فيلم #خيمة_٥٦ ليس برنامجا سياسيا

الاديبة السورية سوزان محمد علي

لا أعلم لماذا نريد شرح كل شيء، لماذا لا نترك الفن يعبث ويتخبط ويحكي كل شيء لنا دون شرح، دون موقف مباشر كضيف في محطة تلفزيونية معارض أو موالي، يظهر موقفه السياسي من شرايين حنجرته النافرة المتضخمة.
الفيلم ( خيمة ٥٦) ليس برنامجا سياسيا، هناك إضاءة وصوت وديكور وفوضى وقصة ومناخ وأرض وخيم وأطفال حفاة، ألا يكفي هذا كله شرحا كي نتألم ونبدأ قصة الفيلم؟
هل يجب علينا في كل مرة أن نحيد عن أركان العمل الفني ونركز على خطاب سياسي جاف بارد، ظنا منا بأننا في صدد عمل وطني سيخلده التاريخ؟
كل الأعمال السينمائية العظيمة التي تحدثت عن الحروب وأثرت في نفسي، كانت تضع الطغاة والحرب جانبا وتحكي قصة صغيرة هامشية حدثت خلال فترات حرب ما.
كلنا يتذكر الصفوف في مدارس الإيواء، وطلب النازحين إخلاء صف واحد من أجل خلوة بين زوجين…القصة ليست جديدة، ليست حكر خيمة ولغة ومدينة.
بدل أن نوجه خلال ١٠ سنوات أصابعنا صوب تهمة واحدة ملت نفسها من كثر استخدامها، أليس من الضروري الآن، خاصة الآن، أن نواجه أنفسنا وأخطاءنا منذ بداية الحرب حتى الآن؟
بدل أن نناقش الهجمة الشرسة على الفيلم بوصفه فيلم جنسي، يصب هموم الناس في مشكلة واحدة وهي الجنس، وكأن الجنس حرام وكذبك وخدعة ودنس من الشيطان؟ كأن النازح في خيمة أو مدرسة، سيقبر عضوه التناسلي ويجلس يتأمل في الجدار، مع أن الجميع يعلم بالعدد الهائل للأمهات الحوامل والأطفال الذين ولدوا في خيمة أو مدرسة؟ هل جاء أولئك الأطفال من مزراب الخيمة؟
لا أعرف توجه الكاتبة والمخرج والممثلين، ولا يهمني ذلك، ولا يعنيني، أنا أمام عمل فني، لا يهمني القصد وراء ذاك العمل، لطالما فشل القصد وتسرب إلينا الحقيقي، يحدث هذا كثيرا…
لا ادافع عن الفيلم هنا، أنا أدافع عن الحرية، عن ضفة أخرى من النهر، تتجمع فيها الأوراق الميتة وتفنى بنفسها، دون إدارة أو قبر أو طريق…
تمنيت لو كان هذا الفيلم عملا روائيا طويلا….هذه الفكرة تتحمل الكثير من الصمت والمشاهد وزوايا تصويرية أخرى …والكلام القليل…الحوار الخفيف…


لم نر الخيمة ٥٦ جيدا، لم نشعر بالخيمة وأعضاءها وتعبها وسكونها وحزنها عندما تحطمت؟
لم نتآلف مع المكان الجديد الذي خُلقَ بسرعة ومات بسرعة دون فاصل حياتي يجعلنا نشتاق إليه، نتألم على فراقه، وكأن الخيمة هي سوريا، هي اجسادنا، هي المعتقل، هي بلاد اللجوء.
كان لا بد من إيقاع مأهول بالصمت، بالتخفي، بلعبة سرية تجري على سلم حجري طويل، ثم الطعنة المباغتة الخاطفة، العاصفة التي قتلت لحظات قليلة من الأمان والحب…في خيمة صغيرة على الحدود، بناها الجوع إلى اللذة إلى الأمان إلى المتعة في بلاد ميتة.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.