في خمارة اليسار الدمشقية :

صورة ارشيفية لمنزل دمشقي بالياسمين

في خمارة اليسار الدمشقية :
كتب وائل السواح عن علي الجندي وممدوح عدوان :
……… ………….
في شارع ضيّق يتسلل بخبث من جانب كنيسة اللاتين قرب ساحة النجمة إلى شارع الأرجنتين، كانت تختبئ خمّارة مجدولين. في السابق كانت مطمعاً مهمّاً، وربما ملهى أحياناً، ولكنّ الحال حطّت بها إلى درجة الخمّارة، تقدم عرقاً وبيرة بردى المحلية ونبيذاً رخيصاً، وتردفه – إذا أردتَ – بحمّص ومتبّلات وسلطة وبطاطا مقلية، بل، وأحياناً، بصينية دجاج بالفرن. في هذا المكان المنزوي، كانت شلّة الشاعر البهيّ علي الجندي تلتقي في ظهيرة كلّ يوم تقريباً. ممدوح عدوان كان ركناً أساسياً. ممدوح وعلي كانا صديقين لدودين، يتنافسان في الشعر والخمر والنساء.
لم يعرف علي الجندي مهنة سوى الشعر. كان يكره العمل والمكاتب والدوام وضبّاط الأمن والعسكر. حين كان مديراً للدعاية والأنباء في الستينات، حوّل المديرية إلى لعبة، وكان ذلك آخر عهده في المكتب. طفق بعدها يجوب البلاد والمكتبات والمقاهي والبارات، يكتب الشعر كما يعيش، ويحبّ الناس ببساطة وصدق. كان واحداً من أهم الشعراء السوريين ومَعْلماً بارزاً في المشهد الثقافي السوري في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، ولكنه لم يطق أن يصوّر نفسه كذلك. بدلاً من ذلك آثر حياة تشبه حياة التروبادور. مزيج من بودلير وبايرون وابي العتاهية، مع لمحات من شوبنهاور، من دون أن يكون أياً منهم. كان يقدّر عالياً شيئين اثنين الجسد الإنساني والموت. وبين هذا وذاك كان يتسلل نحو أسئلة الوطن والحرية والحب. سمّى ابنه البكر لهب، في تحدّ لا يستطيع أحد سواه أن يقوم به. لم يَخَفْ في حياته أحداً باستثناء زوجته الثانية القاصّة دلال حاتم، وكان يتباهى بخوفه منها.
أكثر ما كان يكرهه هو الشعر الرديء. كنّا في ظهيرة يوم نيساني ناعس نشرب في أحد مطاعم الربوة، حين كانت في الربوة مطاعم تحفّ بجانبي النهر وتقدّم عرقا ومشويّات. مرّ بنا شاعر له قلب طيّب ودواوين كثيرة من الشعر الرديء.
“علي!! كنت أبحث عنك”. قال الشاعر، وأخرج من حقيبة جلدية عتيقة كان يحملها نسخة من ديوانه الأخير، وأخرج قلماً فكتب على الصفحة الأولى إهداء لعلي. شكره عليّ وطلب إليه أن ينضمّ إلينا، إلا أن الشاعر كان في عجلة ليسلّم النسخ الأخرى التي بحوزته إلى شعراء ونقاد وصحافيين آخرين. ودّعنا ومضى. وعليّ، الودود كحمامة، شيّعه بنظره حتى اختفى، ثمّ رمى بالكتاب في نهر بردى. قال لي: “خ. رجل طيب جداً. ليته فقط يتوقف عن كتابة الشعر”.


سألته مرّة لماذا لا يكتب قصّة حياته. نظر إلي بعينيه المحمرّتين: “لا أملك جرأة هنري ميللر.” ولكن من يفعل في عالمنا العربي؟ من لديه جرأة هنري ميللر، ربما باستثناء محمد شكري في “الخبز الحافي”؟ لو أنني أمتلكها، لكان ما تقرأونه ههنا شيئا مختلفا تماماً.
ممدوح عدوان يشبه علي الجندي في الكثير من النواحي، ولكنه كان يفتقد إلى غلالة الحزن الشفيف التي كانت تحيط بمرح عليّ وصخبه كهالة مقدسة. وبينما لم يكتب علي سوى الشعر، كتب ممدوح الرواية والمسرحية والمقالة. في تلك الفترة، كان ممدوح مسؤول القسم الثقافي في جريدة الثورة، وقد ساعدني كثيراً في نشر قصص ومقالات في صفحته الغنية. إضافة إلى أدبه، سيذكره السوريون كثيراً لشجاعته عام 1980، في اجتماع اتحاد الكتّاب العرب مع قيادة الجبهة الوطنية التقدمية، حين ألقى بكلمة جريئة جداً، قال فيه: “أنا أشتغل في إعلام أخجل منه، إعلام يكذب حتى في النشرة الجوية، ويتستر على التجار والمرتشين وشركائهم”. وأضاف أن السلطة كاذبة وسبب كذبها الخوف من شعبها، وبسبب الخوف تقمع رأي الشعب وحتى سؤاله.
في أحد اللقاءات شبه اليومية بين علي وممدوح، قرأ لنا ممدوح قصيدة جديدة أهداها لعلي، كان مطلعها:
يألَفونَكَ فانْفُر
إلى وطنٍ قد يهاجر فيك
وينسى تغرّبه
ثم تذوي
كأنك شلت الثرى مرضاً
وعلي الذي أسكره مطلع القصيدة، صاح بممدوح، “بتبيعني هالبيت بألف ليرة؟”
كان مبلغ الألف ليرة أكبر مبلغ يمكن لعليّ أن يتصوّره، وحين كان يريد أن يشير إلى ثراء أحد التجار أو المتنفذين، كان يقول: “معه شي ألف ورقة”، مفخّماً كالعادة حرف القاف الحلقية السلمونية الأصيلة. وضحك ممدوح بفجور. “فشرت!” قال له.
وفي لقاء آخر، كان علي يعبّر عن خوفه من الشيخوخة، فقهقه ممدوح بصوته العميق، وقال: “متْ الآن وسأكتب عنك قصيدة”، فرد علي بسرعة، “بل مت أنت وسأكتب عنك ديواناً”. وفي أي حال مات الرجلان. رحل ممدوح باكراً جداً، اختطفه منا سرطان خبيث قبيح، وكان لديه الكثير من الشعر والضحك والمسرح والكتابة والشجاعة ليقدّمها لنا، ولكنه، سُحِب منا بقسوة، من دون أن يتمكن من أن يجعل من الشعر مزاحاً مستحبّاً، كما عبر محمود درويش حين رثاه.
علي انتظر الموت طويلاً. حين خرجت من السجن، عرفت أنه ترك دمشق وسافر إلى اللاذقية بصحبة زوجته الثالثة، التي كانت ممرضته أكثر منها زوجته، وقد منع عنه الأطباء العرق والتدخين والنساء. أي عليٍّ سيكون إذاً من دون هذه الأشياء الثلاثة؟ التقيته في دمشق مصادفة، في بهو أحد فنادق البحصة الرخيصة. اقتربت منه باشاً ضاحكاً، عانقته وقبلته، وعانقني بلطف ووهن، ولكن كان جليّاً أنه لم يتذكر وقتها ذلك الولدَ الذي كان يجالسه في مجدولين أو الربوة أو الإيتوال، أو يزوره وزوجته دلال حاتم في شقتهما الأنيقة النظيفة في دمشق. وحتّى حين ذكرت اسمي، لم يعنِ ذلك له الكثير. ودعّته، مضيت، وفي عينيّ دمعات سرعان ما انهمرت…..

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.