فلسفة مبسطة: فلسفة العلوم (وقصة تعبيرية :2+2=5)‎‎

الكاتب الفلسطيني نبيل عودة

نبيل عودة

فلسفة العلوم هي مجال واسع جدا، سأعمل هنا على تقديم جانب يعطي القارئ فكرة أولية عن مجالها الذي حدوده السماء.

قيمة النظريات العلمية، أو ما يعرف بفلسفة العلوم يمكن تلخيصه بان الوعي الإنساني يفقد فائدته بدون ان تؤكده النظريات العلمية. نحن لا نتحدث عن ميراث فكري ينقل بالوراثة ويجعل الأكثرية المطلقة من البشر منغلقون فكريا ووعيا عن فهم أي معيار خارج موروثاتهم، حتى الأرض رفض بعض “علمائهم” كرويتها واعتبروا المسألة فكر استعماري، ويرون بكل محاولة لنقض ما نقل إليهم بالرضاعة، أو بالتلقين الذي يشل التفكير ويقمع العقل، خروجا عن الصحيح وضلال ما بعده ضلال.

ربما هنا نجد إشكالية التأخر العلمي، الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه العديد من المجتمعات البشرية، خاص الشرقية وعلى رأسها المجتمعات العربية.

فلسفة العلوم هي أحد فروع الفلسفة، مجالها الأسس الفلسفية والافتراضات والمضامين الموجودة ضمن العلوم المختلفة، بما فيها العلوم الطبيعية، ألاجتماعية والسياسية مثل الفيزياء، الرياضيات، البيولوجيا، علم النفس، علم الاجتماع والعلوم السياسية.

تبني فلسفة العلوم الكثير من دراساتها على ما يعرف ب “علاقات الاستدلال” بين الفرضيات أو النظريات المختلفة. نجد هنا ان الأبستمولوجيا التي هي فرع من فروع فلسفة العلوم وتعني “دراسة العلم” اثارت اهتمام العديد من العلماء العرب والمسلمين بنظريات المعرفة ومن أشهرهم المعتزلة والأشعرية وابن سينا وابن رشد والغزالي. في عصرنا يقدم العلم باعتباره مجموعة واضحة منظمة ومنسجمة من النتائج التي تفرض ذاتها علينا كحقائق، لكن يجب التأكد من صحتها تجريبيا، مثلا قانون سقوط الأجسام، يجب التأكد منه تجريبيا عن طريق جهاز نيوتن للسقوط الحر إذا ثبتت التجربة يصبح قانونا عاما فوق أي تعليق أو دحض.

نظرية العلوم تُميز بين الفرضيات التي توجد بها علاقات استدلال سارية المفعول من جهة ومن جهة أخرى فرضيات تفتقد لعلاقات استدلال غير سارية المفعول.

القفزة الكبرى في فلسفة العلوم كانت في القرنين التاسع عشر والعشرين. طبعا قرننا الحادي والعشرين أحدث قفزة هائلة في فلسفة العلوم، مطلقا العقل البشري والوعي الإنساني إلى عوالم لا حدود لها. من المذهل ان نقارن بين مجتمعات تعيش على هامش الحضارة العلمية والعالمية، لأن العلوم في جوهر أي حضارة ولا تقدم حضاري بدونها والمجتمعات اتي تطورت فيها العلوم هي في مقدمة الحضارة العلمية والعالمية.

أصل كلمة العلم هو من اليونانية “لوجوس”
(Logos)
والتي فسرت تفسيرات مختلفة منها “السبب” ، “الفكر”، “الافتراض” والبعض فسرها ب “علم المنطق”.

إذن للتخليص: بدون نظرية علمية الوعي يفقد فائدته. مع نظريات علمية بإمكانك ان تنتصر بالجدال لكن بثمن شراء الكثير من الأعداء، خاصة أولئك الذين لا يعني العلم شيئا لهم، لأن الموروث المرتبط بعقائد نهائية يحتل كل تفكيرهم ونهج حياتهم.

في كتاب فلسفي مثير يحمل عنوان “افلاطون والحمار يدخلون إلى البار” وجدت هذا الحوار الممتع “بين شخصيتان إغريقيتان هما طاسو وديميتري:

(للأسف الكتب الجيدة لا تترجم للغة العربية، انقل لكم الحوار من العبرية)

ديميتري: توجد الكثير من الفلسفات المنافسة، كيف اعرف أي فلسفة هي الصحيحة من بينها؟

طاسو: من قال انه توجد فلسفة صحيحة؟

ديمتري: لماذا تجيبني دائما بسؤال؟

طاسو: هل لديك مشكلة بذلك؟

ديميتري: صدقني لا اعرف حتى لماذا سألتك أصلا. توجد أشياء ببساطة صحيحة، مثلا: 2+2=4

طاسو: كيف تستطيع ان تكون متأكدا من ذلك؟

ديميتري: لأني أثيني ذكي جدا.

طاسو: كونك أثيني هذا موضوع آخر. لكن السبب الذي يجعلك متأكدا من 2+2=4 ان الجواب يعتمد على قوانين العلوم التي لا يمكن الشك بها.

لكن هناك طريقة أخرى للحساب مناقضة لما تعلمناه… ومناقضة لكل فلسفة العلوم.

هذا ما تشرحه قصتي القصيرة التالية:

2 + 2 = 5

يبدو ان المنطق الرياضي الذي يقول إن 2 + 2 = 4 لم يعد صحيحا فلسفيا.

أستاذ الفلسفة، الدكتور سمير، يقول إن هذا تركيب مصطنع يحتاج فلسفيا إلى براهين.. والأغلب انه خطأ متداول.

أستاذ الرياضيات البروفسور صالح، يصرّ أن 2 + 2 بجمعهما المنطقي نتيجتهما أربعة، وهو سؤال رياضي بسيط وأولي ومن بديهيات الحساب الرياضي.

الدكتور سمير أعمل فكره وأجاب معترضا:

– ماذا تقصد بالرقم 4، هل هو مجرد الجمع بين عددين أصغر منه، أم له تفسير فلسفي آخر؟ كيف توصلنا إلى أربعة ؟ أليست هذه رؤية مسبقة منغلقة لا تريد ان تعترف بما يعارضها؟ إن حقيقة كل ادعاء تفحص بحسب نتائجها. هل يخفى إننا نختار الحقيقة بحسب ما تُحدثه من تغيير؟ فهل من حقيقة ذات تأثير تُلزمنا ان نغيير في المسألة البسيطة التي تدعيها من النتيجة 4 انها جمع 2 + 2 ؟ مثلا نحن نقول ان قانون الجاذبية لنيوتن صحيح، ليس لأنه مطابق لما يحصل حقا، إنما لأنه ثبت أنه قابل للاستعمال لتوقع تصرف عنصرين مع بعضهما في حالات متعددة ومختلفة. مثلا، أنا على ثقة أن التفاح يسقط إلى الأسفل حتى من شجرة تفاح في مكة وعلى رأس أي سعودي جالس تحتها، بغض النظر إذا كان أميرا أو فقيرا، عالما مفتيا أو جاهلا، وليس في لندن فقط حيث سقطت التفاحة على رأس نيوتن.

بروفسور صالح ضحك من هذا التفسير المعقد:

– انتم الفلاسفة جعلتم عالمنا أكثر صعوبة على الناس. تشغلون عقولكم بأوهام، وتصعّبون على الناس فهم حياتهم وتسهيل معاملاتهم. تخيل لو ذهب إلى البنك آلاف الأشخاص، يصرون أن 2 + 2 = 5 ؟ سيتعطل العمل وتتوقف المصالح، هل تفهم أن فلسفتك ستجعل عالمنا مبهما لا شيء مؤكد فيه ؟ لنفرض انك اشتريت بدولارين من البقال، وبدولارين من دكان الخضرة، فما مجموع ما صرفته في الدكانين؟

– خمسة.. أجاب دكتور سمير بلا تردد وأضاف: أنت تتجاهل إشارة الزائد، ألا قيمة للإشارة؟ لماذا نستعملها إذن ؟

– لنفترض انها ناقص، لا زائد ؟

– الجواب في هذه الحالة صفر، لأن الناقص ينفي ولا يضيف.

– ما هذه ؟ فلسفة جديدة ؟

– أبدا، نحن نتعلم في الفلسفة ان نصلح عالمنا، وأن نفسره، وان نشكل رؤيتنا الخاصة حوله. لماذا رؤيتكم صحيحة، ورؤية استرالي أصلي يعيش في الغابات الاسترالية غير صحيحة؟

– ما دخل الأسترالي في الحساب؟

– سؤال جيد. قمنا قبل سنة بزيارة لأستراليا، وصلنا إلى إحدى الغابات التي تسكنها قبيلة من السكان الأصليين. بعيدون عن الحضارة .. بعيدون عن كل ما يمت بصلة للمجتمع المدني، رغم ذلك حياتهم منظمة وواجباتهم محددة. كل يعرف ما عليه وأين هي حدوده، لا أحد يتجاوز حدوده، مجتمع آمن.. بلا مشاكل الحضارة ومتطلباتها .. لا يعرفون المدارس … ولا الحواسيب . أجريت اختبارا حسابيا لأحدهم. كان سؤالي هو نفس سؤال الخلاف بيننا. كم هو مجموع 2 + 2 ؟ لم يجبْ. طلب الإذن.. ذهب وعاد بحبلين، عقد في الحبل الأول عقدتين وأشار بأصبعيه إلى الرقم 2، ثم عقد عقدتين في الحبل الثاني وأشار مرة أخرى بأصبعيه إلى الرقم 2، وأخيرا عقد عقدة تجمع بين الحبلين، وعدّ العقد فكانت خمس عقد ، فأجاب أن 2 + 2 = 5.

فكيف يمكن أن أقنعه أنها تساوي أربعة؟ والآن بإمكانك يا زميلي العزيز

بروفسور صالح، أن تقول إن الجواب هو نتيجة عملية لتطور المجتمع، آو تطور العقل البشري، وان الجمع لا يتعلق بقوانين الرياضيات، بل بقوانين

الحياة التي يعيشها الإنسان.

– فلسفة.. من حظ العالم أن الفلاسفة لا يصلون إلى السلطة. ناقش جاهلا، ولا تناقش فيلسوفا !!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.