فيلم “مسافة ميل بحذائي”

الناقد السينمائي السوري اسامة حبيب

ينتقد فيلم “مسافة ميل بحذائي” إنتاج عام 2015 تأليف وإخراج “سعيد خلاف” ،أوضاع الأطفال المشردين في أزقة الدار البيضاء، والتي تحولهم ظروفهم الاجتماعية والمعيشية إلى قنابل موقوتة قد تنفجر بأي وقت أمام أي شخص كان.
سعيد “أمين الناجي” أحد الشبان الفقراء الذين يعيشون في ضواحي الدار البيضاء عند السيدة راوية “فاطمة هراندي” ، وهو ضحية طفولة كارثية صبغت حياته بالاسى والقهر، يموت أباه مبكرا فتتزوج والدته “زهرة نجوم” من رجل متملق “عبد الإله عاجل” يمارس شتى أنواع الاضطهاد والظلم بحقه وحق والدته، بل ويغتصب أخته العذراء بكل برود أعصاب، فيضطر سعيد المراهق إلى ذبحه فتتهم والدته بالجريمة وتسجن بسببها حتى وفاتها في السجن.
يقع سعيد ضحية عصابة النمرود التي تعتدي عليه وتبتزه باستمرار للانضمام إلى صفوفها، فيهرب إلى حضن أحد أصحاب المهن “عبدالله شكيري” محاولا تعلم مهنة يعتاش منها، لكنه يفاجأ بمحاولة معلمه الشاذ لاستغلاله جنسيا، ويرمى إلى إصلاحية بعد محاولة الدفاع عن نفسه، وهناك تتكرس لديه عادات البلطجة والغزو بسبب فساد وسقوط الإصلاحيات التي تحولت إلى دور تخريب للأطفال بدل إصلاحهم.
يخرج سعيد شابا من الإصلاحية ويؤلف مع أصدقائه “محمد حميمصة” و”رضا العلوي” عصابة صغيرة لسرقة جيوب الناس بدون ايذائهم، ويغرم بجارته الفاتنة “سناء بحاج ” التي تحمل منه بعد علاقة حميمة.
يسير الفيلم وفق أربعة محاور زمنية بدون اضطراب أو تشوش، الأول هو التحقيق مع سعيد من قبل المفتشة “نفيسة بنشهيدة” التي تحنو عليه بعد ملامسة حياته البائسة، والثاني هو طفولته المضطربة التي تعرض بمشاهد مسرحية مبتكرة، والثالث هو حياته كبالغ ومحاولته الخروج من مستنقع الخطايا، أما الرابع فهو يخص العائلة المنكوبة المكونة من الزوج “محمد عياد” والزوجة “مريم باكوش “التي تعرضت لاعتداء من عصابة سعيد هز أركانها وهدد ثباتها.
الفيلم أيضا يقف إلى جانب تحرر وتقدم المرأة وكسر قيود العادات البالية التي تكبلها ،فنجد الزوج يلثم أوجاع زوجته المغتصبة، ونجد سعيد يعترف بابنه نتيجة علاقة خارج إطار الزواج.


على صعيد الأداء، يتميز أمين الناجي الذي قدم أداء لامعا، مع إخراج رائع وضعنا وسط الأزقة الضيقة، والحوار مترابط ينتقل بنا من زمن لآخر بكل رشاقة وموضوعية.
المخرج في النهاية يحاكم المجتمع وينسب إليه مسؤولية ضياع المستقبل الوليد ضمن أزقة التشرد والاجرام ،وما سعيد وأمثاله إلا نتائج لمجتمع غير منضبط أو منظم.
والفيلم “مسافة ميل بحذائي” من كلاسيكيات وروائع السينما المغربية والعربية.

About أسامة حبيب

أسامة حبيب تاريخ الميلاد :27/7/1982 إجازة في بناء السفن من جامعة اللاذقية لاجئ في تركيا من عام 2013 ناشط ليبرالي
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.