فلسفة مبسطة: فلسفة القوة – العدالة


نبيل عودة
هل باستطاعة القوة ان تحقق العدالة؟
هل يمكن ربط العدالة بالقوة؟
ماذا تقول الفلسفة عن الرابط بين القوة والعدالة؟
والسؤال الأهم: ما هو تعريف القوة؟ هل هو تعريف عضلي فقط؟ ام تعريف يشمل كل ما يستطيع الإنسان (او النظام) ان يفرضه وبأي وسيلة كانت على الآخرين؟
كان أرسطو يفضل القاضي المنصف عن القاضي العادل، حسب طرح أرسطو القاضي العادل يطبق القوانين، وهي عامة في نصوصها، وتطرح المساواة بين كل الناس، بينما القاضي المنصف يكيف القوانين بحسب أحوال المتقاضين الخاصة والنوعية، الأمر ألذي يساعد على تجديد القوانين و تغييرها بما يضمن الحكم بروحها لا بنصها.
أي عدالة أفضل؟ عدالة القاضي المنصف أم القاضي العادل؟
التساؤل الأساسي الذي يطرح نفسه: هدف العدالة إقرار المساواة في المجتمع، فهل بإمكانها إنصاف جميع أفراده بنفس القدر؟
حسب رؤية الفيلسوف الإغريقي أفلاطون العدالة هي فضيلة من ثلاث فضائل النفس وهي: الاعتدال والشجاعة والحكمة!!
أرسطو خالفه لأن العدالة بالنسبة إليه ليست صفة من صفات النفس بل فضيلة مدنية يجب ان تخضع للقانون الوضعي.
العدالة، في رأي جون رولس (1921 – 2000) وهو فيلسوف أمريكي ليبرالي كان أستاذا للفلسفة السياسية في هارفرد من أهم كتبه كتاب ” نظرية العدالة”، يعتبر رولس من منظري ومؤسسي الليبرالية الجديدة ذات الميول الاشتراكية، يشرح في كتابه نظريته عن مبدأ العدالة بقوله “انه الإنصاف وانه هو ما يفرض المساواة السياسية بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وان اللامساواة الاقتصادية فيما يخص ملكياتهم و ثرواتهم تفترض مساهمة من يملك لصالح من لا يملك، كي يتحقق التعايش والتعاون ويعم الرخاء”. عمليا رؤيته هي محاولة تطوير لفلسفة أرسطو.


يقول راولس ايضا:” ينبغي أن يتم توزيع الامتيازات بطريقة تضمن التعاون الإرادي لكل أفراد المجتمع، ان تحقيق الرخاء يرتبط بتعاون الجميع، بدون هذا التعاون لن يستفيد أحد من الرخاء”. فكرته إنسانية طوباوية بعيدة عن ان تصبح حقيقة في مجتمع رأسمالي تسيطر عليه الاحتكارات الضخمة، التي تحتكر أيضا سياسات النظام الداخلية والدولية إلى حد كبير، يمكن القول ان القوة هي القانون غير المكتوب.. وكل الحديث عن تكافؤ الفرص وتطبيق التساوي الاقتصادي حسب شروط تخضع للقانون ظلت مجرد أحلام اشتراكية لم تتحقق بالتجربة الاشتراكية أيضا، فكيف ستتحقق بنظام رأسمالي بالغ الشراسة (“خنزيري” كما يصفه رجال اقتصاد غربيين) مثل النظام الأمريكي مثلا؟!
الفيلسوف والسياسي نيقولا مكيافيللي (القرن السابع عشر)، مؤلف “كتاب الأمير” الشهير، الذي يعتبر أب السياسة الحديثة، كان ينصح الأمراء بعدم الالتفات للقيم السائدة في المجتمع، بل والتصرف بفظاظة إذا اقتضى ذلك الأمر أحيانا ، حسب مفاهيمه يجب إسقاط كل الصلاحيات العليا للدولة، لأن الأهم بقاء الأمير(أي الطبقة السائدة)، وانه “من الأفضل ان يخافوا من الأمير من أن يحبوه”. طبعا عليه ان يمتنع من ان يكون مكروها، لأن ذلك قد يهدد قوته(نظامه)، وقال ان “أفضل شيء ان يحصل الأمير على القوة بدون رحمة، وبنفس الوقت ان يبرز كعقلاني”، هذا ما نشهده فعلا في تصرفات كل الأنظمة في عالمنا، حتى تلك التي ادعت في زمن مضى أنها تطبق نظاما اشتراكيا!!
إذن كل نظرية مكيافيللي بنيت على فكر القوة، وليس على فكرة العدالة، (القوة هي العدالة) وهو ما يميز الأنظمة الرأسمالية ، لكننا نلاحظ بداية تحول في الرأسمالية الأوروبية، نحو إقرار قوانين عديدة غيرت الكثير من الطابع الاستبدادي للنظام الرأسمالي، ليس تنازلا بقدر ما هو إنقاذ للنظام أمام تنامي الوعي الاجتماعي والسياسي والحقوقي في المجتمع ودور المنافسات الحزبية الديمقراطية في تسريع عملية التحولات الديمقراطية الاجتماعية، وهو الأمر الغائب نسبيا في النظام الأمريكي حيث يسيطر حزبان لا يختلفان من حيث مفاهيمهما المختلفة.. إلا بقشور لا تمس شيئا من الجوهر!!
بنفس الوقت مارست الأنظمة الاشتراكية السابقة القوة بدون أي رادع من برلمان أو أحزاب معارضة أو حركات اجتماعية لأنها لم تنشا أصلا، وكان قمعها للمعارضة يتخذ أشكالا عنيفة للغاية جعلت من القوة ، وفقط القوة، السياسة الوحيدة داخليا وخارجيا، لتطبيق مفهوم “عدالتهم الاجتماعية” التي ظلت منقوصة عن العدالة في النظام الرأسمالي. ان مشكلة النظام الاشتراكي هو اعتماده على نفس جهاز الدولة الرأسمالي لتطبيق النظام الاشتراكي، لم تطرح أي مفاهيم لإنشاء الدولة الاشتراكية من ماركس، لينين وستالين. جرى تعميق دور الدولة الرأسمالية في النظام الاشتراكي كجهاز قمع استبدادي نفى حقوق الأفراد أو الجماعات في ألتنظيم الحر أو النقد للنظام. وطبعا غابت مبادئ العدالة الاجتماعية التي كانت في جوهر الفكر الماركسي!!
اذن ما هي القوة ؟: السيطرة على السلطة هي قوة. السيطرة على المال هي قوة. السيطرة على الإعلام هي قوة. السيطرة على سوق العمل هي قوة. السيطرة في حلبة المصارعة هي قوة. السيطرة على رواية الحدث هي قوة. السيطرة على تشويه الحقائق هي قوة. القوة قد لا تكون بالعنفالمباشر، والعنف ليس أخطر أشكالها.التحكم بتطبيق العدالة (التي عادة تبقى حبرا على ورق) هي أيضا قوة.
هذا ما اكسب بطلة قصتنا التالية القوة” (او العدالة كما يعتقد البعض) لتعود إلى عرشها – ملكة غير متوجة ولم تكن بحاجة لفهم نظريات أفلاطون وأرسطو ومكيافيللي والآخرين!!

مذكــــرات ملكـــــــة – قصة تعبيرية لفهم فلسفة العدالة والقوة في الواقع الانساني.
ترك الزمن أخاديده على وجهها وجسدها. الجيل غلبها ولم تعد تنفع الأصباغ. مفاتنها أضحت في سجلات التاريخ المنسي. تشعر بألم عميق . لم يخطر ببالها ان تصبح نسيا منسيا. مجرد كتلة لحم لم يعد يحتاجها أحد. لم تعد تلك الفاتنة المرغوبة التي امتدت شهرتها في طول البلاد وعرضها، حتى قيل ان الرجل لا تكتمل رجولته إلا بعد ان يحظى بخدماتها.
جاءوا من الشمال والجنوب، من ساحل البلاد جاءوا ومن الجبال، جاءوا من الحقول ، جاءوا من المصانع. يقول بعض العارفين ان اسمها كان ماركة مسجلة قصدها العديد من السياح أيضا، فهل حقا ساهم جمالها وفتنتها في زيادة عدد السياح القادمين إلى البلاد؟
بعد عمر طويل اكتشفت انها لم تعد الملكة المتوجة التي تلقى التودد والتذلل أمام سريرها من شخصيات لا تعد ولا تحصى. بعضهم أناس عاديون لم يترددوا في صرف معاش الشهر من اجل ساعة بقربها، بعضهم صرفوا عليها بطيب خاطر وتنافسوا للفوز بها في نهاية الأسبوع. بعضهم ادعى انه سائق سيارة أجرة ولكن شخصيته اوحت لها انه شخصية كبيرة في جهاز الأمن أو الشرطة أو الوزارة. حتى رجال دين تخفوا كأشخاص عاديين ليقتربوا من معبدها ويتنشقوا رحيقها الساحر . آخرون لم يخفوا هويتهم، يدفعون المطلوب بطيب خاطر بل ويضيفون حبة مسك بكرم حاتمي ، يهمهم رضاء الملكة!!
رغم ان مهنتها تثير المتاعب إلا ان أحدا لم يجروء على الاقتراب منها. تعلم انها محمية وانها فوق إي قانون. الفنادق تستقبلها بترحاب واحترام وتخصص لها احد الأجنحة الفاخرة لتستقبل زبائنها من أصحاب المداخيل الكبيرة. لم تجب منها إطلاقا أجرة الفندق حتى حين تكون لوحدها في نهاية الأسبوع ، مدراء الفنادق أيضا يتسابقون لجني ثمار خدمتهم. كانت النقود تمطر عليها صيفاً شتاءً.
تعلم انها العنوان لمن يبحث عن ليلة حمراء لا تنسى، عن فخر يرويه بين الرجال وهو منتش كالطاووس. ربما بسبب كونها تتصرف كامرأة تعشق ما تقوم به ولا تقوم به مجبرة أو مضطرة أو لسبب اقتصادي أو اجتماعي ما ، هذا جعلها الملكة المرغوبة التي تعطي زبونها أجمل ما يحلم به من إثبات رجولة ومتعة لا بعدها متعة .
بدأت تمارس المهنة القديمة بحب وشغف لا يعرف الإرتواء. كانت تتمتع بجمال وجاذبية نسائية وجنسية من الصعب تجاهلها.
بدأت تاريخها الملوكي بعد فوزها بمسابقة ملكة جمال البلاد. تدفقت عليها الهدايا والجوائز. شعرت بقيمة المال وأهميته. تدفقت عليها العروض ، بعضها عروض فاضحة بلا تورية. أول عرض غير فاضح شكليا تلقته من رجل أعمال في الخمسين من عمره، اقترح عليها أن ترافقه في يخته بجولة على دول البحر الأبيض المتوسط، وانه سيرافقه في القارب ثلاثة من أصدقائه. ترددت. قال لها انهم سيدفعون لها أضعاف قيمة الجائزة التي فازت بها بمسابقة ملكة الجمال، وانها غير ملزمة بمعاشرة احد ، ما يهمهم ان يتمتعوا بمرافقة أجمل النساء وأن أصحابه رجال مجتمع محترمين.. وان كأس نبيذ جيد بوجود امرأة جميلة، يخلق جوا شاعريا، هو أقصى أمنيات مجموعته.
أجرت بينها وبين نفسها حسابا صغيرا. فهمت ان الدعوة لا تخلوا من مغامرة جنسية، لكن عشرة آلاف دولار مقابل أسبوع ونصف الأسبوع في اليخت مع الرجال الأربعة ، بدون التزام لأي علاقة … هذا يبدو أمرا مغريا.
لم تكن عذراء. كانت قد مارست الجنس منذ وجودها في الصف التاسع، والتهبت شوقا من يومها. لكن هل ستشعر بنفس الرغبة مع رجال يكبرونها جيلا مرتين ونصف على الأقل؟
رجل الأعمال يبدو اصغر من جيله، بل يشع رجولة فيها إغراء ما. هل سيكون هو الوحيد الذي ستعاشره؟
ترددت . شعرت بخوف ما، خوف المرة الأولى . ولكن الشيك بقيمة عشرة الاف دولار قبل ان تقرر مرافقتهم، جعلها تلين وتقبل المغامرة.
كانوا أربعة، رغم جيلهم الذي يقارب الخمسين إلا ان رجولتهم مصانة بشكل جيد.
مارست الجنس مع رجل الأعمال الذي دعاها ،وجدته يداعبها ويعريها بلا مقدمات وكأنه متأكد ان موافقتها لتلبية دعوته وقبولها المبلغ الضخم، هو إعلان الامتثال لرغباته التي لم يفصح عنها مباشرة. لم تعترض ، بادلته الرغبة برغبة مترددة أولا، زادته التهابا، قبَّلها أينما استطاع، تغنجت بين ذراعيه فازداد شبقاً، ثم اندمجت بلعبته. كانت في الغرفة معه لوحده ، ولكن ما ان انتشت وارتفعت حرارة الاندماج حتى وجدت أصدقائه الثلاثة حولها يتبادلون ملاطفتها، شيئا فشيئا وجدت نفسها بينهم متحررة من ترددها ومن خوفها ، تزداد شبقا وشعورا بأنه لو اجتمع رجال الدنيا كلها في اليخت لما أشبعوها .
كان تلك أجمل عشر أيام في حياتها. جولة على مدن ساحرة، ومطاعم فاخرة، ملأوها بأجمل الهدايا، البسوها أجمل ما الفاترينات من موديلات، اطلبي ونحن خاتم شبيك لبيك بين يديك. بعدها لم تتوقف. رجال اليخت أصبحوا من زوارها الأسبوعيين. رافقتهم مرات أخرى في رحلاتهم الماجنة .. امتلأ حسابها وامتلأت خزائنها بما تشتهيه نفسها من ملابس وأحذية وميكياجات وحلى وقطع جميلة للزينة. أصبحت قادرة على الحصول على ما كانت تشتهيه نفسها في مراهقتها. تجولت في العالم طولا وعرضا، بمرافقة عشاقها أو بدونهم، وفي رحلاتها المنفردة لم تتردد في معاشرة من طابت نفسها لهم، بعد العودة للبلاد أصبح العديد من زملاء السفر من زبائنها الدائمين. بعضهم اليوم محاضري جامعات، كتاب ، صحفيين ، مدراء شركات، مدراء مدارس، أعضاء برلمان ، رجال دين، تجار ، صناعيين وأكاديميين في مختلف المجالات والمهن الحرة.
كانت غارقة في استعراض تاريخها الملكي وتسأل نفسها أين ارتكبت حماقة حياتها، بحيث أضحت اليوم بالكاد تقيت نفسها. كيف لم تفكر وهي في قمة شهرتها وغناها بتوفير ما يضمن شيخوختها بكرامة؟ هل حقا توهمت انها باقية ملكة أبد الدهر؟ وهل في مهنتها ملكة لا ينزل التاج عن رأسها؟
اليوم لا أحد يلتفت اليها، صغيرات وجميلات من حولها احتللن الشارع. تشعر بثقل حركتها. حتى الآلة خربت رغم الرغبة الباقية.
باعت بيتها واشترت بيتا بربع ثمنه، كانت تتهاوى تدريجيا. دخلها من تأمين الشيخوخة لا يفي بمتطلباتها. شركة الكهرباء أنذرتها بأنها ستقطع التيار الكهربائي عن منزلها إذا لم تسدد دينها، وهو يتجاوز ثلاثة أضعاف دخلها من التأمين. البلدية تنذرها بقطع المياه إذا لم تسدد أثمان المياه فورا. بقالة الحارة لم تعد تستقبلها بنفس الترحاب والحماس ، صاحب البقالة لم يعد ينظر اليها ، يرسل زوجته لتخبرها ان الدين ممنوع. نسي انه كان يحبو على قدميه ويديه مقبلا رجليها قبل ان يصل إلى مبتغاه. هل تهدده بكشف المستور إذا لم يلب احتياجاتها؟
بعد تردد انسحبت بشعور من المذلة.
حاولت الاتصال بمن كانت تعتقد انهم عشاقها حقا، من الذين عرضوا عليها الزواج في الماضي والانتقال إلى مكان لا يعرفهم فيها أحد أو إلى دولة أجنبية. ردودهم كانت جافة جدا. بعضهم طلب بفظاظة ان لا تتصل به، آخرين اقفلوا سماعة الهاتف بعد ان عرفوا شخصية المتحدث.
خدمة التلفون توقفت قبل أيام. العزلة حولها تشتد. التيار الكهربائي انقطع أيضا، البلدية أعطتها مهلة قصيرة بسبب شيخوختها وتدخل احد الجيران لمنع قطع المياه عنها شارحا حالها المزرية بدون كهرباء وبدون تلفون وبدون طعام أولي مناسب.
ذلك الجار الذي لم تكن تعرف اسمه، قرع باب منزلها وقال لها انه سيوصلها بالكهرباء عن طريق توصيلة من بيته لتضيء منزلها وتشغل ثلاجتها، اتصل مع مسئول يعرفه في البلدية كي لا تقطع المياه عنها. بكت بحرقة وهي تشكره. قال: لا داعي للبكاء، أعرف وضعك جيدا، لا تتردي بطلب المعونة مني.
قالت كأنها تخاطب نفسها: لا اعرف كيف تدهورت بي الحال .
قال: لا ضرورة للشرح، كلنا بشر، لنا صعودنا ولنا هبوطنا، عندي فكرة تعيدك سيدة فوق رؤوس كل من يتهربون من الحديث معك اليوم.
– اعرف اني انتهيت واتمنى لو يأتي الموت مبكرا !!
– اتركي هذه التمنيات لمن كانوا يزحفون على أربعة امام سريرك.
شعرت انه يتحدث من مصدر قوة رغم انها انتقلت لهذه الشقة الصغيرة منذ ستة أشهر فقط ، كانت تظن انها مجهولة التاريخ هنا. صمتت.
– لدي فكرة لإنقاذك مما أنت فيه. أنا اعمل في الصحافة، سأنشر خبرا مع صورتك وأنت صبية مرغوب فيها، أعلن فيه بأنك تؤلفين كتابا عن حياتك وذكرياتك مع شخصيات مختلفة من مجتمعنا وما كانوا يقترحونه عليك وما قمت به من رحلات معهم وما مارسوه معك وما دفعوه بطيب خاطر ونوادرهم وغرائبهم وجنونهم بك .
– ولكني لا انوي فضح أحد.. لست مؤهلة لفضحهم والتسبب بنزاعات عائلية.
– نحن نتحدث عن مجرد لعبة. لن يكون هناك كتابا، لا تقلقي. أتوقع ان يتراكض زبائن الأمس لدفع ما كانوا يدفعونه أيام كنت ملكتهم المتوجة.. على شرط ان لا تذكري أسمائهم بمذكراتك.
– هل سينجح مشروعك؟ انهم يرفضون التحدث معي ..؟
– سنرى.. لن نخسر شيئا. أتوقع ان أنقذك من وضعك الحالي ، لا افعل ذلك لأني أريد لهم سوءا بل لأنهم فاسدين ويدعون اليوم ما ليس فيهم.
– ستحدث بذلك هزة أرضية إذا نجحت الفكرة.. هناك شخصيات هامة كثيرة؟
– هذا بيت القصيد، اثارة قلق المرعوبين من ماضيهم، وهنا تكمن قوتك.
– هل يحق لي قانونيا ان اصدر كتابا افضح فيه زبائني السابقين؟
– اتركي القانون نائما، حتى لو قررت حقا إصدار كتاب، القانون لا يمنعك ان تذكري حقائق حياتك وأسماء زبائنك. هل وقعت معهم اتفاق بعدم كشف أسمائهم؟
– الن يرسلوا من يعتدي علي؟ بعض زبائني صاروا اليوم من زعماء هذه الدولة؟!
– لا أظن ان جنونهم سيصل إلى درجة الاعتداء عليك. سيفضحون أنفسهم أكثر إذا فكروا بهذه الطريقة.
بعد يومين صدرت الصحيفة بخبر صغير يحمل صورتها وهي فتاة مشتهاة، بأنها بالتعاون مع الصحفي إياه ، ستصدر كتاب مذكرات تكشف فيه أسماء الشخصيات الهامة التي مرت في مخدعها ، ما عرضوه عليها ، إلى أين رافقتهم في جولاتهم ، ستستعرض نوادرهم وتصرفاتهم، العروض المغرية التي تلقتها منهم والمبالغ التي كانوا يغطون بها جسدها الفتي.
كان اسمها ما زال ماركة مسجلة، أشهر من نار على علم، تاريخ لا يمحوه الزمن. اختفت نسخ الجريدة من الأسواق قبل ساعات الظهيرة. تلفونها الذي سدد جارها ديونه، عاد يرن بقوة طول النهار والليل. كانت أصوات الكثيرين منهم مألوفة لها. أرادت ان تسألهم لماذا أغلقوا تلفوناتهم بوجهها والآن يصرون على لقائها؟ لكن جارها الصحفي قال لها لا عتاب ولا كلمة غضب، فقط استقبال ضاحك كأيام زمان، هكذا تحققين العدالة لنفسك، وتهزمين من يظنون انهم بأموالهم اصحاب القوة والبأس.
وأضاف بسخرية: “لنر ما في جعبتهم.. او ما في جيوبهم”.
اتفقت على لقاء مع من تعتبره أقواهم ماديا. ذلك الذي رافقها في القارب مع أصدقائه الثلاثة، كان قد تجاوز السبعين من عمره ولكن مبنى جسمه وهيئته لا يكشفان عمره الحقيقي.
كان حديثه حارا. قال لها انه لا ينسى أيامه الرائعة معها. كانت أجمل أيام عاشها في حياته، لكنه أب لثلاثة بنات متزوجات، وله أحفاد وحفيدات بجيل واع، لا يريد ان يكشف ماضيه أمام أحفاده، قال انه مستعد لدفع ما يساعدها على الحياة، قدم لها في ظرف مبلغا كبيرا قال انه سيكفيها لسنتين، مضيفا انه لن يكون المبلغ الأخير، طلب منها فواتير الكهرباء ليسددها عندما علم بان التيار الكهربائي قطع عن منزلها مؤكدا انه سيعطي أمرا لمدير شركته بدفع فواتير الكهرباء من حسابه ورجاء ان لا تذكر اسمه الحقيقي في كتابها أو اسم أصدقائه لأن اثنان منهم قد توفيا وفي ذكرهما إحراج غير لائق لأفراد العائلات.
بعده التقت ضابط شرطة ببدلته الرسمية، سألها وهو يضحك بشيء من التذلل :”هل تذكريني؟” وكيف لا تذكر من يحب ان يستعمل لسانه؟
قدم لها مغلفا فيه ثلاثة آلاف دولار ورجاء ان لا تفقده التعيين الجديد الهام الذي يحلم به منذ سنوات. ختم قوله بوعد وحركة من أصبعه :” سأذكرك دوما ، لا تذكري أسمي في كتابك، استعملي اسما لا وجود له وستصلك مني مبالغ أخرى، وبحالة تعرضك لأي ضائقة هذا رقم تلفوني بالمكتب”.
بقال الحارة جاء محملا بأكياس عديدة وشيكا بمبلغ غير صغير. طلب منها برجاء ان ترى ببقالته عنوانا لها تأخذ منها ما تشاء، وانه آسف على معاملة زوجته لها بمنعها من الاستدانة. أضاف :”طبعا لا تفضحي ما كان بيننا”
انقلبت الدنيا ولم تعد تميز بين القادمين والمغادرين، المهم ان صندوق المال امتلأ أكثر مما كان يمتلئ عندما كانت ملكة الشارع بلا منازع. حتى مدير البنك صار يستقبلها راكضا نحو مدخل البنك مجلسا إياها في مكتبه ليسجل ما تودعه من أموال ولكنها لا تتذكر إذا كان من زبائنها سابقا فالوجوه تتشابه.
هل يتوهم احد ان ذاكرتها تقدر على الاحتفاظ بآلاف الزبائن؟!
صارت امرأة محترمة يتسابقون لإلقاء التحية عليها ولمساعدتها في حمل احتياجاتها لباب منزلها. المطعم القريب من بيتها صار يرسل لها الوجبات اليومية، وعندما شاهدها صاحب المطعم الفرنسي في الشارع سارع لاستقبالها ودعوتها لمطعمه. قدم لها فنجان شاي وقال انه يعد لها وجبة الصباح، لم تتذكر وجهه، لكنه رجاها “لا تدخلي اسمي في كتابك، انا في خدمتك دائما، وجباتك ستصلك يوميا ولا ترهقي نفسك بإعداد الطعام”.
عبثا حاولت ان تقدم لجارها الصحفي بعض المال فرفض. قالت انها تريد ان تكون بمثابة أم له ولكنها خجلة من ماضيها. ابتسم وقال إنها أفضل أم الآن. كثيرا ما دعته لتناول الطعام معها، الذي كان يصلها بوفرة من المطعم الفرنسي، احتارت هل من علاقة سابقة ربطتها بصاحب المطعم؟ اسمه وشكله لم يعن شيئا لها، ثم لم تعد تسأل. كانت تصلها الوجبات الشهية يوميا.
آه ما أروع القوة، وما أمتع السيطرة!!
الغريب ما حدث بعد ثلاثة أسابيع.
حضر إلى منزلها شابان، بالتأكيد لا شيء يربطها بهما، لوهلة دق قلبها رعبا ان يكون وراء مجيئهما اعتداء مدبر عليها، لكنهما يتحدثان معها بلطافة ، يسألان عن تاريخ إصدار الكتاب. قالت إنها لم تنه بعد تسجيل التفاصيل وان الوقت مبكر على صدوره. اخرج احد الشابين دوسية ومغلف كبير من حقيبة يد يحملها، قال لها انه يريد ان يقدم لها خدمة كبيرة ها هي دفعة اولى بقيمة 150 ألف دولار، وان تدخل الأسماء والتفاصيل المسجلة في الدوسية ضمن كتابها!!
عاشت العدالة!!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.