في الإعدام وما جاوره!

سناء العاجي

لا يمكنك أن تكون إسلاميا، لنكتشف أنك تمارس الجنس مع عشيقتك في السر أو تسرق حقوق الغير حين يتاح لك ذلك دون علم الآخرين.
كما لا يمكنكِ أن تكوني نسوية وتحتقري عاملة النظافة لمجردة أنها… عاملة نظافة؛ فحقوق النساء لم توجد للمتعلمات فقط!
في نفس الإطار، لا يمكنك أن تكون حقوقيا وتناقض القيم التي يفترض أنك تدافع عنها، كلما أزعجك موضوع أو شخص ما.
أستوعب بصعوبة أنه، أمام حالات الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي على أطفال، أقرأ تعليقات لبعض الأشخاص المنتمين لأطياف اليسار أو للتيار الحقوقي، وهم يطالبون بالإعدام في حق الجاني.
إلغاء عقوبة الإعدام اليوم هو من المطالب الحقوقية الكونية… لا يمكنك أن تؤمن بحقوق الإنسان، وتطالب في نفس الوقت بسلب الحق الأول للإنسان، وهو الحق في الحياة.
إضافة لما سبق، لا يمكنك أن تكون حقوقيا وتتمنى لمغتصب… أن يتعرض للاغتصاب لكي يفهم بشاعة الأمر!
أولا، لم تثبت أي تجربة عالمية أن إعدام المجرمين يخفف من نسب الجريمة في ذلك المجتمع؛ ولا أن الإعدام يكون رادعا للمجرم قبل ارتكاب جريمته. هذا دون الحديث عن مكافحة الإرهاب. هل نتخيل مثلا أن الإرهابي الذي قرر أن يفجر نفسه وسط مجموعة من الأشخاص، سيتراجع عن قراره خوفا من الإعدام؟
في نفس الوقت، وبالأرقام والإحصائيات، الدول التي ألغت عقوبة الإعدام لا تعرف نسب إجرام أعلى من الدول التي تطبق عقوبة الإعدام!
هذا لا يعني الإفلات من العقاب بالطبع، فهناك أشكال مختلفة من العقاب للمجرمين، حسب طبيعة جريمتهم وحجم الأذى الذي تسببوا فيه للآخرين. لكن الإعدام يبقى أبشعها… وأقلها تأثيرا في تغيير سلوك المجرم (إذ يصعب، عمليا، تغيير سلوكه بعد الإعدام!) أو في التأثير الإيجابي على غيره من المواطنين.
هذا دون أن ننسى أنه، في حالة الخطأ القضائي (وهو أمر وارد جدا قد يصل لعشرة بالمئة في بعض البلدان)، فليس هناك أية إمكانية للتراجع وتصحيح الخطأ… بعد تنفيذ حكم الإعدام!
ثم، هل يمكننا أن نؤسس العدالة على… فكرة الانتقام؟ ألا تتحول العدالة نفسها إلى “قاتل” باسم إحقاق الحق؟ هل قتل القاتل هو استرجاع لحق القتيل أو عائلته مثلا؟ تحضرني هنا قولة لغاندي صرح فيها بما مضمونه أن سياسة العين بالعين لا يمكن أن تنتج لنا إلا مجتمعَ عميان!
إضافة لما سبق، لا يمكنك أن تكون حقوقيا وتتمنى لمغتصب… أن يتعرض للاغتصاب لكي يفهم بشاعة الأمر!
إلغاء عقوبة الإعدام اليوم هو من المطالب الحقوقية الكونية… لا يمكنك أن تؤمن بحقوق الإنسان، وتطالب في نفس الوقت بسلب الحق الأول للإنسان، وهو الحق في الحياة
الاغتصاب تجربة إنسانية بشعة يفترض أن نتضامن مع ضحاياها سواء كانوا رجالا أو نساء، من التيار الفكري / الأيديولوجي الذي ننتمي له أو من أي تيار آخر، أصدقاء أو غرباء أو حتى خصوما…
ولأنها تجربة إنسانية بشعة، فلا يمكننا أن نتمناها حتى لخصومنا… حتى لمغتصب أو لشخص يبرر الاغتصاب!
لحظات ضعفنا الإنساني قد تكون مفهومة. جميعنا، في لحظة غضب، قد يصدر عنا سلوك أو جملة أو موقف “لا يشبهنا” كما يقول صديق عزيز. سلوك أو جملة أو موقف لا يشبه القيم التي ندافع عنها. لكن قوتنا وقوة تصالحنا مع ذاتنا ومع مواقفنا ومع الشعارات التي ندافع عنها (حتى لا تكون مجرد شعارات) تكمن أساسا في قدرتنا في نقد الذات ومراجعة المواقف والسلوكيات التي قد تصدر في لحظة هشاشة أو غضب إنساني…
القيم التي ندافع عنها لا تكتسي رمزيتها الحقيقية إلا حين تتلاءم مع سلوكياتنا اليومية ومواقفنا اتجاه مختلف القضايا… لأن الشعارات سهلة جدا نستطيع جميعنا أن نكتبها على مواقع التواصل أو في جلسات الأنس بين الأصدقاء!
لكن الأصل في الحكاية برمتها… أن “نشبه شعاراتنا”. أن نشبه خطاباتنا. أن تتناسق سلوكياتنا ومواقفنا اليومية، مع ما يفترض أننا ندافع عنه بصدق!

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.