في مديح المجاز /

حمود ولد سليمان
“غيم الصحراء”

علي هامش صحائف السيدة واو

حمود ولد سليمان

“غيم الصحراء “

1/

قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم أني قد هجرته منذ سنوات وكنت عازما ألا أعود إليه لإعتقادي أن فيه مضيعة للوقت .وجدتني أبحث فيه وأتسقط منه الأخبار .لست أدري لماذ؟وأيقظ ذالك في ذكريات قديمة . وبدأت أسماء بعض الأصدقاء”الافتراضيين” الذين عرفتهم قبل سنوات تتوافد علي أمامي.تخاطبني وتسألني أين أختبأت عنا فأقول أنا هنا وأتحسس مكاني في حيز الزمان والمكان البرزخي وأحدق في صورة وجهي في مرايا الغيب وأربت علي أيامي .ثم أهتف انا هنا في صحرائي أرتل سورة الرمل .وأقرأ احتمالات الطالع والتحول فأين أنتم وماذا فعلت بكم الأيام ؟

من الذين جمعتني بهم الصدف في الفضاء الأزرق السيدة وفاء بوعتور وهاهي بعد سنوات قد أصبحت شاعرة مشهورة وكتابها :نهديات /السيدة واو /علي كل لسان وفي كل ناد ومحفل .وقد أقام الدنيا وأثار ضجة كبري في تونس والعالم العربي. وفاء بوعتور كما عرفتها ذات سريرة طيبة وذات خطوات موزونة وذات حرف جميل وقد صدق حدسي يوم قرأت منشورها الأول أنها سيكون لها مستقبل بين الأديبات العظيمات اللائي لهن في الحرف نصيب وافر . تماضر الخنساء وولادة بنت المستكفي و مي زيادة وفدوي طوقان ونازك الملائكة وآسيا جبار وغادة السمان وما رغريت ميتشل .وفيرجينا وولف وأجاثا كريستي

.وسيمون دوبوفار .

وفاء بوعتور شاعرة تونسية . تنتسب في أبوتها الأدبية للكاتب المصري أدوار الخراط . تتحدي فحول الشعر العربي وتري أنها ستصير شهرزاد الشعر العربي وقد عرفت من خلال صفحتها أنها تقيم في مدنين “تونس ” وتزاول مهنة التدريس ويومذاك كانت تكتب منشوراتها باللغتين العربية والإنكليزية وحسبي ماتكتبه بالعربية الجميلة أما الإنكليزية فلم تكن تعنيني لأني لا أعرفها ولم أدرسها ولست أدري هل ستمهلني الأيام وتتيح لي الفرصة لأتعلمها وأقرأ أعمال شكسبير بلغته واسأله عن هاملت وظله .!أم لا؟

السيدة وفاء بوعتور كثيرا ما تضع علي بروفايلها صورة ادوارد الخراط بنظاراته الكبيرة التي تكاد تحجب وجهه وذقنه الأشيب وطلته التي تخترق الحجب.تحب الخراط القبطي الجميل وتتقمص روحه .تجلس معه كل يوم تداعبه وتحاوره. وفي الليل

” حيطانه العاليه. وأضلاع صحرائه وزمنه الآخر .ويقين عطشه” “سراجها الذي يبدد عنها الظلام والوحدة .

وفاء كما عرفتها والحق يقال تكتب أشياءا جميلة . ولها أحيانا جرأة جارحة . نشرت ذات مرة نصا مقتطعا من روايتها “آية صوفيا “وطلبت من أصدقاء جدارها أن يبدو آراءهم بكل صدق عن ماتكتبه وأذكر اني ابديت إعجابي بحرفها وألمحت لها أن في ما تكتبه عبارات جارحة قد لاتوافق كل الأذواق.

ولا أخفي أني معجب بما تكتب ومع ذالك كانت تحيرني وأفكر في صورها بالحجاب وأحيانا متكئة علي الرمل في إنسجام صوفي مطلق كأنها تغوص في روح الأشكال .ولها روحانية بدوية عفوية عليها مسحات جمال بديعة .شاعرة تستنطق الصورة في ماوراءها وتهتم اهتماما كبيرا بتشكيل الجمال. وتدمج البصري بعالم الحرف في إيحاءات/لمسات سحرية خفيفة وصارخة .شهوانية .روحية .عميقة .من هذه الزاوية بدت لي وفاء تحمل في نفسها سرا عجيبا وكنت أتوق لمعرفة سر سرها .

2/

نشرت وفاء بوعتور ديوانا شعريا بعنوان :نهديات /السيدة واو وقد أثار ضجة كبيرة . بدءا من غلافه إلي منتهاه.علي الغلاف صورة الكاتبة وفي تشكيل فضاء النص جعل الناشر (قصدا منه أو من الكاتبة ) صورة الكاتبة تظهر محجبة بارزة الصدر موازاة مع العنوان :نهديات السيدة واو .الأمر الذي جعل الكثير من القراء يرون في الديوان إباحية . تحمل أكثر من رسالة ايروسية صارخة . بغلافه و قصائده المشحونة بالدلالات الشهوانية .بالنسبة لي لا أري أن الصورة فيها ما يثير حفيظة المتحفظين اللهم الا إذا كانت صورة إمرأة مشرئبة بعنقها نحو الأعالي فيها مايجرح . وأعتقد أنها ذات دلالة تشي بالتعالي .ويمكن قراءتها بالمعنيين .الشموخ والإعتزاز بالنفس كما يمكن بمعني العطاء والولادة .اذ النهدين (عليهما مايسترهما ) في أبعاد الصورة هما ما يدران حليب الحياة ويعطيانها معناها ودورتها أما العنوان فهو في نظري قد خلق نوعا من المباشرة الغير محبذة في تشكيل فضاء النص اذالكلمة توحي في دلالتها للصورة ومعروف أنه من المستحسن أن يكون المعني مخفيا وغير مباشر

أما عن كلمة نهديات أنا لا أحبذها وأراها أيروسية .وأعتقد أنها كعتبة للديوان .لم توفق الشاعرة في إختيارها أوعلي الأقل كان من الأحسن أن تتفادي الصورة لكي تترك هامشا للتنزيه .لبنفسج المعني .

بالنسبة لقصائد الديوان لم أطلع عليها كلها وقد قرأت أن صفحة الشاعرة علي الفيس أغلقت وتمت مصادرة ديوانها .وقد بحثت عن الديوان علي النت ولم أفلح في الحصول عليه .فقط وجدت صفحة علي الفيس لست متيقنا أنها للشاعرة ..عليها نصوصا مصورة من ديوانها .كما في مواقع أخري وبعض نصوص لها في موقع “الأنطولوجيا “وهذه بعض نصوص الشاعرة في ديوانها “نهديات /السيدة واو”

تقول وفاء بوعتور في بعض هذه النصوص :

شكرا لنهدي المولود من فم الشعر

شكرا لشعري المنثال من فم النهد

شكرا لأب باركني وبسمل وألقي في جب اللغة

شكرا لكل أصدقائي بلا استثناء

الداخل منهم للصلاة او الإستمناء

بكم يلتئم طين الوجود والمعني والحلم /

وفي موضع آخر تقول :

لوكان نيوتن

عاين نهدي

تفاحة تفاحة

قبل أول قضمه

لسبق اينشتاين إلي

” نظرية نسبية خاصة “

ووفر عليكم قانون الجاذبية /

وفي موضع آخرتقول :

كان يصفع نهدي

وفق طرب صوفي

يشبه سكرة

فأفيض

هذا نهدي في جانب الليل

هش ….

بش….

خضل …

ذرب….

حي اللسان

وادع إلي فروته في إبطك /

وفي موضع آخر تقول :

من كرم نهدي

يعصر عاشقا

كل خلوة

في كأس الغروب

ويسقيه ل:

لشكسبير

والبؤساء

وبخلاء الجاحظ

والإخوة كا رامازوف

ومجانين السيدة واو /

هذا بعض مما قالته الشاعرة وفاء وقد قرأ علي أنه إباحية غير معهودة في الشعر العربي.وأعتقد أن فيه كلمات ليست /شعرية /أدبية كما أن فيه كلمات “صريحة ومع ذالك . ليس كله شرا واباحيا وليس كله تافها وساقطا .ففيه لمعات شعرية وومضات أدبية رائعة وكان من الأحسن أن تلمح الشاعرة لما تريد من معاني بدل أن تستعمل هذه الكلمات التي أفقدت المعني الشعري جمالىته وتعقيبا علي تاريخ النهود في الأدب وقبل ذالك أري أن القول بأن الشاعرة فتحت أبواب الشر فيه مبالغة. ليس علي الفقهاء والنقاد المتعودين علي الفتوي الجاهزة أن يطلقوا خيولهم ورماحهم وبنادقهم وصواريخهم علي شاعرة . . كتبت وعبرت .وبين الفصاحة والأحلام ليس غريبا أن يخون البيان .فمهلا هداكم الله جميعا .تعلموا ان تتريثوا فما كل كلمة عليها ران تهوي بصاحبها إلي الجحيم ولوكان الأمر كذالك لكان مصير الخليقة كلها جهنم .فكل ابن آدم خطاؤون .وخير الخطائيين التوابون .تريثوا وتعلموا أن تدعو العالمين بالحكمة والموعظة الحسنة .

ليست وفاء بوعتور أول من تحلق حول النهد ..الشعر العربي في تاريخه الضارب في القدم فيه نماذج لاتحصي .هامت بالنهد.بدءا من امريء القيس إلي يومنا هذا .فهذا عمر بن أبي ربيعة يقول :

وناهدة الثديين قلت لها اتكي

علي الرمل من جبانة لم توسد

وذا عماد الدين الأصبهاني يحقق الإصابة

يصيبك نهد إن سباه ناهد

ولد يك جد إن اباه مزاحه

وذا عبد الجباربن حمديس يصرخ ملتاعا في صمت :

وناهدة لما تنهدت اعرضت

فراحت وقلبي في ترائبها نهد

ويسلك ذري المجد في الهبوط إلي فراديس النهد

فيقول

ومن يطلب المجد ينزل إلي قرا النهد

عن نهد عذراء رود

وذا عبد المعطي يتأمل خرائط جسد معشوقته البضة

تغطي بياض النهد والنهد حانة

عليه خطي الفساق دامية الجس /

والأمثلة لاحصر لها وليست بوعتور أول من نهدت ديوانها فقبلها كان نزار قباني بديوانه طفولة نهد وقبلها كان الشاعر الموريتاني المختار السالم بديوانه هذا هوالنهد الذي اعترفت له .

وفي الأدب الغربي حدث ولاحرج بدءا من هوميروس إلي بودلير في “أزهارالشر و استيفين فيزنشي في “في مديح النساء الأكبرسنا ” والبرتو بيفيلاكوا في /ايروس .ومع ذا وذاك كان علي الشاعرة مراعاة أفق المتلقي وخصوصية الذائقة والنسق الثقافي العربي الإسلامي . أن تأخذ كل ذالك بعين الإعتبار.ذالك أن الكاتب والشاعر كما نفهمه يكتب بالدرجة الأولي لمحيطه وتحكمه رؤية معينة للعالم في ظل المجتمع الذي يعيش فيه وكل مجتمع له خصوصية ثقافية دينية حضارية .ومن الخطأ اعتبار المجتمعات البشرية مجتمعا واحدا .المجتمع المكسيكي يختلف عن العربي والعربي يختلف عن الياباني وهكذا .والكاتب أو الشاعر الراقي هو الذي يعي هذه الأشياء ويجعلها نصب عينيه في كل عمل أدبي .إنه الذي يدرك المسافات ويصقل الكلمات جيدا ويتأملها مليا ويختبرها قبل وعند لحظة الكتابة . طبعا تأتي الحرية في مقدمة صف المطالب .كل كاتب حر في اللغة والشكل والفكر الذي يريد أن يكتب به .إذا لم يسبب ذالك الكوارث .أما اذا كان الأمر فيه اصطدام بالضمير الجمعي .يصبح بالبديهة مطالب بالتنازل وإلا سيخسر كل شيء ومجتمعاتنا العربية الإسلامية مختلفة كل الإختلاف عن المجتمعات الغربية وتحكمها رؤية للعالم مختلفة عن الثقافة الغربية وتصوراتها .وهذا طبعا يخنق صوت الكاتب او الشاعر ويجعل من مقولة الفن للفن كلاما فارغا بلامعني . لكنه واقع يجب الإنصات له

والتعامل معه . ثم إن اللغة عالم شاسع وليست محدودة ومن نعمة الخالق العظيم علي الشاعر أن جعلها كذالك .وفي غاباتهاالكثيفة(الإستعارة)يستطيع الكاتب أوالشاعر أن يصل إلي مايريد بشكل جيد وبأقل تكلفة وبسلام .دون أن يتعرض للمصادرة أو العنف أو التهديد ودون سقوط في براثن الوضوح التي هي في أحيان كثيرة تفسد كل شيء . وتجعل من الروح الجمالية سطحية ومبتذلة والشاعر أو الكاتب الحاذق هو الذي لايفصح عن مكنونات مايريد ويكتفي بالتلميح

3/

وأخيرا لا يسعني إلا أن انوه بمجاز الشاعرة نحو الأرض والهوية وأثمنه عاليا في روايتها /شالوم .التي بحثت عنها ولم أوفق في الحصول عليها وحسب ما قرأت عنها أنها رواية تنتمي لأدب المقاومة .الذي قل هذه الأيام .في ظل ترهل الوعي العربي وتخاذله .وهنا ابارك للكاتبة وأحييها وأشكرها إذ تذكي فينا جذوة النخوة والشرف وأقول لها لك منا كل التقدير .بارك الله دربك ودرب كل شاعر وكاتب يتفجر وعيه الذاتي فيما يكتب ويساهم في رفع روحنا المعنوية المقاومة .بارك الله نصوصا بلسما للذات . بارك الله كتابة نحتاجها دوما لتعيد لنا الأمل الجميل وترتب أولوياتنا وتذكرنا بأنه يجب ألا ننسي جرحنا الكبير فلسطين الحبيبة وأنه علينا أن نظل متمسكين بها وندافع عنها ونكتب عنها حتي تتحقق كل المطالب العادلة لأهلنا الفلسطينين في استرجاع كل أراضيهم وطرد الغزاة الإسرائلين .

كل الأمنيات الخيرات للأخت الكريمة وفاء بوعتور

ومزيدا من العطاء والصبر والكفاح والنجاح

كل عام وانت بالف خير

وفاء بوعتور .

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.