في ذكرى رحيل شاعر العرب الكبير نزار قباني

د. رياض نعسان آغا

كنت قد كتبت هذه الشهادة قبل سنوات، وأعيد اليوم تدوينها ونشرها لأن الحديث عن نزار قباني لا ينتهي. ولأنها ترتبط بفكرة الاهتمام بمقام شاعر وتكريمه وإيلائه ما يليق به .
قبل هذه اللحظة بأعوام بعيدة، لم أكن أعرف بدقة من الذي تجرأ ودعا نزارا لإحياء أمسية شعرية في مكتبة الأسد بدمشق أواخر الثمانينات، لكنني أفهم أن حدثا من هذا النوع لابد له من أن يمر من مكتب رئيس الجمهورية.

كان السوريون يعرفون أن بعض المتنفذين في الحكم في ظل البعث منذ الثامن من مارس 1963 لديهم تصنيفات إدانة جاهزة مثل “برجوازي” سرعان ما يطلقونها على من لا يحبون، ونزار قباني ابن أسرة دمشقية عريقة، وتكفي العراقة والأصالة الدمشقية لجعل بعض الموتورين الحاملين حقداً تاريخيا على المجتمع المتحضر أن يستحضروا مقولات الصراع الطبقي التي هي جوهر المنطلقات النظرية لحزب البعث، وهي التي أسست لنكران دور البرجوازية الوطنية المشرف في مرحلة النضال الوطني للحصول على الاستقلال وقبل وصول البعث إلى السلطة.

كانت هذه النزعة واضحة عند بعض الموتورين وبخاصة أولئك الذين ترأسوا مواقع الإعلام والنشر، وهم لا يملكون مواهب أصيلة، فأرادوا تحطيم الرموز الأدبية والإبداعية التي لا يصلون إلى قاماتها، فانتشرت في الصحافة النقدية الأدبية حملات قاسية ضد نزار قباني وعمر أبي ريشة حتى طالت شاعرا علويا كبيرا هو بدوي الجبل لأنه ينتمي إلى أسرة عريقة.

لم يكن نزار يظهر أي عداء للسلطة في دمشق، ولم يقطع صلته بوطنه، وأحسب أنه زار دمشق مرات دون ضجيج، فأهله في الشام، وإقامته لسنوات في بيروت تجعله دائماً على بوابات دمشق.
ولم أكن أتحفظ في ذكر نزار قباني والإشادة بشعره على شاشة التليفزيون السوري حين أقدم برامجي التليفزيونية عن الشعر والشعراء، وكنت أدرك أن بعض أولي الأمر يتحفظون، ولكنهم لايصرّحون..

ولم يكن نزار قد فعل ما يدفع النظام في سوريا إلى موقف رافض أو معاد له، لكنه لم يفعل ما يجعل النظام يحتفي به، وربما كان استشهاد زوجته بلقيس هو الحدث الذي جعل نزاراً يعبر عن غضب شديد على كل الأنظمة، ويخص الوطن الذي تخاف منه النجوم وتفر منه الطيور، وإن لم تكن هذه الإشارة الشعرية تعني اتهاماً مباشراً يستدعي موقفاً صريحاً من النظام السوري، لكنها كانت كافية لإثارة شعور بالضيق والامتعاض.

يقول نزار في رثاء زوجته التي استشهدت في بيروت بتاريخ 1981/12/15م إثر انفجار حدث في السفارة العراقية.

بلقيسُ :
يا قَمَرِي الذي طَمَرُوهُ ما بين الحجارَةْ..
الآنَ ترتفعُ الستارَةْ..
سَأَقُولُ في التحقيقِ..
إنّي أعرفُ الأسماءَ.. والأشياءَ.. والسُّجَنَاءَ..
والشهداءَ.. والفُقَرَاءَ.. والمُسْتَضْعَفِينْ..
وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي..
ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ..

ليس سراً أن دمشق وبغداد كانتا ضرتين لحزب البعث تختصمان ، ونزار يتقرب من بغداد أواخر الستينيات ويخطب بلقيس الرواي العراقية وينشد قصيدته الرائعة في مهرجان المربد :
(مرحباَ ياعراق، جئت أغنيك
وبعض من الغناء بكاء
أكل الحزن من حشاشة قلبي
والبقايا تقاسمتها النساء )
وحين وقعت النكسة صرخ نزار في وجه الحكام والمسئولين العرب يومذاك، ولم يجرؤ أحد منهم على محاكمته لهول الفاجع، لكنهم خبأوا في قلوبهم حنقاً عليه وهو الذي نعى للأمة ( نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة ) وشكا للوطن تحوله من شاعر حب إلى شاعر سياسة ( يا وطني الحزين، حوّلتَني بلحظةٍ، من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين، لشاعرٍ يكتبُ بالسكين ) فضلاً عن مصارحته للأنظمة بأن سياساتها القمعية هي المسئولة عن هزيمة العرب :
(لو أحدٌ يمنحني الأمانْ..
لو كنتُ أستطيعُ أن أقابلَ السلطانْ
قلتُ لهُ: يا سيّدي السلطانْ
كلابكَ المفترساتُ مزّقت ردائي
ومخبروكَ دائماً ورائي..
عيونهم ورائي..
أنوفهم ورائي..
أقدامهم ورائي..
كالقدرِ المحتومِ، كالقضاءِ
يستجوبونَ زوجتي
ويكتبونَ عندهم..
أسماءَ أصدقائي..
يا حضرةَ السلطانْ
لأنني اقتربتُ من أسواركَ الصمَّاءِ
لأنني.. حاولتُ أن أكشفَ عن حزني.. وعن بلائي
ضُربتُ بالحذاءِ.. أرغمني جندُكَ أن آكُلَ من حذائي
يا سيّدي السلطانْ لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ
لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ
ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟ ).
لقد بقيت هذه القصيدة حية في عقول الناس وفي قلوبهم يرددونها ويحفظونها وتزادد أجهزة القمع حنقاً على نزار.

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.