في السودان..النخاس العثماني يحرق القرى ويبيع أهلها

ظن أهل السودان أن العثمانيين جاءوا لنجدتهم من الخطر البرتغالي الذي أضعف اقتصاد البلاد، بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وتراجع أهمية الموانئ السودانية على البحر الأحمر فى التجارة الدولية، إلا أن الأتراك كانوا أشد إجراما، ففرضوا عليهم الضرائب الباهظة، وسلبوا الممتلكات، وأحرقوا قرى كاملة، وحولوا الموانئ إلى ثكنات عسكرية، ، وحين قضوا على كل شيء تحولوا إلى نخاسين يببعون الأطفال والنساء والرجال، الذين وصفوهم استهزاء بـ “البرابرة” في أسواق العبيد.

عقب سقوط مصر عام 1517 في قبضة الاحتلال العثماني، خضعت الدول التابعة لحكم المماليك إلى إسطنبول ومن بينها شواطئ السودان الشرقي التي تضم موانئ استراتيجية مهمة مثل سواكن، وأخرى تقع في دول شرق إفريقيا مثل مصوع في إريتريا، وزيلع في الصومال.

سعى المماليك إلى صد الخطر بتدمير الملاحة في رأس الرجاء الصالح، على أمل أن تعود التجارة لمصر، واتبع العثمانيون الاستراتيجية نفسها في البحر الأحمر بإرسال حملاتهم والتي كان من نتيجتها احتلال اليمن، وتدمير عدن، ما جعل الهند ترفض مساعدة العثمانيين، وتفضل التعاون مع البرتغاليين.
احتل الأتراك ميناءي مصوع وسواكن عامي 1557و 1578، الأمر الذي سمح لقوات إسطنبول بالتوغل في أراضي الحبشة للسيطرة عليها، لكنها واجهت مقاومة عنيفة أدت إلى هزيمتها ومقتل قائدها أزدمر باشا.

الانتصار على الأتراك أغرى ملك الحبشة بشن هجوم على سواكن وحرقيقو عام 1589، استطاع من خلاله حصار الحامية التركية وقتل داوود باشا، فطلب الأتراك الصلح مقابل ضرائب وتقديم هدايا إلى ملك الحبشة.
أنشأ العثمانيون إمارة إيالة الحبشة والتي ضمت ساحل شرق إفريقيا حتى الصومال، واتخذت اسمها لمجاورتها مملكة الحبشة، بينما لم تقتطع أي أرض خاضعة للمملكة، وبسبب تعطيل العثمانيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر، فضلا عن تمكن البرتغاليين والأسبان من نقل خطوط التجارة بين الشرق الأقصى وأوروبا إلى طريق رأس الرجاء الصالح، فقدت موانئ شرق إفريقيا قوتها الاقتصادية، وخاب أمل أمراء شرق السودان في العثمانيين، الذين قضوا على اقتصادهم القائم على التصدير.

وقف الزحف العثماني على حدود إبريم
لم تتوقف أطماع العثمانيين في السودان والسيطرة على خيراتها، أرسل الأتراك حملة برية لاحتلال أراضي البلاد عام 1566 دخلت شمال السودان عبر أسوان المصرية تصدى لها الشعب السوداني في منطقة إبريم وصاي بقيادة ملوك العبدلاب الذين أوقعوا هزيمة كبيرة بالعثمانيين.

أنشأ العثمانيون ولاية في شمال السودان تمتد من أسوان حتى إبريم بين الشلالين الثاني والثالث، أطلقوا عليها بربرستان أي أرض البرابرة، ما يفسر النظرة الدونية التي كان يتعامل بها العثمانيون مع السودانيين، فيما تمركزت حامية عثمانية على حدود إبريم.
حاول الأتراك التوغل من جديد في السودان بحملة أخرى عام 1622، لكنها واجهت المصير نفسه لسابقتها بسبب المقاومة السودانية في حنيق إضافة إلى تمرد الجنود الأتراك على قادتهم.

في شمال السودان حرم الأتراك السكان من المشاركة في إدارة شؤون بلادهم، ومنحوا حكم الإيالة لموظف تركي لقب بالكاشف وجعلوه وراثيا في عائلته، إلا أنهم استمروا في معاداة القبائل السودانية خاصة مملكة الفونج السودانية، التي كان لها دور كبير في نشر الإسلام بإفريقيا، ليلقى الآلاف من أبنائهم مصرعهم أثناء الغزو العثماني لبلادهم.

حرق القرى وتجارة الرقيق
تولت الدولة العثمانية إدارة الجمارك، وجباية الضرائب دون تقديم أية خدمات، واستغلت الخلاف بين الحكام المحليين للسيطرة على البلاد، ولكنها لم تنجح في بسط نفوذها، فقد رفضت الأسرة الحاكمة في مصوع عام 1844 قبول حاكم محلي مدعوما من العثمانيين، ما جعل الأتراك يرسلون حملة عسكرية لتأديبهم، نهبوا خلالها الممتلكات وهدموا البيوت، فنظم الأهالي حركات مقاومة ضد القمع استطاعت أن تلحق بالعثمانيين الهزيمة وتجبرهم على التصالح.

دفع الأتراك تعويضات للأهالي بعد هزيمتهم، وتعهدوا بعدم التدخل في شؤون الحكم المحلي، وإيقاف الاتصالات السرية مع عدو السودانيين حاكم تيغراي في إثيوبيا، وبسبب دسائس الأتراك تجدد الخلاف في إيالة الحبشة عام 1846، فنفذ الباشا التركي إعدامات دون محاكمة لعدد من رجال القبائل.

ردا على التعسف تمردت قرى الإيالة، وواجه العثمانيون الثورة بحرق قرى بأكملها كما حدث في حرقيقو، وعززت القوات التركية وجودها العسكري بـ 500 جندي في المنطقة، وطلب الباشا من النائب حسن ، الحاكم المحلي لمصوع وشيوخ من حرقيقو زيارته بحجة التفاوض، وبمجرد وصولهم ألقى القبض عليهم، وأمر قواته بتخريب منازلهم ليقضي بذلك على استقلال المنطقة الذاتي.

خراب اقتصادي
كان اقتصاد السودان يعتمد على تجميع السلع من نواحي البلاد، وشحنها إلى موانئ سواكن ومصوع وغيرها من أجل تصديرها إلى الهند وبلاد العرب وأوروبا، إلا أن الضرائب الباهظة، والفساد الإداري العثماني أدى إلى تخريب التجارة.

سجل الرحالة الأسكتلندي جيمس بروس – مكتشف منابع النيل – أوضاع شرق السودان خلال زيارته لها بقوله: كسدت التجارة وانتشرت الأمراض في المنطقة وعانت البلاد من فقر شديد، وضرب الطاعون المنطقة، ولم يكن لدى الأتراك أية نظم صحية لمساعدة السكان ، فتركوهم يلقون حتفهم.
في مصوع وسواكن خضعت قبائل الحباب في شرق السودان للسيطرة التركية منذ أواسط القرن السادس عشر حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فرض خلالها الأتراك ضرائب باهظة شملت الأرض والبهائم والتجارة.

لم يهتم العثمانيون بسواكن وأحوالها التجارية والعمرانية، حولوا مصوع وزیلع إلى قواعد حربية تخدم جيوشهم الذاهبة للقتال أو العائدة من الميدان دون أن تستفيد البلاد من حكمهم، وتحت إشراف العثمانيين انتعشت تجارة الرق في إفريقيا، حيث قام الأتراك بتصدير العبيد تحت إشراف طرابلس في ليبيا، وروسيا، وهي التجارة التي لم تنته إلا على يد إسماعيل باشا عام 1865.

تحرير السودان
نظر العثمانيون إلى الداخل السوداني على اعتبار أنه منبع للمواد الخام ومورد للعبيد، فتفننوا في عمليات السلب والنهب واستعباد البشر، وهو الواقع الذي لم يتغير إلا بعد أن فتح محمد علي باشا الإقليم الشرقي للسودان ودمجه في كيان واحد عرف باسم إقليم السودان بين عامي 1820 و1822، وبنى إبراهيم باشا – ابن محمد علي – مدينة الخرطوم لتكون مركزا لإدارة البلاد.

في ظل حكمهم لسواحل السودان سمح العثمانيون للأجانب بالتدخل في شؤون البلاد تحت مظلة سياسة الامتيازات، ما دفع إسماعيل باشا خديوي مصر إلى مطالبة السلطنة إلحاق السودان بمصر بسبب أهميتها الملاحية لقناة السويس.
وجد العثمانيون أن الخيار الأفضل هو نقل إدارة البلاد لمصر مقابل مبلغ مالي تم تقديره بـ 17 ألف جنيه ذهب، ما يعادل أضعاف ما كانوا يجمعونه من ضرائب، وبهذا حصلت مدن وموانئ شرق السودان وإفريقيا على استقلالها عن عام 1865.

ألغى إبراهيم باشا تجارة الرقيق، وأدخل إصلاحات عديدة إلى المنطقة، مد الطرق والجسور وأقام المساجد ومطاحن الغلال وطور الموانئ ونشر الأمن، وعمل على تنمية التجارة والزراعة، وأوصل البلاد بخدمات البريد والتلغراف وغيرها، ما أدى إلى إنعاش المنطقة التي ظلت تحت الحكم المصري حتى عام 1882 حين احتلتها إيطاليا، بعد أن تقاسمت الدول الاستعمارية البلاد.

المصدر : عثمانلي

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.