فلسفة الحياة والموت

فلسفة الحياة والموت

حياة الإنسان على الأرض قصيرة مهما طال به العمر . أيام العمر وسنينها تسير سريعا كالسحاب تدفعه الريح دون ان نشعر به . نولد وننمو صغارا ويكبر جسمنا، نبدا حياتنا نزحف على الأرض ، ثم نمشي على قدمين ونقع في مقتبل العمر ، ثم نركض مسرعين . ينمو عقلنا ودماغنا فنهم الحياة وما يدور حولنا، نلهو ونأكل ونشرب ونكبر مع السنين، فإذ بنا نرى الشيب يغزو رؤوسنا تدريجيا وما يلبث ان يغطي الراس كله . فندرك اننا دخلنا في خريف العمر بعد انتهاء الربيع .
في الشيخوخة الأسنان تبدا بالتساقط، السمع يضعف والبصر يقل والظهر ينحني والسيقان تضمر عضلاتها فلا تعد تقوى تحملنا ولا نقدر نركض بواسطتها كما كنا شبابا. الفكر سضعف والذاكرة تضمحل والنسيان يسود فكرنا .
يتهاوي الجسد تدريجيا وتضعف نبضات القلب و تبطئ حتى تودع الأنفاس جسدها بلا رجعة في النفس الأخير . تغمض العينان ويبرد الجسد و يتوقف القلب عن النبض والدماغ عن العمل والدم عن الدوران . فتكون لحظة الحياة الأخيرة والإنتقال من الحياة الى عالم الموت المجهول .
بالموت نودع الحياة والأحباب والأولاد والأهل جميعا والصحاب وننطلق الى المثوى الأخير من غير عودة .
محمولين على الأكتاف بنعش مغلق حيث الظلام الأبدي. ينقلنا الأهل والصحاب ليودوعون الجسد الميت بلا حراك تحت التراب . فتتحقق المقولة (من التراب خلقت والى التراب تعود) . تفارق الروح الجسد الذي سكنته سنوات العمر، فتنطلق عند الموت الى خالقها ومصدرها حيث كانت الروح أمانه مودعة في جوف الجسد الى حين بأمر ربها. يتغير اسم الجسد الميت الى جثة . ويستبدل اسم صاحبها الى المرحوم فلان ونادرا ما ينطق اسم صاحب هذا الجسد المتوارى تحت التراب ..
يوارى الجسد الميت الثرى جثة هامدة باردة لا حراك فيها ، ويهال التراب فوقه حتى يختفي عن الأنظار تحت التراب . يُغلق باب القبر ولا يبقى منه غير لوحة كشاهد القبر تدل على وجود إنسان هنا كان حيّا والان اصبح تحت التراب.
حياتنا قصيرة بائسة، فمنذ خروجنا الى الدنيا ونستنشق اول نسمة هواء تدخل الرئتين نستقبل الحياة بالبكاء والصراخ، نشتكي الى آبائنا وامهاتنا لماذا جئتم بنا الى هذه الحياة البائسة، حيث الألام والعذاب، سنلاقي الهموم ونصارع اوجاع الأمراض ونشعر بالتعب ونطلق الآهات . الآباء فرحين بولادة طفل جديد في العائلة، لكننا نحن المولودون سيحملون اثقال الدنيا وهمومها معهم .
وبعد الموت سيودعنا الأهل والأحباب واولادنا بالبكاء والنحيب والدموع لفراقهم حبيب وعزيز كان يعيش بينهم . تبدأ حياتنا بالبكاء عند الولادة مع فرح الأم والأب ممزوجة بزغاريد الأحبة ، وتنتهي حياتنا بالبكاء علينا في وداعنا الى مثوانا الأخير والحزن يمزق قلوب الأحبة. حيث الفراق الأبدي والوداع الأخير و لا عودة بعده .
انها ارادة الله الخالق الذي بدا الخلق كما شاء وينهيه كما يريد . انها رحلة قصيرة عبر الزمن حيث ننتقل من جيل الى جيل لنعمر الأرض ونتكاثر كما خطط خالقنا منذ خلق آدم اول إنسان على كوكب الأرض وحتى نهاية الزمن .
ولدنا مصادفة ولم نختر ابوينا، ولم نختر اسمائنا ولا نوع جنسنا ذكرا او أنثى . وبعد موتنا لن نترك سوى الإسم والذكريات لأولادنا واحفادنا . وقد نترك لهم ميراثا من اتعابنا قليلا او كثيرا، و تبقى ذكرى العمل الذي انجزناه خيرا كان ام شرا.
يقول سفر الحكمة في الكتاب المقدس : ” ما النسمة التي نتنفسها إلا دخان، وما الحِسّ إلا شرارة في خفقان قلوبنا، فإذا إنطفأت عاد الجسم رمادا ، وتلاشت الروح وفارقت الجسد كنسمة عابرة الى المجهول. وبعد الموت يُنسى اسمنا ولا يذكره أحد إلا نادرا، وتزول حياتنا كغيمة بلا أثر وتتبدد حياتنا وتختفي أصواتنا كضباب يسوقه شعاع الشمس ويلاشيه حرّها . فايامنا كظل عابرولا رجوع لنا بعد الموت لأنه يختم ابواب قبورنا ويلقى فوقها تراب الأرض فلا تفتح تلك الأبواب ولا يعود منها احدٌ .”


في الفترة مادمنا في الحياة الآن نتنفس الهواء ونرى نور الشمس . نعيش مع اهلنا واحبابنا فلنستمتع القصيرة الباقية من عمرنا. فنحن نعلم متى ولدنا ولكن لا نعلم متى نموت ونغادر الحياة. استمتع اخي بملذات الدنيا الحاضرة حسب شرع الله، انشر الحب والسلام وبين الناس، ابتعد عن الشر واعمل جاهدا للخير ومنفعة الناس . اعمل بوصايا الله و اكرم اباك وامك . ساعد الفقير والمحتاج وقدم المساعدة لمن يطلبها، اذكر الله واشكره على نعمه وخيراته كل يوم . فبصرك وسمعك وحركتك وفكرك، كله من نِعم الله وبركاته وما تشعر بها إلا حين تفقدها. ابتعد عن الخطيئة التي تغضب الله، لا تظلم فقيرا و لاتعتدي على ضعيف ومسكين ، سامح واغفر لمن اساء اليك فحسابه عند الديّان العظيم. لا تقاوم الشر بالشر فالنار لا تطفئها النار . لتكن النفوس طاهرة والقلب واليد نظيف . وليكن كلامك جميل يرتاح له من يسمعه . اترك ورائك عملا صالحا يفيد الآخرين من بعدك، واترك لك سمعة حسنة طيبة يمدحك بها الناس وإسما جميلا تذكره الأجيال على مر السنين .
هذا ما جاء في الكتاب المقدس – سفر الحكمة :
الأشرار لن يرثوا ملكوت الله ولن ينعموا بالفردوس الأبدي، اما المؤمنون الأتقياء والأبرار فرجاؤهم أكيد أنهم بين يدي الله خالدين وفي نعيمه باقين وسينالون النعمة والرحمة . فثمرة الجهد الصالح مجيدة وللحكمة جذور تمتد ولا تفنى .

صباح ابراهيم

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.