فلسفة مبسطة: الأبدية (اللانهاية) ما هي؟

نبيل عودة

اثار مصطلح اللانهاية (الأبدية) بلبلة في صفوف الفلاسفة الميتافيزيائيين. على العموم تُفسر الميتافيزياء (الميتافيزيقا) بأنها فلسفة “ما وراء الطبيعة” وتعني الاشياء التي لا تخضع لقوانين الطبيعة.. تتجاوز حدود الطبيعة او ما وراء الطبيعة وصولا الى علم الالهيات. وقد اطلق الفلاسفة على مر العصور تسميات كثيرة على الميتافيزياء أفلاطون وصفها ب “علم المُثل”، عند أرسطو أصبحت تعني “علم العلل”، المدرسة الأفلاطونية الحديثة تطلق عليها اسم “علم الوحدة” ،بينما ديكارت اعتبرها “علم اللامادي”، بينما هيغل اعتبرها “علم الفكرة المحضة أو الحقيقة الروحية الخالصة”..وهناك تسميات أخرى ..
ما هو الفرق بين الفيزياء والميتافيزياء؟
الفيزياء تحاول وصف ما يجري والتنبؤ المسبق به . يقول أينشتاين عالم الفيزياء المشهور: “إن أكثر ما في الكون امتناعاً على الفهم هو أنه قابل للفهم”. وهذا يناقض مفهوم علم الإلهيات الذي ينشغل بقضايا لا تمت للواقع بصلة ومتعلق بالغيبيات!!
هل السبب في وجود الفكر الميتافيزيائي هو العجز عن الفهم الكامل للكون ؟
منذ فجر التاريخ والفكر البشري يبذل ما بوسعه لاكتشاف العالم والحياة. اي تحويل العالم إلى نماذج تحتل حيزا في الذهن الفردي والعلم هو أحدث محاولة في هذا السياق. أما الأسطورة او الغيبيات فليست إلا التفسير الذي يرضي القاصرين عن المعرفة.


الميتافيزياء اليوم هي مجال للبحث في بالمبادئ العليا التي لا وجود لها الا في الذهن كحالة متخيلة. وليس كحالة طبيعية (فيزيائية) يمكن ان تعالجها الفيزياء ، وجهة نظر الفيزيائيين، هي الوجهة السائدة في العلوم تقول: ان الميتافيزياء هي نظرة سطحية ومحدودة للعالم!!
اذن النظرة الميتافيزيائية هي التي تؤمن باللانهاية، بالأبدية، أدخلت الميتافيزيائين في متاهة لا نهاية لها.
مثلا يطرح السؤال كيف يمكن لمرحلة زمنية محددة لمريض ما على حافة الموت ان تكون ابدية – لا نهاية لها؟
الفلسفة تروي قصصا مختلفة لتسهيل فهم الموضوع الابدي- الميتافيزيائي، ومن تسجيلاتي وقراءاتي وجدت فكرة لقصة قصيرة مناسبة تشرح فكرة الأبدية بشكل رمزي – ساخر:

حياة ابدية.. !!/ نبيل عودة
مهداة الى الزملاء الشعراء ليأخذوا حذرهم!!
مرضت سعاد وتدهورت حالتها الصحية بسرعة بعد أن أجريت لها عملية استئصال لورم خبيث في الاثني عشر.
الجراح قال لها أن الوضع محرج ، اذ ان المرض انتشر الى الكبد أيضا ، وهو لا يظن انها ستعيش أكثر من ستة أشهر.
صعقت للخبر ، وبكت بحرقة ،وكادت تصرخ :
– ستة أشهر فقط ؟
– أنا آسف .. قمنا بكل ما يلزم .. الأمر ليس بيدنا الآن .
– ولكني أحب الحياة .. واريد أن أعيش دهرا كاملا.. أكره الموت وانا لم أصل حتى لمنتصف العمر ..
– يوجد حل ..
قال الطبيب ..
تنبهت سعاد لقول الطبيب وشعرت ببعض التفاؤل. وعندما شعرت ان الطبيب طال صمته عن شرح الحل المفرح حثته :
– وما هو الحل .. ؟
– ان تتزوجي من شاعر .
– شاعر ..؟! وكيف سيساعدني زواجي من شاعر ..؟ هل للشاعر حل لمرضي لا يعرفه الطب ؟!
– آه هذا سؤال جيد .. سأشرح لك ..
طال صمته مرة أخرى . ضايقها تمهله في الكلام وهي تنتظر كلماته على أحر من الجمر .
– أني أنصت .. اشرح لي ؟
– الشعراء مخلوقات مغرورة .. كثيرة الغلبة والطلبات .. مزاجيون متقلبون .. يعيشون في وهم انهم من طينة بشرية عليا.. وما عداهم مخلوقات دنيا.. يدعون انهم مع الناس وهم منعزلون عن الناس . الشاعر منهم يريد من المرأة المتزوجه به ان تكون وفق تقلب مزاجه .. ستسمعين شعر زوجك ليلا ونهارا حتى تتمنين الطرش .. والويل اذا لم تقولي له ان مثل هذا الشعر الرائع لم يسبق لك ان سمعتي مثله .. وربما في يوم القيامة ، عندما يسأله الله عن حسناته وسيئاته سيقول انها كلها حسنات لأنه شاعر كبير ، وان السيئة الوحيدة التي ارتكبها هو زواجه منك … وان هذه السيئة تغفر عادة للرجال منذ غفر الله لآدم بعد ان أغرته زوجته حواء على الأكل من شجرة المعرفة ، وهو يتوقع ان يقول له الله بما انك أعظم الشعراء ، تعال اجلس بمكاني فأنت أهل لأن تحل محلي. والويل لك اذا كان يكتب قصيدة وتأخر فنجان القهوة .. او جاء سكر القهوة ليس كما يشتهي..سيتهمك بتخريب القصيدة ويصنفك مع مدمري برجي التوأمين في نيويورك . واذا نشر قصيدة وانتُقدت بحدة ستتهمين بأنك قليلة الايحاء وفاقدة للذوق الشعري مثل نُقاده . واذا مدحها الناقد الحداثي الذي لا يفقه ما هي الحداثة ستنالين باقة ورد لتضعيها .. انتبهي ، بجانب سريره .
– ولكني لم أفهم بعد كيف سيشفيني هذا من مرضي.. كيف سيجعلني أعيش دهرا ..؟
– أه سؤال مهم .. الشاعر كما شرحت لك سيجعل حياتك جهنم .
– وماذا مع مرضي وموتي المرتقب بعد ستة أشهر؟
– آه .. وصلنا لجوهر الموضوع .. لن تتغلبي على مرضك .. ستموتين بعد ستة أشهر .. ولكن ستة أشهر مع شاعر ستشعرين انها دهر كامل .. وربما تتمنين الموت قبل نهايتهم !!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.