فقه الخيانة المقدسة لدى جماعة #الإخوان

أحمد الشحات

ربما يتعجب البعض ممن لا يفهم طبيعة منهج الإخوان وليس لديه علم بمواقفهم وتاريخهم كيف اجتمعت هذه المفردات في عنوان واحد جنباً إلى جنب “فقه” – “الخيانة” – “المقدسة”!!
والجواب المجمل المختصر عن هذا الاستشكال أن جماعة الإخوان تجمع في مواقفها بين المتناقضات الفجة، ولكن ليس هذا فقط هو جوهر انحرافهم المنهجي، ولكن مشكلتهم الكبرى أنهم ينطلقون في حُكمهم على الأشخاص والكيانات والدول والأفعال التي تصدر منهم من خلال رأيهم وموقفهم، بعيداً عن ضوابط الشرع وثوابته، وبعيداً عن القيم والمبادئ كذلك، ثم تأتي المشكلة الثالثة في شرعنة موقفهم وإضفاء نوع من القداسة عليه، في مقابل تخوين مواقف كل من خالفهم بأي درجة من الدرجات، ومن ثم يكون موقفهم هو الصحيح من كل جوانبه الشرعية والسياسية والواقعية طالما اعتمدوه وتبنوه، في الوقت الذي يطعنون ويكفرون من يتخذ موقفاً مشابهاً لموقفهم لكنه ليس حليفاً لهم ولا متعاوناً معهم.
وسأضرب على ذلك مثالاً عملياً واقعياً كان يمثل لنا في البداية صدمة كبيرة إلى أن تكررت هذه المواقف وفهمنا أنه منهج ثابت للجماعة وليس مواقف فردية:
معلوم أن النظام السابق في عهد مبارك كان يقوم بتزوير الانتخابات بطرق شتى، وكان الإخوان هم من يقع عليهم هذا الظلم باعتبارهم منافسين للنظام في ذلك الوقت، ولم يكفَّ الإخوان بالطبع عن وصف النظام بالتزوير والفساد وغيرها -وحُق لهم ذلك-،
ولكن ماذا صنع الإخوان في أول انتخابات برلمانية جمعتنا بهم بعد الثورة؟
المفاجأة أن الإخوان مارسوا نفس التزوير الذي كان يمارسه الحزب الوطني بكل وسائله العفنة، ولكن هذه المرة كان ضحية هذا التزوير هو حزب النور. ولا أنسى ما كانوا يفعلونه من خداع لبسطاء الناس ممن جاءوا إلى اللجان الانتخابية ليعطوا أصواتهم لحزب النور، فيقولون لهم حزب النور رمز الميزان، بينما كان رمز الميزان هو رمز قائمة الإخوان وليس حزب النور، وهذا الأمر كان سمة عامة عند كل أتباعهم كأنه اتفاق بينهم، فضلاً عن عدم التورع عن الأعمال غير النظيفة من شراء الأصوات واللعب في الصناديق والتحالفات المشبوهة وخيانة العهود والاتفاقيات، والتعاون مع النصارى والعلمانيين من أجل إسقاط مرشحي حزب النور في بعض الدوائر، كل هذه الممارسات لم تُحكَ لنا، ولم نأتِ بها من الإعلام، ولكنها كانت تجري أمام أعيننا جهاراً نهاراً، وكان الأعجب من التزوير نفسه، هو تسميته بالتزوير المقدس.


وعندما قرر حزب النور ترشيح الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح صب عليهم الإخوان جام غضبهم ووصفوهم بشتى أوصاف العمالة والخيانة وبيع المشروع الإسلامي، رغم أن أبو الفتوح كان أحد قادة الجماعة ولم يقدم استقالته منها إلا بغرض الترشح للرئاسة. فالإخوان لا يقبلون منك إلا أن تكون تابعا لقرارهم أيا ما كان هذا القرار وإلا داسوك بالأقدام حقيقة وليس وصفاً أو مجازاً، ولم يتورعوا عن اتهامك في دينك وأمانتك وعرضك.
أما في باب التعامل مع الأنظمة والحكام، فإن منهجهم قابل للتعامل اللين الممالئ الذي لا يختلف كثيراً عن منهج المتملقين للحكام والمسبحين بحمدهم، وقابل كذلك أن يتحول إلى منهج صدامي تكفيري يبلغ أقصى درجات العنف والإرهاب والصدام، وعليك في كل قرار تتخذه الجماعة أن تكون مباركاً مهللاً له، وإلا كانت التهم جاهزة لك ولن يتورعوا عن اغتيالك معنوياً والتضحية بك حرفياً.
فإذا كان قرارهم هو التحالف مع النظام فكل من لم يرضَ بذلك ستكون تهمته التي يغتالونه بها أنه متشدد متطرف وهابي داعشي وهكذا، كما كانوا يتعاملون مع الجماعة الإسلامية في عهد مبارك، أما إذا كان قرارهم الصدام والمواجهة، فكل من اختار الموادعة فإنه عميل للنظام، ألعوبة في أيدى الأجهزة الأمنية، خائن لدينه وعقيدته وللمشروع الإسلامي، كما فعلوا مع حزب النور لأنه رفض الاشتراك في المجزرة الجماعية التي خططوا لها أن تتم من خلال اعتصام رابعة، ومنذ ذلك الوقت والحزب عندهم هو أيقونة الخيانة والعمالة، نسأل الله أن يعاملهم بما يستحقون.
أما حكمهم على الأنظمة فمعياره هو: “من كان منا فسنبلع له الزلط، ومن لم يكن منا تمنينا له الغلط”، كما يقول المثل الشعبي المشهور، ولكنه ينطبق بشدة على موقف الإخوان من الأنظمة، فالنظام الذي لا ينتمي للجماعة يعد في نظرهم غير شرعي مهما كان ملتزماً بالشرع، والنظام المنتمي لهم يصير حاكمه أميراً لمؤمني العالم حتى لو ارتكب أفعال الكفر، وقد قال أحد قادتهم يوماً “عصام تليمة”: “لو فرغوا نصوص الكتاب والسنة في الدستور سأرفضه لأنه صادر عن الانقلابيين”، بينما ينص الدستور التركي على العلمانية صراحة ولكن يبقى أردوغان أميراً للمؤمنين رغماً عن الجميع.
لأنهم يرون أنهم إذا كانوا في سدة الحكم، فهذا كاف جدًا -من وجهة نظرهم- في الإقرار بتطبيق الشريعة، حتى وإن لم يُطبَّق منها حكم واحد، وحتى إذا كان الواقع يطفح بأنواع من الفواحش والمنكرات.
ومن منهجهم في ذلك السكوت على منكرات وتجاوزات الأنظمة الموالية لهم والاعتذار عنها بكافة أنواع الاعتذارات، والبحث عن مسوغات وتبريرات مهما كانت هشة أو واهية، بينما على الطرف الآخر هناك تضخيم وتكلف في تشويه الأنظمة غير الموالية لهم، مهما كانت جيدة، ويصل الأمر إلى اختلاق الأكاذيب ونشر الأباطيل.
وأوضح مثال على ذلك موقفهم من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فتركيا تبيح البغاء وتتكسب الدولة من الضرائب المفروضة على البغايا، وفي عام 2013 أصدرت المحكمة الدستورية التركية قرارًا يسمح للمثليين بالبحث عن زبائن في الشوارع والطرقات، وخلال حملته الانتخابية تعهد أردوغان بحماية حقوق المثليين جنسيًا، وفي عهده شهدت تركيا مسابقة اختيار ملكة جمال المثليين جنسياً، كما تم إصدار أول مجلة للمثليين، وعقد أول حفل قران لزواج أول شابين مثليين، في تاريخ تركيا.
ومع ذلك يعتبرون أردوغان هو خليفة المسلمين، ونفس الأمر ينطبق على تصريحات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإخوانية في تونس بشأن المثليين حيث قال: – “من واجب المشرع إيجاد حل لهذه الفئة المهمشة، فالمثلي إنسان ومواطن بدرجة أولى ومن الواجب أن توضع قوانين تحميه وتنظم علاقاته الجنسية التي تبدو للكثيرين غير منطقية ولكنها موجودة ويجب أن نتأقلم معها”.
ومن منهجهم المعروف في ذلك التغير المفاجئ في تصنيف الأنظمة أو القائمين عليها، والانتقال في ذلك من النقيض إلى النقيض بلا مبررات مقنعة، وبدون أدلة ظاهرة، سوى الخلاف السياسي فقط، مما يشكك في مصداقية ما يدعونه من مناصرة الشريعة.
من ذلك تغير موقفهم من عبد الناصر بمجرد حدوث الخلاف معه، ورغم أن عبد الناصر كان أحد أفراد النظام الخاص بالجماعة إلا أنه بمجرد اختلافهم معه كفروه واتهموه بأنه يهودي -هكذا بدون مقدمات-، ونفس الأمر تكرر مع السيسي فبعد أن وصفه المهندس خيرت الشاطر بأنه صوام قوام حافظ للقرآن، قالوا عنه بعد ذلك إنه يهودي وأمه يهودية. كذلك موقفهم من الجيش المصري الذي وصفه الدكتور محمد مرسي بأنهم “رجال من ذهب” ومدح وزير الدفاع علنًا وعلى الملأ، إذ بهم ينعتونه بجيش كامب ديفيد، وجيش الراقصات وغيرها. فالإخوان كما يقول القرضاوي: إذا أحبوا شخصاً رفعوه فوق السماء، وإذا أبغضوه وضعوه تحت أقدامهم.
واليوم يأتي موقفهم المخزي من التطبيع مع الكيان الصهيوني من خلال ثلاث دول عربية وإسلامية يتصدر فيها الإخوان قيادة المشهد السياسي، في المغرب، وتونس، وتركيا.
فيا إخوان العالم..
رجوناكم ألا تحدثونا عن الخيانة مرة أخرى..
فلقد قمتم عبر ممثليكم في هذه الدول بالوقوع في أكبر خيانة بالتطبيع مع الدولة الصهيونية اللقيطة، وأنتم الآن بين واقع في التطبيع كما في المغرب وتونس، أو مدافع عنه بتبجح وغرور، وبين صامت. أما خليفة الزمان وأرطغرل العصر ومحرر الشعوب من الاستبداد “أردوغان” فيأتي على رأس المطبعين متجاوزا مرحلة التطبيع إلى السوبر تطبيع، وطبعا لا عزاء للمغيبين والمغفلين والمخدوعين الذين ما زالوا يرون أن “الإخوان أمل الأمة”.
لقد كانت القضية الفلسطينية هي المرتكز الأساسي الذي تستخدمه جماعة الإخوان لتسويق نفسها أنها جماعة إسلامية، وفي سبيل ذلك كانوا يقعون في كافة الانحرافات العقدية والشرعية، فإذا أنكرت عليهم قالوا: الإخوان هم من يدافعون عن قضايا الأمة، فهل يوجد أحد غيرنا يدافع عن القضية الفلسطينية؟ أما الآن فقد ظهر لكل منصف أن هذا الأمر لم يكن سوى استغلال سياسي للقضية، أضر بالقضية أكثر مما أفادها، وأفاد الإخوان أكثر مما نفع القضية.
لقد صدع الإخوان رؤوسنا لسنوات بحلم التغيير من القمة، وأنهم متى وصلوا لرأس السلطة سيغيرون كل شيء، فإذا بهم يبيعون دينهم ويخونون قضيتهم ويطبِّعون مع الأعداء ويتحالفون مع الخصوم، فها هو الخليفة المزعوم لم يغلق عبر سنوات بيت دعارة واحد، ولم يحرك ساكنا تجاه الشواذ الذين يملئون بمظاهراتهم شوارع إسطنبول، أما في مصر فحدث ولا حرج عن الخيانة الإخوانية لقضايا الدين والأمة خلال عام واحد فقط، والحمد لله أنهم لم يستمروا.
فوجدنا بدايات التطبيع مع الصهاينة من خلال اللغة الناعمة بين الدكتور مرسي في خطابه لصديقه بيريز، ورأينا المبادرة المشؤومة من عصام العريان لعودة اليهود إلى مصر بزعم أن عبد الناصر ظلمهم لما طردهم – “واخد بالك، عبد الناصر اللي بيتهمه الإخوان إن أمه يهودية”، ووجدنا التطبيع كذلك مع خصوم الأمة بفتح العلاقات على مصراعيها مع دولة إيران المجوسية، وفتح الباب لهم لغزو ثقافي خبيث تحت مسمى السياحة الإيرانية.
ووجدنا التطبيع مع الفساد الأخلاقي حيث قام الدكتور مرسي باستقبال الفنانين والفنانات وتكريمهم، وقام حزبه بعقد احتفالية غنائية في الغردقة لتنشيط السياحة ودعي لها المطربة الراقصة دوللي شاهين، وحضر الحفل حلمي الجزار، وثالث الفضائح مد تصاريح الكباريهات لثلاث سنوات بعد أن كانت لسنة واحدة في عهد مبارك.
فهل مازال هناك مخدوع في أن هؤلاء يمثلون المشروع الإسلامي، ويسعون إلى إقامة حكم الله في الأرض؟

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.