في الشخصية المحمدية – الجزء الثاني مع أستطراد لمذبحة يهود بني قريضة

أستهلال :
في هذه السلسلة من المقالات ، سأتكلم عن بعض المؤشرات في الشخصية المحمدية ، وسأستعرض ذلك من خلال بعض الوقائع والأحداث ، والموضوع الأخر في هذه السلسلة هو ” مذبحة يهود بني قريضة ” ، وسوف لن أسترسل في كل روايات وأحاديث هذا الواقعة ، بل سأقتصر على بعض منها ، لأنه ليس موضوعنا الأساس ، وهدفي في هذه المقالات هو بيان النهج العقلي لشخصية الرسول في التعامل مع تفاصيل هذه الواقعة ..
.
النص :
الروايات الأسلامية تبين أن سبب هذه الواقعة / المذبحة ، هو نقض يهود بني قريضة للعهد الذي وافقوا عليه مع الرسول ، وتسرد أحدى المواقع التالي (( أن النبي بمجرد قدومه المدينة عقد مع اليهود الموجودين بها معاهدة ، التي كان من أهم بنودها : التزام كل من المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر في الداخل . وتعهد الطرفين بالدفاع المشترك عن المدينة ضد أي اعتداء خارجي ، وعلى اليهود أن يتفقوا مع المؤمنين ما داموا محاربين . وقد حدث في العام الخامس من الهجرة أن تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة ، وأحاطت جيوش الأحزاب بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل من مشركي قريش وقبائل غطفان وأشجع وأسد وفزارة وبني سليم ، على حين لم يزد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل . وكان المتوقع أن ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات الزاحفة على المدينة بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين الفريقين ، لكن الذي حدث هو عكس هذا ! فلم تكتفِ بنو قريظة بمجرد السلبية ، ولكن فوجئ المسلمون بهم يخونونهم ، وبمجرد أن سمع رسول أرسل وفدًا مكونًا من سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، وعبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير ؛ ليذكِّروا القوم بما بينهم وبين المسلمين من عهود ، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، وقالوا عن الرسول : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبينه !! وهكذا ركب القوم رؤوسهم ، وقرروا الانضمام للغزاة ، وأخذوا يمدونهم بالمال والعتاد . وقد تدخلت عناية الله لنصرة الإيمان وأهله ، وشاء الله أن يندحر ذلك التحالف الوثني اليهودي { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ / الأحزاب 25 } . وبعدها مباشرة جاء الوحيُ للرسولَ يأمره بأن ينهض إلى بني قريظة ؛ فسار إليها وحاصرهم والمسلمون شهرًا أو خمسة وعشرين يومًا.. ولمـا طال عليهم الحصار عرضوا على الرسول أن يتركهم ليخرجوا إلى أذرعات بالشام تاركين وراءهم ما يملكون ، ورفض الرسول إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط ، وبالفعل استسلم يهود بني قريظة ، فوكل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ أحد رؤساء الأوس . وكان سعد حليف بني قريظة في الجاهلية ، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار ، وظنوا أن الرجل قد يحسن إليهم في حكمه ، لكن سعدًا نظر إلى الموقف من جميع جوانبه ، .. وقال : ” لقد آنَ لسعدٍ ألا تأخذه في الله لومة لائم ” ، ثم بعد أن أخذ المواثيق على الطرفين أن يرضى كل منهما بحكمه ، أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح ففعلوا ، ثم قال : ” إني أحكم أن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبَى ذريتُهم وأموالهم ” ، فقال الرسول : ” حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ “!! فقتل رجالهم ، وسبي نساءهم وذراريهم ، ومَن لم يُنبِتْ من أولادهم .. / نقل بتصرف من موقع قصة الأسلام )) .

القراءة :
1 . هناك في كل يقين شك يقود الى الحقيقة ! ، وبنفس الوقت هناك شك يؤدي الى اليقين ! ، بداية هل كان هناك حقا وثيقة بين الرسول ويهود بني قريظة ! ، هذا هو السؤال الأهم الذي جعل من عقلية الشخصية المحمدية أن تلجأ الى التحكيم فالتصفية الجسدية لبني قريظة ! ، أولا : بعض المصادر تشير الى وجود وثيقة بين الرسول وقبائل اليهود ، التي كانت تُساكنه المدينة في أعقاب هجرته ، وقد اختلف العلماء والمؤرخون على هذه الوثيقة ومدى صحَّتها ؛ فقد أثبتها البعض ك ” الشيخ محمد الصادق عرجون في كتابه ( محمد رسول الله ) ، والدكتور محمد حميد الله في كتابه ( مجموعة الوثائق السياسية ) ” ، ولكن قد ” نفاها البعض الاخر ” ، ومن نصوص هذه الوثيقة ما يلي : ( إن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ، وإن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ‏، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏ .. ) ، ثانيا : الأمر المهم ، هو النص الأتي ” ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع أن هذه الوثيقة لم تذكر يهود بني قينقاع ولا يهود بني النضير ولا يهود بني قريظة ” / اعتمدت على عدة مواقع في سرد النقطة الأولى منها – أسلام ويب ، طريق الأسلام ونداء الأيمان . ثالثا : أذن يهود بني قريظة ليسوا من الموقعين على الوثيقة لأجله لم يلتزموا بها ! ، رابعا – أرى ان حتى الشك في عدم ورود أسم يهود بني قريظة في الوثيقة الموقعة مع الرسول ينفي أمر الوثيقة وينسف ألتزام الأطراف بها ، خامسا : قال اليهود ” من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبينه ” ، فلو كان هناك وثيقة موقعة بين الطرفين لكشف عنها المسلمين .

2 . مصادر اخرى تبين ، أن العقلية المحمدية يأست من الوضع ، وأنهكها التعب من حفر الخندق لمقابلة الأحزاب ، الذي ساعدت اليهود في أنجازه ، فعقد العزم على الأجهاز عليهم ! ، يقول برهان الدين الحلبي / في السيرة الحلبية : ( ودأب المسلمون يبادرون قدوم العدو . قال : واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرارين ومكاتل .. فهاهم بنو قريظة يساعدون محمد ويعطونه المعدات اللازمة لحفر الخندق .. ) ، الى أن يبين السبب النفسي / الباطني ، في العقلية المحمدية ، لأتخاذ قرار التصفية ( ولما رأى الرسول ما بأصحابه من النصب والجوع قال متمثلا بقول ابن رواحة : اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ** فارحم الأنصار والمهاجره ) ، وفي الموقع التالي يعطي الخلاصة لسبب المذبحة
117n.blogspot.com
( وأرى أن ما جعل فكرة الاغارة على بني قريظة تراود محمد خصوصا ، وذلك لأن اليهود كانو نشطاء ويعملون في التجارة والزراعة وغيرها ولديهم الكثير من الاموال وكذالك النساء الجميلات وهذا ما يبحث عنه محمد وهو السبب الحقيقي لتلك المذبحة ) .

3 . هناك بعض الاحاديث التي تشير الى واقعة مقتل بنو قريظة ، ولكنها تبين عكس المتداول في سرد الحدث ، حيث تبين أن أمر الاجهاز على اليهود كان غير مخططا له بعد واقعة الخندق ، فقد جاء في صحيح البخاري رقم الحديث 3813 ، أنقله بتصرف 🙁 حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى .. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ .. فَلَمَّا رَجَعَ الرَسُولُ مِنْ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبَارِ فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ فَأَيْنَ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَتَاهُمْ الرَسُولُ .. فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ .. ) ، من النص السابق نتبين أن الرسول كان يجهل من سيحارب بعد غزوة الخندق ، لذا قال لجبرائيل ” فَأَيْنَ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ” ، ولو كان الرسول متيقن من خيانة بنو قريظة لما أستفسر من جبريل ” فأين ” !! .

4 . أن الشخصية المحمدية نهجت نهجا فكريا وقبليا ومجتمعيا ، به الكثير من الدهاء والتحسب والكسب !! ، وذلك بمنح التحكيم بقتل بنو قريظة الى سعد بن معاذ ، وأرى أن هذه العملية هي عملية متقنة ومدروسة من قبل الرسول ، فسعد بن معاذ أولا : هو حليف اليهود ، لذا لا خلاف عليه ، وثانيا : أبعدت عن الرسول أي ثأر يهودي مستقبلي ، ثالثا : أنهاء قوة بني قريظة بقتل الرجال ( 600 – 900 رجل / الروايات غير متفق عليها ) ، رابعا : التمتع في سبى النساء والذرية ، خامسا : الفائدة المالية من تصفية بني قريظة ، وهي نهب الأموال والأملاك .

5 . بعد حكم سعد بن معاذ على يهود بنو قريظة / المشار اليه في النقطة 4 أنفا ، قال الرسول : ” حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ” ، وأرى التالي في رد فعل الرسول على حكم سعد بن معاذ ، أولا – من المؤكد أن الحكم كان متفقا عليه بين سعد والرسول ، وذلك لأنها عملية تصفية جسدية عرقية لبني قريظة ، وأن بن معاذ من صحابة الرسول ، وقد أتى للتحكيم وكان جريحا في غزوة الخندق ! فأكيد أن الأمر كان مدبرا ، ثانيا – أرى هنا أن العقلية المحمدية شطحت بالقول بأن الحكم كان ألهيا / أي متفق مع حكم الله ، وأرى أن هذا القول ليس عقلانيا البتة ، فهل يعقل أن يكون الله جزارا الى هذا الحد في تصفية رجال قوم بالكامل ! ليكون حكمه متفقا مع حكم سعد ، ثالثا – وهل الرسول كان عليما بما يدور في خلد الله من أفكار ومن أحكام !! ، ليقول لسعد ” .. بحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ” !! .

6 . أن العقلية المحمدية بعد معركة الخندق خططت على تصفية المنطقة حتى من الأعداء المحتملين ، كما هو العمل مع الأحزاب ، وأن تصفية بني قريظة ليسوا الهدف الوحيد في هذه التصفية ، بل كان غيرهم من قبائل اليهود ، وتقول المصادر ، أن ” الرسول واصل حروبه ضدّ اليهود واستطاع الانتصار عليهم في غزوة بني قُريظة ، وفي معركة خيبر ، وفي فدك وفي يهود وادي القرى وتيماء / نقل من شبكة المعارف الأسلامية ” .

أضاءة :
أن الشخصية المحمدية كالنص القرآني تتطور ، تتغير ، تختلف وتخالف ، تتناسب و تتماشى مع الظروف المجتعية والزمانية والمكانية ! ، وهناك توجيه مباشر نصي للرسول بذلك ، يتمحور الرسول شخصبا وفقها ، أثرت على عقلية هذه الشخصية ، فمثلا هناك أيات تؤكد على الأعتراف الكامل بباقي الكتب السماوية ، ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ / سورة آل عمران 3 ) ، ثم يأتي نص به تفضيل فئة على أخرى ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ / سورة المائدة 83 ) ، ومن ثم تلك الفئة / المسيحية ، التي فضلت على اليهود تكفر في نص لاحق ( لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ / سورة المائدة 73 ) ، ثم ينهي النص القرأني الأمر ، ويجعل من الدين الأسلامي هو الواجب الأتباع ، ملغيا كل ما تقدم وما تأخر عقائديا من أديان ، كما جاء بالنص التالي ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ / سورة آل عمران 19 ) .. أرى أن الشخصية المحمدية تتحرك ضمن محور النص القرآني تتغير معه سلبا وأيجابا تجاه الأخرين ، هذا من جهة ، وتتحرك وفق المصالح السياسية والسلطوية من جهة ثانية ، وهذا الذي يجعل منها شخصية غير متوقعة كرد فعل لأي فعل نحوها ، فهي غير متوازنة وغير مستقرة تحكمها وتؤثر بها سير الأحداث والوقائع وفق تبدل الظروف الزمانية والمكانية ضمن الحراك القبلي !! .

About يوسف يوسف

يوسف يوسف كاتب و باحث
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.