ليلة أمس.

خلق الإنسان ممّا في سورة العلق وفي غيرها
في تفسير الطبري: [اقرأ يا محمد بذكر ربّك. ثم بيّن الذي خلق فقال: (خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَق) يعني: من الدم، وقال: مِن علق؛ والمراد به من علقة، لأنه ذهب إلى الجمع، كما يقال: شجرة وشجر، وقصَبة وَقصَب، وكذلك علقة وعَلَق] انتهى
وتعليقي: لم ترد “العلق” حرفيًّا في علم الأحياء، ممّا درست في المتوسطة وفي الثانوية، على أنها مادّة خلق الإنسان! ولم تدرَّس في قسم البيولوجي من كلّيّة علميّة. فالمعلوم عند أهل الكتاب أن الله خلق الإنسان من تراب، ليس من دم! لكن فيما بعد؛ حصل محمد على هذي المعلومة من أهل الكتاب فشكّلها شخصيًّا بأشكال متنوّعة: (تراب، طين، صلصال) والواحد منها مختلف عن الآخر وهذا الالتباس لا يمتّ إلى وحي الله بأيّة صِلة، لأنّ الله بليغ المقصد ودقيق. فلماذا ذهب محمّد إلى “علق” أجهلًا منه أم للانسجام مع الفاصلة- خَلَق؟

وفي تفسير القرطبي: [مِنْ عَلَق: أي من دم؛ جمع عَلَقَة، والعلقة الدم الجامد؛ وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: (مِن علق) فذكره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع؛ وكلُّهم خُلِقوا من علق بعد النطفة. والعلقة: قطعة من دم رطب، سُمّيَت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمرّ عليه، فإذا جفّت لم تكن علقة؛ قال الشاعر
تركناه يخرّ على يديه – يَمُجّ عليهما علق الوتينِ


وخصّ الإنسان بالذكر تشريفًا له. وقيل: أراد أن يبيّن قدر نعمته عليه، بأن خلقه من علقة مَهِينة، حتى صار بشرًا سويًّا وعاقلًا مميّزا] انتهى

وتعليقي أوّلا: قول القرطبي (خُلِقوا مِن علق بعد النطفة) سابق أوانه لأنّ ترتيب سورة المؤمنين حسب تاريخ “النزول” 74 بينما ترتيبها في المصحف 23 وهي السورة التي ذُكِرتْ فيها مراحل تطوّر الجنين قرآنيًّا: (طين، نطفة، علقة، مضغة، عظام، لحم، خلْق آخر) والتي ترك كثير من المسلمين الإسلام لتعارض المراحل المذكورة مع الحقائق العلمية. فبأيّ حقّ أجاز القرطبي لنفسه تبرير هذا الخطأ، بذكر النطفة، وكاتب القرآن لم يقل “من علق بعد النطفة”؟ إن تبرير القرطبي في نظري ضرب من الخداع والتزوير والتضليل، لكني أحترم جهود هذا المفسِّر.

ثانيًا: أمّا بيت الشعر المذكور فكتب القرطبي “قال الشاعر” والصواب: قال شاعر، لأنّ “أل” التعريف تدلّ على أن الشاعر المقصود مذكور بالإسم أي معروف، لكنّ القرطبي لم يذكر اسمه! فإذا كان أبو سعيد الحَسَنُ بنُ الحُسَين السُّكَّريّ (1) قائل هذا البيت (تركناه يخرّ…) إلى قوله (علق الوتينِ) على وزن بحر الوافر، فهذه المرّة ليست الأولى التي استشهد بها القرطبي بقول شاعر مولود بعد زمان القرآن، لكي يبرهن على ورود مفردة قرآنية ما في لسان العرب قبل ظهور القرآن. كان المفترض بالقرطبي أن يستشهد بقول شاعر سبق ظهور القرآن، كما بيّنت في الجزء الأول، لكي يُظهر لنا أن “العلق” وردت في لسان العرب بالمعنى الذي ذكر. هذا لأن الشاعر المذكور فهِمَ “العلق” في ضوء القرآن، ليس العكس. فأغلب الظّنّ أنّ القرطبي لم يصله شعر عنترة بن شدّاد عن العلق ولا شعر زهير بن أبي سلمى، إذ قال عنترة- على وزن الوافر أيضا:
تركتُ جُبيلةَ بن أبي عَدِيٍّ – يبُلّ ثيابَهُ عَلَقٌ نجيعُ

وقال زهير- على وزن الكامل:
وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرعِ أنتَ لنا إذا – نهِلتْ مِنَ العَلَقِ الرِّماحُ وعَلَّتِ
نَهِلَت: شَرِبَت الشُّربَ الأَوَّل. علّت: شَرِبَت ثانية أو تِباعا
ـــ ـــ

مِمَّ خُلِق الإنسان بحسب القرآن؟
إنّما السؤال المشروع بعد مطالعة سُوَر القرآن التي وردت فيها موادّ خلق الإنسان المختلفة:- مِمَّ خُلِق الإنسان بحَسْب القرآن؛ أمِن علق، أي من دم سواءٌ أكان جامدًا أم مسفوحا، أم مِن تراب أم مِن طين أم من صلصال أم مِن ماء دافق أم من نُطْفة أمشاج؟ تجد-ين هذه المواد متفرقة في المصحف العثماني ما بين 15 الحِجْر و23 المؤمنين و30 الروم و32 السَّجْدة و37 الصّافّات و38 ص و55 الرحمن و76 الإنسان و86 الطارق، بالإضافة إلى 96 العلق، وإلى 3 آل عمران التي ذكر فيها أن الله خلق آدم من تراب، أي حسب الوارد في التوراة، لكن اللافت هو تقديم “علماء” الإسلام “آل عمران” في المصحف المنسوب إلى عثمان أمام “العلق” بل قذفوا بـ”العلق” إلى التسلسل 96 كما بيّنت في المقدّمة المذكورة أعلى، فيستغرب قارئ-ة المصحف المذكور من القفز من التراب الذي في بداية المصحف تقريبًا إلى العلق في نهايته تقريبًا، فوق ممرّ ما هو إمّا من الطين أو الصلصال أو الماء الدافق أو النطفة أو المضغة أو العظام أو اللحم. لذا لم تبتعد نظرتي إلى مقولات القرآن أبعد من اعتبارها خواطر يمكن أن يعبّر عنها كلّ إنسان بحسب معرفته فينسبها إلى خياله، أو إلى كتاب ما، وهذا من حقّه، لكنّ المؤسف حقًّا هو أنّ مؤلّف القرآن نسب خواطره إلى الله، بل حتّى (ما يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى)- النجم- فتأمّل-ي! وتاليًا؛ أين بلاغة القرآن في مسألة الخلق، بل أين عِلم علّام الغيوب، أين “الإتقان في علوم القرآن” إمّا كان صاحبه- السيوطي (2) جادًّا في اعتبار علوم القرآن مُتقَنة؟ لعلّ الجواب في رأي اللبيب-ة الباحث عن الحقّ: لا بلاغة هنا ولا عِلم ولا إتقان.
والجدير ذكره بالمناسبة هو استغراب السيد أحمد القبانجي، في مقطع فيديو على يوتيوب، من قول محمد: (خَلَقَ الإِنسانَ مِنْ صَلْصَال كالفَخَّار)- الرحمن:14 لأن الصلصال هو الفخّار عينه في مفهوم القبانجي، كأنّ القائل (فسَّر الماء بعد الجهد بالماء) وهذا شَطْرُ بيت لابن الذروي المصري جرى مجرى الأمثال:
أقام يُجهِدُ أيّامًا قريحتَهُ – وفسَّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ
ـــــــ

خلق آدم وحوّاء في الكتاب المقدَّس
وردت في الجزء الأوَّل قصّة خلق الإنسان الأولى (التكوين 1: 26-31) والإنسان هنا بصيغة الجمع أي الناس، والدليل في الآية نفسها {26وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على…} لكنّ خلق آدم وحوّاء ورد في قصة الخلق الثانية: {7وجَبَلَ الرب الإله آدمَ ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسًا حية. 8وغرس الرب الإله جنّة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله… 18وقال الرب الإله: ليس جيّدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له مُعينًا نظيرَه. 19وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها. 20فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. وأمّا لنفسه فلم يجد مُعينًا نظيرَه. 21فأوقع الرب الإله سُباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما. 22وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. 23فقال آدم: “هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من اٌمرءٍ أُخِذتْ” 24لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق باٌمرأته ويكونان جسدًا واحدا}+ التكوين\ الأصحاح الثاني

وتعليقي أوّلا: هذا يعني أن آدم لم يكن مخلوقًا بعد في قصّة الخلق الإنسان الأولى! أي أن الله خلق الإنسان على مرحلتين؛ الأولى هي المذكورة في الأصحاح الأول والثانية هي التي في الأصحاح الثاني.
ففي الرواية الأولى لِخَلْق العالم: [وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا… فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم…] تكوين 1: 26-28 عن الترجمة الكاثوليكية
وفي الرواية الثانية- خلق آدم وحواء- في الأصحاح الثاني: [وجَبَل الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حية] تكون 2: 7

سُلالة قايِن: [وعرف قاين آمرأته فحملت وولدت أخنوخ. ثم بنى مدينة فسماها باسم ابنه أخنوخ. وولد لأخنوخ عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك. وآتخذ لامك له امرأتين اسم إحداهما عادة والأخرى صلة…] تكوين 4: 17-19
سلالة شيت أو شيث: [وعرف آدم امرأته مرّة أخرى فولدت آبنا وسمّته شيتًا وقالت: قد أقام الله لي نسلا آخر بدل هابيل، إذ أنّ قاين قتله. ولشيت أيضًا وُلد آبن وسمّاه أنوش. حينئذ بدأ الناس يدعون باٌسم الرب] تكوين 4: 25-26

بنو اللّه وبنات الناس: [ولمّا ابتدأ الناس يكثرون على وجه الأرض، وولد لهم بنات، استحسن بنو الله بناتِ الناس. فاتخذوا لهم نساء مِن جميع مَن اختاروا] تكوين 6: 1-2
ومعنى التعبير المحترم {عرف امرأته} تزوّجها. أمّا الشائعة القائلة “إن أولاد آدم وحوّاء تزاوجوا” مغلوطة.
والتفصيل في مقطع فيديو على يوتيوب تحت عنوان-
ماغي خزام: آدم ليس أوّل انسان على الأرض والإثباتات من الكتاب المقدَّس نفسه

والمقطع منشور أيضًا على مفكّر حُرّ في الثامن من يوليو 2018 تحت عنوان-
شاهد ماغي خزام: آدم ليس أول انسان على الأرض والاثباتات من الكتاب المقدس نفسه

وتعليقي ثانيًا: أنّ اللبيب-ة يفهم مِن قول الكتاب المقدَّس “معينًا نظيره” في الآيتين الـ18 والـ20 أنّ المرأة تساوي الرجل! ويلاحظ في الآية التي بعدها أنّ الله ترك حرية الاختيار لآدم ليسمّي كلّ ذات نفس حية بإسم ما. ويستنتج من الآية الـ24 أساس شريعة الزوجة الواحدة. فمَن الذي أطلق على المرأة الأولى اسم حوّاء؟ والجواب: آدم {20ودعا آدم اسم امرأته «حوّاء» لأنها أمّ كلّ حيّ. 21وصنع الرب الإله لآدم واٌمرأته أقمصة مِن جلد وألبَسَهُما}+ التكوين\ الأصحاح الثالث
وأقول: هكذا أحبّ الله الإنسان- الناس- إذ خلقهم ذكرًا وأنثى والأنثى تساوي الذّكَر تمامًا. فشتّان ما بين تعليم الكتاب الإلهي المقدَّس وبين تعليم غيره من كتب الأرض.
ـــــــ

وداعة الملاك ما بين القرآن وبين الإنجيل
ورد في تفسير الطبري بداية سورة العلق؛ حَدّثَني أحمد بن عثمان البصري عن… عن عائشة أنها قالت- بتصرّف: [كان أول ما ابتُدِئَ به “رسول الله” من الوحي الرؤيا الصادقة؛ كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثمّ حُبّب إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنّث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، حتى “فجأهُ الحقّ” فأتاه؛ فقال: “يا محمد أنت رسول الله” قال: فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم رجعت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، حتى ذهب عني الرّوع، ثم أتاني فقال: “يا محمد، أنا جبريل وأنت رسول الله” قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتمثل إليّ حين هممت بذلك، فقال: “يا محمد، أنا جبريل وأنت رسول الله” ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغطّني ثلاث مرات، حتى بلغ منّي الجهد، ثم قال: (اقرأ باٌسم ربك الذي خلق) فقرأت. فأتيت خديجة، فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، ووالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني، فأخبرته خبري، فقال: “هذا الناموس الذي أنزل على موسى (ص) ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك” قلت: أومُخرِجيّ هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به، إلا عُودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرا. ثمّ كان أول ما نزل عليّ من القرآن بعد “اقرأ”: (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون … إلخ] انتهى

وتعليقي أوّلا: ليس في سيرة نبيّ من أنبياء الله وسائر رسله أنّ منهم مَن فجأه الحقّ (أي بغَتَه، جاءه في وقت لم يتوقَّعه فيه) ورجفتْ بوادره ودخل على زوجته ليزّمّل حتى يذهب عنه الرّوع (أي الفزع، الهلع، الخوف) وهَمّ أن يطرح نفسه من حالق (أي المكان المرتفع المُنيف) من جبل لينتحر. لن يجد قارئ الكتاب المقدَّس ودارسه سيرة ملتبسة لنبيّ أو رسول مثل سيرة محمّد المكتوبة بعد مضيّ أزيد من قرن على موته! فلا شكّ في أنّ الذي ظهر لمحمّد حسب هذه السيرة كائنٌ مُروّع من الجنّ أي الشياطين. وفي السيرة المحمدية أن كان لمحمد قرين من الجنّ وهذا ثابت في الشرع الإسلامي. وإليك أحد الأحاديث الصحيحة: قال محمد: [ما مِنكُمْ مِنْ أَحَد إِلّا وقد وُكّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنّ. قالُوا: وإيّاكَ يَا رَسُولَ اللّه؟ قال وإِيّاي. إِلاّ أَنّ اللّهَ أَعانني عليه فأَسْلَم. فلا يَأْمُرُنِي إِلّا بخير]- أخرجه أحمد ومسلم عَن عبد اللّه بْنِ مسعود. وأترك التعليق للقرّاء الكرام من ذوي الألباب وذواتها.

ثانيا: قوله “فأخذني فغطّني ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد” لا ينسجم مع وداعة ملائكة الله، باستثناء إبليس! عِلمًا أنّ الله خلق إبليس كما خلق سائر الملائكة، إلّا أنّ إبليس اختار عصيان الله والتمرد عليه وخاض في طريق الشّرّ وتضليل الإنسان، حاشا لله أن يخلق شَرًّا أو يُضِلّ أحدا! والدليل على الوداعة المذكورة موجود في بشارة الملاك جبرائيل التي حملها إلى السيدة العذراء في الإنجيل بتدوين لوقا- حسب الترجمة البولسية: {وفي الشَّهرِ السَّادس، أُرسِلُ الملاكُ جِبرائيلُ، مِن قِبَلِ الله، الى مَدينة في الجَليل تُسمَّى النَّاصرة، إِلى عَذراءَ مخطوبة لرجُل اسمُهُ يوسُفُ، من بَيتِ داوُد؛ واسمُ العذراء مريم. فلمَّا دَخَل (الملاكُ) إِليها، قال لها: السَّلامُ عليكِ يا مُمْتلئةً نِعمة أَلرَّبُّ مَعَك. فاضطربَتْ مريمُ لهذا الكلام، وجَعلَتْ تُفكِّرُ ما عَسى أَنْ يكونَ هذا السَّلام. فقالَ لها المَلاك: لا تَخافي يا مَريم فلَقَد نِلْتِ حُظْوة عِندَ الله؛ وها أَنتِ تَحبَلِين، وتَلِدينَ ابنًا، وتُسَمِّينهُ يَسوع. إنَّهُ يكونُ عظيمًا، وابنَ العَليِّ يُدعى. وسَيُعطيهِ الرَّبُّ الإِلهُ عَرشَ داودَ أَبيه؛ ويَملِكُ على بَيتِ يَعقوبَ الى الدَّهر، ولَنْ يكونَ لِمُلْكِهِ انقضاء}+ لوقا 1: 26-33
فواضح أنّ الملاك طمأن مريم العذراء بعد اضطرابها ولم يُروّعها- لا سمح الله- ومعلوم في التراث المسيحي أنّ لوقا عاصر السيدة العذراء فنقل عن فمها الطّاهر أخبار هذا النّصّ وغيره، لأنّ لوقا كان دقيقًا إذ كتب: {تَتَبَّعت كلّ شيء بتدقيق}+ لوقا 1: 3

ثالثا: تأمّلت قليلا في مقولة السيدة خديجة (أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا) فتساءلت: كيف يُعقَل أنّ السيدة خديجة طمْأنتْ “مُرسَلًا إلهيًّا” بأنّ الله لا يخزيه أبدًا، هل كانت السيدة خديجة في منزلة الملائكة؟ فالغريب هنا أن الطمأنة صدرت عن مخلوق، لم تصدر عن الخالق لا مباشرة ولا بواسطة أحد ملائكته.
تاليا؛ هل اعتدّ الإسلام بشهادة امرأة واحدة؟ ثمّ هل اعتدّ القضاء الإسلامي بشهادة امرأة لزوجها؟ بل [شهادة الأصل لفرعه والفرع لأصله لا تجوز، لِمَا رُوِيَ عن “النبي” أنه قال: (لا تجوز شهادة الإبن لأبيه، ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته)- أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه. وكذلك الحكم في شهادة الولد لوالدته، والعكس، وأيضًا شهادة الزوج لزوجته، والعكس، حيث لم يُجِزْها الجمهور، خلافًا للشافعية. وأمّا شهادة كل واحد منهما على الآخر، فإنها تجوز]- عن إدارة الإفتاء في دولة الكويت.

فلا يتفق ما تقدّم مع نظرة محمد الدونية إلى المرأة على أنها (ناقصة عقل ودين وأنّ شهادتها ‏مثل نصف شهادة الرجل- في الصحيحين) و(تقطع الصلاة كالحمار والكلب الأسود- صحيح مسلم) وأنّ (النساء أكثر أهل النار- صحيح البخاري) وأيضًا [إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأتِ أهله (أي زوجته) فإنّ ذلك يردّ ما في نفسه- صحيح مسلم] بالإضافة إلى قول محمد في سورة النساء:34 ما معناه “اربطوهنّ بالهِجار- الحبل الغليظ- في المضاجع واضربوهنّ” حسب أحد تفاسير الطبري! وبعد هذا كلّه؛ يأتيني جاهل بدينه ليصدع رأسي بأنّ الإسلام “كرّم المرأة” فيا له من تكريم! ويا ليت شِعري كيف يكون الاحتقار والذّلّ؟

وفي رواية أخرى عن السيدة خديجة أنّها أقسمت بالله أنّ الذي ظهر لمحمد ملاك وليس بشيطان: “يا ابن عمّ اثبت وأبشر فوالله انه لملاك وليس بشيطان” فإسنادها حسن‏؛ المحدّث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد 259:8 علمًا أنّ الحديث مرويّ في “تاريخ الإسلام” للذهبي ص60 و”الخصائص الكبرى” للسيوطي ص218 وفي ”السيرة الحلبية” ج1 ص386 و”السيرة النبوية” لاٌبن هشام و”تاريخ الطبري” ج1 ص289 وغيره.
وتعليقي، كما سبق؛ أنّ المفترض أوّلًا أن تأتي الطمأنة من الله! وتاليًا لا شهادة مقبولة في الإسلام من امرأة واحدة ولا سيّما شهادتها لزوجها، إلّا إذا استثنى المسلمون شهادة السيدة خديجة لمصلحة الإسلام، لكنّ هذا الاستثناء، إذا غطّى على مخالفة المسلمين كلام محمد الوارد في الحديث الذي أخرج ابن أبي شيبة (لا تجوز شهادة المرأة لزوجها) فإنّه يُظهر محمّدًا كأنّه ألزم غيره بما لم يلزم به نفسه. فالتساؤل المشروع في هذه الحالة: أين محل قوله التالي من الإعراب: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)- الأحزاب:21؟ ومن المعلوم- مثالًا لا حصرًا- أن محمّدًا قد أجاز لأتباعه أربع نساء ترغيبًا لهم في “الجهاد” بغضّ النظر عن مُلك اليمين، بينما مات عن تسع نساء بأقلّ تقدير!

رابعًا: تعليقي على القول المنسوب إلى القس ورقة بن نوفل (هذا الناموس الذي أُنزِل على موسى…) في أيّ أصحاح من التوراة ذُكِر “هذا” في ناموس (شريعة) موسى النبي؟ ومَن قال إن “هذا” هو ما “أنزل” على موسى النبي، ومَن قال إن أهل الكتاب آمنوا بخرافة التنزيل، وكيف أشاد نصرانيّ برتبة قسّ بالتوراة متجاهلًا الإنجيل؟ فأغلب الظّنّ أن الحديث المذكور مدسوس ومنسوب إلى ورقة! فيا له من تدليس على التوراة ويا له من افتراء على النصرانية وإن اختلفت عن المسيحية. فإذْ ضَحِك السلفيّون على بعض الذقون، فعلى ذقن فقيه من أهل الكتاب ما استطاعوا الضحك ولن يستطيعوا! لعلّ القارئ-ة يتأمّل قليلًا في “أل” التعريف التي في “أهل الكتاب” إذْ دلّت على أن الكتاب المقدَّس كتاب الله الذي لا كتاب غيره وأنّه ليس كتابًا أيّ كتاب! فبئست الأقاويل المبنية على كذب وتزوير وافتراء
ـــــــ

مفاجأة في تفسير القرطبي
أختم بتقديم اختلاف، ممّا ورد في تفسير القرطبي بداية سورة العلق: [وقِيل: إنَّ أَوَّل ما نَزَلَ (يا أيّهَا المُدَّثِّر) قالَهُ جابر بْن عبد الله]- رواه أيضًا البخاري في كتاب تفسير القرآن- سورة المدّثّر- باب قوله وربّك فكبّر.
وفي تفسير القرطبي عينه: [قال عليّ بن أبي طالب: أَوَّل ما نَزَلَ من القُرآن (قُلْ تعَالَوا أتْلُ ما حَرَّمَ ربّكُمْ عليكُمْ…)- الأنعام: 151 والصَّحِيح الأوَّل] وفيه أيضًا: [روت السيدة عائشة أنها (أي العلق) أول سورة أنزلت على “رسول الله” ثمّ بعدها (ن والقلم…) ثم (يا أيها المدثر) ثم (والضحى)…] انتهى.

وتعليقي بعد ما تقدَّم؛ ما الدليل القاطع بأن سورة “اقرأ” أي “العلق” هي أوّل ما “نزل” من قرآن؟ وأتساءل مجدَّدًا: إذا صحّت هذي الرواية؛ كيف تجرّأ فقهاء الشريعة الإسلامية على قذف “العلق” بعيدًا- الى الحقل المرقّم 96 في المصحف؟ عِلمًا أنّ تسلسل سورة القلم هو الثاني حسب تاريخ “النزول” لكن الفقهاء قذف بها إلى الحقل الـ68 كما بيّنت في الجزء الأول، والمُدّثّر 4 والضحى 11 ممّا على ويكيبيديا- قائمة سور القرآن “الكريم”.
ـــــــ ـــــــ

1- أبو سعيد الحَسَن بنُ الحُسَين السُّكَّريُّ (212- 275 هـ) أديب له “الوحوش” و”النبات” وراوية لغوي؛ من أهل البصرة وانتقل إلى بغداد واشتغل بقراءة القرآن وجمع الأشعار، وكان عجَبًا في معرفة أشعار العرب، ألّف لجماعة منهم دواوين وشَرَح.

2- السيوطي (849- 911 هـ) من كبار فقهاء المسلمين؛ ولد في القاهرة ودرس الفقه والنحو والفرائض وألّف عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل، بلغت ستّمئة مصنَّف، في طيف واسع من المواضيع شملت التفسير والفقه والحديث والأصول والنحو والبلاغة والتاريخ والتصوّف والأدب؛ منها (الإتقان في علوم القرآن) و(الدر المنثور في التفسير بالمأثور) و(أسرار ترتيب القرآن) والمزيد على ويكيبيديا- جلال الدين السيوطي

– القراءة التالية في سورة القلم.

– نُشرت المرّة الأولى على “لينغا” في العاشر من أغسطس\ آب 2016 قبل مراجعتها اليوم- الأول من أكتوبر\ تشرين الأول 2018 لنشرها على موقع مفكّر حُرّ.
ـــــــــــــــــــــ

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to قراءة جديدة في ثلاث سُوَر قرآنية – أوّلًا العَلَق ج2 من 2

  1. Mohammad Kanan says:

    لا أدري إن كان ما أكتبه سوف يُنشر أو يُحجب فأنا لا أعرف هذه الصفحة جيدا ولكني على ثقة أن جُهدي لن يذهب هدرا متوكلا على الله:
    – غريب كيف يربط الكاتب بين التبشير والشهادة ” بمعنى أن تكون المرأه شاهدة على حدث رأته وسمعته” ، ألم تقل خديجة “أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَمِّ وَاثْبُتْ فَوَالَّذِي نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ! إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ” لاحظ التبشير والرجاء .. !! فلماذا يحب أن يتخيل الكاتب أن خديجة شهدت للرسول أن ما أتاه هو الحق بمعنى شهادة قضائة!! .. بينما هي بشرته ، والمعروف في الثقافة العربية أن من رأى رؤيا أو حلما يسبشر الخير .. وربما فسره له زوجه بأن قالت : أبشر خيرا

    – والأمر الآخر هو أن الكاتب يستغرب أن تكون سورة العلق تم ترتيبها 96 في القرآن الكريم .. فالكل يعلم أن ترتيب السور في القرآن لم يتم حسب نزولها بل حسب ما أقره عليه السلام : “وهذا ما نقله غير واحد من العلماء منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر وعبارته : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين .
    الصحابة لم يرتبوا القرآن حسب النزول لأن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجماً حسب الوقائع والحوادث، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر وابن القيم وغيرهم”

    – عُذرا لكن تبدو ضحالة علم الكاتب باللغة العربية واضحة ، ولا ضرر من ذكر أحد الأخطاء الذي وقع بها هذا الشخص ، فمن البديهي في اللغة العربية ان يقول المرء ( قال الشاعر ) ويذكر الشعر المقصود .. ويعتقد الكاتب أن أل التعربف تستوجب ذكر ذلك الشاعر وهذا جهل تام في لسان العرب ، وبالذات “بأل العهدية” التي تُستخدم عند الإستشهاد ببيت شعر مشهور حتى لو كان قائله غير مذكور أو حتى معروف .. وذلك أقوى للاستشهاد بشعره، لأنه وإن كان مجهول الاسم، إلا أن بيته لا يستشهد به إلا إن كان مشهورا، فقولك: الشاعر يعني الشاعر الذي قال هذا البيت المعروف لأهل هذا الفن من العلم!
    لا داعي للخوض في الأمور الإيمانية فهذا أمر متروك لمن يقرأ ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.