في الاتجاه المعاكس.. للقيم!

سناء العاجي
29 أبريل 2021
من مظاهرة سابقة في العاصمة الأردنية احتجاجا على تعنيف النساء ودفاعا عن حقوق المرأة.
من مظاهرة سابقة في العاصمة الأردنية احتجاجا على تعنيف النساء ودفاعا عن حقوق المرأة.
بلّغ الجار الشرطة، لأن جاره في الطابق الخامس يستقبل صديقته في رمضان.. حضرت الشرطة وألقت القبض على الشابين بانتظار الحكم عليهما.

لكن جارة ثالثة لهما، تقيم في العمارة نفسها، تصرخ يوميا بسبب الضرب الذي تتعرض له من طرف زوجها. ومع ذلك، فالجار الأول لا ينزعج ولا يبلغ الشرطة. كما لا يفعل باقي الجيران…

انزعج مواطن من رؤية مواطن آخر يأكل قطعة فاكهة خلال نهار رمضان، واعتبر أنه لا يحترم مشاعر الصائمين… رغم أن الشخص الذي أكل الفاكهة مصاب بداء السكري، وهو بالتالي يحتاج لتناول بعض الطعام حتى لا يعرض حياته للخطر (للإشارة، فعدد المصابين بداء السكري في المغرب يتجاوز الـ 4 ملايين شخص، بنسبة 12٫5 بالمائة من المواطنين، ممن يشكل صيامهم خطرا على حياتهم).

لكن المواطن الذي انزعج من رؤية المريض وهو يأكل الفاكهة، لم ينزعج من وجود شخص مشرد يعيش في نفس الشارع الذي يعيش به، ويقتات من الفضلات. ولا من كون نادل المقهى الذي كان يتناول فيه قهوته، يعيش عطالة إجبارية بسبب الإقفال الحالي للمقاهي والمطاعم للتخفيف من انتشار فيروس كورونا.. وبالتالي لا يجد ما يطعم به أسرته الصغيرة! أن تأكل خلال رمضان لأنك مريض أو لأنك لا تريد الصيام يزعج الآخرين أكثر من وجود مئات الأشخاص ممن لا يأكلون… لأنهم لا يتوفرون على قوت يومهم!

هؤلاء المواطنون أنفسهم لا ينزعجون من مدير مصنع يحرم عماله من الانخراط في الضمان الاجتماعي، ولا من سيدة تهضم حقوق عاملة النظافة في بيتها ولا من جيران يحتقرون حارس العمارة لأنه “مجرد حارس عمارة”..، لكنهم ينزعجون من جار أو زميل أو مجرد شخص عادي لا يصوم أو يربط علاقة عاطفية لا يؤطرها الزواج.

مواطن آخر انزعج بسبب ارتداء زميلته لتنورة قصيرة في رمضان. لكنه لم ينزعج من كون زميلة أخرى لم تحصل على ترقية تستحقها رغم كفاءتها وجديتها في العمل؛ فقط بسبب كونها تزوجت حديثا وأن المدير اعتبر أنها قد تحبل قريبا وتستفيد من إجازة الوضع؛ وبالتالي فيفضل أن يحصل رجل على المنصب الجديد، ليس بالضرورة لأنه أكثر كفاءة بل فقط لأنه، حين تضع زوجته، لا يكون مضطرا لأخذ إجازة مطولة ولا لمتابعة الطفل واحتياجاته (زيارات الطبيب المتكررة في الشهور الأولى، السهر..).

مَدْرسة علقت لائحة على بابها الرئيسي تطلب فيها من التلميذات عدم ارتداء السراويل الضيقة خلال رمضان لكي لا يتسببوا في إفطار زملائهم.. لأن مدير المدرسة يؤمن، هو نفسه، بأن جسد المرأة عورة وأن التحرش مشروع مادامت النساء لا ترتدين الحجاب وأن التحرش بأي فتاة تلبس سروالا ضيقا أو تنورة قصيرة هو بسببها وبسبب ملابسها.

مواطنون احتجوا على مواقع التواصل بسبب فيلم أو مسلسل “جريء” شاهدوا فيه قبلة أو حضنا.. وهذه أمور لا تستحب مشاهدتها مع العائلة. لكن لا أحد احتج على مشاهد العنف ضد النساء ومشاهد التحقير ومشاهد العنصرية ومشاهد تزويج القاصرات والتزويج بالإكراه.. هذه مشاهد لا تخدش قيم الأسرة. وحده الحب يخدشها (حتى لو كان بين زوجين في الفيلم أو المسلسل)!

حكايات كهذه قد نروي منها العشرات. ستختلف التفاصيل من شخص لآخر، من مدينة لأخرى ومن بلد لآخر.. لكنها جميعها تشترك في بؤس واحد: كثيرون في مجتمعنا يركزون طاقاتهم لمراقبة الآخرين وملابسهم وتدينهم وأجسادهم وصيامهم وصلاتهم.. لكنهم لا ينزعجون من مشاهد الظلم في الواقع.. وفي الدراما.

سلم القيم عندنا تعرض لهزات عنيفة قلبت موازينه. وهذا في الحقيقة ما يفترض أن يزعجنا.. بل وأن يخيفنا!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.