في يوم الصحافة الاشورية ونشر الوعي القومي والثقافي

الكاتب العراقي فؤاد الكنجي

فواد الكنجي

في الأول من تشرين الثاني من كل عام تحتفل (الصحافة الأشورية) بصدور (أول صحـيـفة أشورية عام 1849م)، ليتخذ الصحفيون من ذلك اليوم (عيد لصحافة الأشورية)، و تواصلا مع ذكرى مرور (172) عام لصدور (أول صحـيـفة أشورية) على شكل مـجـلة شهرية ومن ثم نصف شهرية بشكل منـتـظم؛ متضمنة محتوياتها بـأربع صفحات إلى ثمان ومتـوجة باسم ( زهريرِه دبهرا – أشعة النور) وقد ترأس تحريرها الدكتور (بنيامين لاباري) والصحفي (ميرزا شموئيل)، وهنا لا يسعنا إلا إن نقف أجلال لها والى شهداء (الصافة الأشورية) والى الذين ضحوا بأنفسهم من اجل قضايا أمتهم في إعلاء كلمة الحق وحق تقرر المصير؛ ولا يسعنا أيضا ألا أن نهنئ (الصحافة الأشورية) وكل صحفيها .

ولما كانت الصحافة بصورة عامة و(الأشورية) بصورة خاصة؛ تعكس الكلمة المكتوبة التي تظل باقية على مدى الدهر كوثيقة تاريخية محفوظة يعود إليها المرء كلما أراد المعرفة أو التأكد من المعلومات التي تحملها هذه الوثيقة، وبهذا فهي تسمح للمتلقي فرصة استيعاب معناها ومدلولاتها، كما إنها تمنحه حرية اختيار الوقت المناسب للرجوع إليها وإعادة قراءتها، كما إن اللغة الإعلامية المستخدمة في الصحافة المقروءة مشروط فيها الإتقان في الأسلوب وفي القواعد النحوية وفي اختيار المفردات؛ فهي أيضا – أي المطبوعة الإعلامية – مدرسة لتعليم القراءة السليمة والصحيحة، وتلعب الصحافة المقروءة أيضاً دورا هاما في تشكيل الرأي ومن أهم وسائل الإعلام تأثيرا في الرأي العام؛ بحجم تداولها الناس بمختلف شرائحهم واتجاهاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية، لذا فإنها توصف بالسلاح ذي الحدين، ولذلك أيضا ستظل الصحافة المقروءة منذ نشوئها كأقدم وسيلة اتصال لما تضطلع من دور يشكل حجر الأساس في أي مجتمع حضاري يرى ضرورة إسناد قضايا المجتمع إلى الصحافة لكونها قادرة على تناول الحدث والقضية بشيء من التفصيل .

وهكذا كانت (الصحافة الأشورية) منذ نشأتها الأولى أي منذ عام 1849م، بصدور أول (صحـيـفة أشورية) بشكل منـتـظم ومتـوجة باسم ( زهريرِه دبهرا – أشعة النور) ولحد عام 1918، وذلك في مدينة (أورمي الأشورية – في إيران)؛ بدعم من (الإرساليات التبشيرية الأمريكية) التي وفدت إلى المنطقة منذ عام 1930 وبادرت إلى تأسيس أول مطبعة فيها عام 1840 بمساعدة عدد من رجال الدين من الكنيسة (كنيسة المشرق الأشورية) وفي مقدمتهم المطران (مار يوحنا) مع عدد من القساوسة والشمامسة والمهتمين باللغة (الأشورية) والنهضة القومية من رجال العلم والمعرفة بغية طبع الكتب الدينية والتثقيفية ومناهج التعليم اللغة (الأشورية) .

إن أبرز ميزة تحلت بها هذه الصحيفة؛ صحيفة (زهريرِه دبهرا – أشعة النور) التراثية والتثقيفية والإعلامية؛ هو العمر الطويل الذي نادرا ما نجده حتى في صحافة الدول المتقدمة، رغم الإمكانات المحدودة التي صاحبتها في أوقات مختلفة، حيث ظلت تصدر على مدى 69 عاما بأبواب متفاوتة رغم المسحة الدينية التي طغت على أعدادها الأولى، ومن ثم فان محرروها تجاوزوها إلى حد ما لتستقبل موضوعات متنوعة؛ بعد إن اتسع انتشارها في الداخل والخارج وتبنيها لأقلام من خيرة المثقفين (الأشوريين) من أدباء ذلك العصر .

ومن الجدير بالذكر إن (زهريرِه دبهرا – أشعة النور) كانت من أولى الصحف التي نشرت أشعتها على الأرض التي ولدت فيها لتسبق العديد من صحف المنطقة بأسرها، وبشكل خاص جريدة (الزوراء العراقية) التي صدرت عام 1869 أي فيما بعد بعقدين من الزمن، إضافة لصحافة بعض الدول المجاورة التي تتمتع بإمكانات وقدرات عالية ليتوازى تأسيسها وإصدارها مع بعض الصحف (الأشورية) التي لحقت (زهريرِه دبهرا – أشعة النور) ومنها (قالا دشرارا – صوت الحق 1896 – 1915) وصحيفة (اكرياتِـه من أشور – رسائل من أشور 1887 – 1889) وصحيفة (ناقوشا – الناقوس 1891 – 1925) وصحيفة (كخوا – النجم 1906– 1914 ) وصحيفة (مهديانا اتورايا – المرشد الأشوري 1909 – 1915 )، إضافة لما تبع ذلك فقد توالت العديد من الصحف في الصدور باللغة (الأشورية) في مطلع القرن العشرين .

إن هذه المآثر الثقافية واللغوية (الأشورية) ساهمت مساهمة فعالة على إحياء (اللغة الأشورية الحديثة) بتبنيها اللهجة المحكية الممتدة ليومنا هذا، إضافة لذلك؛ وبما أنها الصحيفة الأم (زهريرِه دبهرا – أشعة النور)، كانت قد سببت على ولادة صحف أخرى لا تقل شأنا عنها، ولكن تقلبات الأوضاع السياسية والأحداث المأساوية التي لحقت بـ(الأشوريين) بسبب (الحرب العالمية) الأولى والثانية؛ حتمت على العديد من هذه الصحف لتتوقف عن الصدور؛ ورغم كل ذلك؛ وبين فترة وأخرى كانت عقول المثقفين من حملة مشاعل الفكر القومي (الأشوري) ينظرون للمستقبل بعين الوعي والأمل لإقدامهم على تأسيس وإصدار (صحف أشورية) بـ(ثنائية وثلاثية اللغات) إلى جانب اللغة (الأشورية) كاللغة (الروسية) و(الإنكليزية) و(العربية) و(التركية) و(الفارسية)، ونذكر من الصحفيين الرواد لهذه الحقبة الزمنية كل من الصحفي الأشوري (أشور يوسف) والكاتب (نعوم فائق) والأستاذ (بشار حلمي بوراجي) و(الأب لويس شيخو) والكاتب (فريد نزها) و (يوخنا موشي) و(شموئيل بادل) و(شليمون دسالامس) و( يوئيل وردا) و(سنحاريب بالي) و(ابراهيم صوما) و(بنيامين ارسانيس) و(بولص انويا)، إضافة إلى الذين تبعوهم وحذوا حذوهم فيما بعد في (الإتحاد السوفيتي) و (الولايات المتحدة الأمريكية) و(بريطانيا) و(تركيا) و(إيران) و(لبنان) و(العراق) و(سوريا) وغيرهم من الصحفيين في بلاد المهجرة، وإذا أحصينا ما صدر منذ ذلك التاريخ لأظهرت النتائج عن صدور أكثر من 200 صحيفة (أشورية) ومجلة ونشرة دورية في كافة البلدان التي كان يقطنها (الأشوريين) .

ولما كانت الأوضاع (الأشورية) آنذاك تتعرض لشتى أنواع الاضطهاد والتهميش؛ فان (الصحافة الأشورية) لم تتخلى عن دورها ومسؤوليتها الأساسية والبارزة في معالجة وطرح قضايا مجتمعنا (الأشوري) للرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، إضافة إلى نشرها الوعي المجتمعي ليتعرف (المجتمع الأشوري) مسؤولياته التاريخية ولكي يعمل لتجاوز الصعوبات وتحديات التي يواجهونها مع تكريس الوعي القومي والعمل السياسي واعتباره أعمدة لإنقاذ الأمة (الأشورية) من محنتها في الحرية وحق تقرير المصير .

فـ(الصحافة الأشورية) لم تلجأ قط إلى اعتماد أسلوب التمويه في تناولها للقضايا بقدر كونها كانت تقدم وتطرح وتتناول المواضيع بشيء من التفاصيل وتهتم بمشاكل المجتمع وتتحمل المسؤولية ولم تتجرد من كل صور المسؤولية إزاء ما تطرحه، لذلك نراها وبكل المسؤولية لم تلقي الضوء على جانب واحد دون إن تتعرض للجوانب الأخرى، بل وضعت نفسها مجندة لقضايا الأمة (الأشورية) المصرية بالمعطي القومي؛ بكل ما تحويه من مظاهر؛ دون إن تترك الأمة (الأشورية) في حالة من الارتباك لعدم وجود الوسيلة التي تعبر عنه، بل أصبحت (الصحافة الأشورية) هي الوسيلة لإيصال صوت ومعاناة وما تتعرض أليه الأمة (الأشورية) إمام المجتمع الدولي، وهكذا لم تتجرد الصحافة (الأشورية) من واقع الأمة والواقع السياسي من حيث التمييز الايجابي أو التراجع السلبي الذي يعتبر محصلة لما ينتجه المجتمع ودرجة الوعي والمعرفة التي يمتلكها وهذا ينعكس على المحصلة .

فكانت (الصحافة الأشورية) ناقدة بموضوعية ولم تلتجئ إلى نقل الصورة دون إعطاء وجهة نظرها من زوايا عدة، ولما كانت أوضاع الأمة (الأشورية) تتجه من طبيعة العمل السياسي الذي كان دوره هو نتيجة ناشئة من عمق بنيان المجتمع ووصوله إلى درجة تؤهله للقيام بدور محوري على صعيد حق تقرير المصير والاستقلال وإقامة (الإقليم الأشوري) على ارض الوطن في (وادي الرافدين – العراق) معتمدا على ما يختزنه المجتمع (الأشوري) من الثقافة والمعرفة والإبداع، وكلها ترسم طبيعة وملامح الواقع القائم لامتنا (الأشورية) الذي يعبر عن طبيعة المجتمع (الأشوري)، وبطبيعة الحال فان الصحافة (الأشورية) كذلك تقع تحت نطاق هذا التأثير الحاصل من الدور الذي يلعبه المجتمع والذي يكون له عائد ايجابي أو سلبي، كما إن عملية المراجعة الدقيقة والموضوعية من قبل العاملين في المجال الصحفي في مجتمعنا (الأشوري) سواء كانوا رؤساء تحرير أو محررين للصحف الأهلية أو الحزبية أو المستقلة؛ لمعرفة مدى قبول الشارع لهذه الصحف وما هي ردود واقتراحات الشارع للمضامين التي تحملها الصحف، لكن الحقيقة التي كشفت عن ذاتها للقارئ والمتابع جعلته يدرك بان الصحافة الأولى كانت أكثر تأثيرا وتقبلا جماهيريا؛ لأنها كانت عين لذلك المجتمع، بعكس ما هو الحال في القسم الأكبر من صحافتنا (الأشورية) اليوم؛ التي يسود فيها الغموض الذي يعشعش على عمل الصحافة مما جعلها مجرد منابر شكلية لا اقل ولا أكثر، لعدم جرأتها في طرح المواضيع والنقد؛ بكونهما جسر التواصل بين المجتمعات وحكامها وأحزابها، بل إن الصحافة خرجت عن الطريق الذي يجب إن تسلكه وانحدرت إلى اتجاه جعلها غير قادرة على الإيفاء بالمطالب التي تلاحق المجتمع (الأشوري) بكونها ممؤلة من جهات هي بالأساس غير مبالية بمصير مجتمعنا وما يتعرض عليه في (العراق) اليوم من حملات الاستهداف على الهوية والخطف والقتل بغية حملهم لترك وطن أجدادهم .

فالمشكلة التي تعانيها (الصحافة الأشورية) اليوم هي عدم تمكن في بلوغها درجة من الوعي والجرأة والمسؤولية؛ بحيث مازالت غير مستعدة لكي تجري عملية تنقيح الأفكار التي تحملها بحيث تجعل مصلحة الأمة (الأشورية) ومصيرها فوق كل المصالح والرغبات، بل إن الولاء للأحزاب والعشائر والقبائل والشخصيات تجاوز بكثير الولاء للأمة (الأشورية) والعمل لخدمة الأمة فحسب، وهذا ما جعل الأمة؛ غريقة بالمشاكل المندسين في تشويه صورة (الحضارة الأشورية) وتسمية امتنا ولغتها (الأشورية) بتسميات هجينة وغريبة عن الجسد (الأشوري)، الغاية منها هو ضرب الأمة وتشتتها وتصفية وجودها القومي؛ دون إن تستطيع غالبية (الصحافة الأشورية) الصادرة في الوطن من فضح هذه المؤامرات، كما أن الأفكار التي يتم عرضها من حين لآخر تكون اغلبيها غير مجدية كونها مستخرجة من نفوس راكدة ومتعفنة لا تملك هدفا ولا تتبنى معنى التغيير بكونها قد دخلت في إطار المربعات المتقاطعة كي تفوز بالشهرة وتقاضي المرتبات العالية دون إن تتوجه إلى الإفراد في مواقعهم أينما كانوا؛ لكي يتم التعرف على المشكلات التي تعترض مسيرتهم وتعيق تطورهم وتطور واقع الأمة (الأشورية) في العراق .

اما الشارع (الأشوري) جماهيريا؛ فهو ما زال في الطريق إلى تكوين قناعة مستقلة من خلال دراسة ومقارنة للواقع المعاش من منظور معرفي وفكر متطور متولد من (الصحافة الأشورية الحرة) على المواقف الأكثر ايجابية، فـ(الأشورية) هوية الأرض والإنسان (الأشوري) مرجع لأي عملية تغيير أو تحديث، فأي شخص أو حزب يسلك العمل متفردا بعيدا عن هذا المنطق ودون إن يتزود بالمراجع تعبر عن واقع ومعانات الأمة، دائما ما يكون موضوع بحثه (هشا) ودوافعه مشبوه في صحتها، كما إن الاستنتاجات والتوصيات النابعة من مصالح ذاتية لا قيمة لها، لهذا يجب على الصحافة (الأشورية) إن تدرك قيمة المجتمع ورغباته وان لا تحلق بعيدا عن قضايا الأمة (الأشورية)؛ حتى تفوز بشرف الإطلاع عليها والتماس الحلول منها في إي قضية تعترض حياتهم وتهدد مستقبلهم .

About فواد الكنجي

ولد في عام 1957 في مدينة كركوك بالعراق,و حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة الحديثة من جامعة بغداد عام 1983. إضافة إلى الفن التشكيلي اصدر عديد من المؤلفات بداية من ديوان الشعر بعنوان ( ضوء على مياه الثلج) عام 1983 في بغداد, ثم ديوان الشعر بعنوان ( مراثي الجسد ) عام 1984 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( البكاء الأخير ) قصيد ولوحات عام 1985 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان( سحب الذاكرة ) قصيد مرسومة عام 1987 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( أحزان قلبي ) في بغداد عام 1992 , و ثم اصدر ديوان الشعر ( حرائق الحب ) في جزئيين الأول تحت عنوان ( رسالة ساخنة إلى الخائنة –م- واللامعقول في سيكولوجية الحب ) ..أما الثاني فقد أتى تحت عنوان ( قسوة الحرائق ) عام 1993 في بغداد , وكذلك اصدر ديوان الشعر بعنوان (رماد الأجساد) في بغداد عام 1993 , و ديوان الشعر بعنوان( صرخة المساء ) في بغداد عام 1995 , و له ديوان شعر بعنوان ( لحظات الحب ) صدر بمقاطع قصيرة على عمود الصفحة الأخيرة في جريدة نركال وعلى مدى ثمانية أعوام ، اما في مجال الدراسات فقد ألف كتاب بعنوان ( دراسة جمالية في التربية المعاصرة ) طبع ولم يصدر , و كتاب بعنوان ( قاموس الأحلام ) موسوعة لتفسير رموز الأحلام لم يطبع , و كتاب بعنوان (الفن والأسس الجمالية) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( نعم احبك) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( جان دمو الإنسان ) دراسة لحياة الشاعر.. نشر بأجزاء في جريدة نركال. اما في مجال الأعلام والصحافة فقد أسس جريدة نركال و ترأس تحريرها ، حيث كانت تصدر في مدينة كركوك- العراق منذ عام 2003 , حيث صدر العدد الأول في 8-10-2003 ولغاية اذار عام 2011 حيث غادر العراق مهاجرا إلى كندا لظروف سياسية.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.