فشل العمليه التعليميه

الكاتبة العراقية د ميسون البياتي

د. ميسون البياتي
واكبنا العمليه التعليميه دارسين وتدرسيين في جامعات عده عراقيه وعربيه وأجنبيه مدة تجاوزت نصف قرن ونستطيع التأكيد على فشل العمليه التعليميه عالمياً ومحلياً لأسباب عديده سنشير اليها متسائلين : كيف يحق لنا بعد هذا التخطيط البائس أن نتطلع الى مخرجات باهره !!؟؟
نبدأ أولاً من توفير فرص التعليم للطالب عن طريق مجانية التعليم . تفشل خطط التعليم اذا كان هناك تصور أن على الدوله أن تتحمل نفقات تعليم الطلاب من مرحلة محو الأميه حتى الحصول على الدكتوراه , لأن هذا هذر وتضييع لنفقات لا طائل من ورائها , لن تنتج غير أفواج من الأمية المسلحه تشبه المليشيات المسلحه , يحتلون المواقع بشهاداتهم لا بعقلياتهم المتفتحه , شهادات تشبه السلاح المنفلت فالتعليم لا يعني الوعي والثقافه , خصوصاً في المجالات العلميه حيث تجد الدارس يحفظ عن ظهر قلب أعقد المفاهيم العلميه لكنه أمي من الناحية الثقافيه والحضاريه والإنسانيه , وحولنا أمثله من حملة أعلى الشهادات ممن يحتلون المواقع الأولى في الدوله لكنهم يتخذون قرارات لها العجب , أو على الأقل لو أخذنا جوله على المقالات التي تنشر على المواقع لنتعرف على العقليه التي يفكر بها حملة الماجستير والدكتوراه أو من حملة درجات الأستاذيه لندرك ذلك دون شك

من المفيد أن تدعم الخطط التعليميه مشاريع محو الأميه وتعليم التلاميذ مجاناً حتى نهاية المرحله الإعداديه وهذا من واجب الدوله , بعد ذلك على الطالب الذي ينتسب الى الجامعه أن يتحمل بنفسه نفقات تعليمه لكي يختار دراسة يرغبها حقاً لكي يدرسها بشغف والتزام , وليست شهاده يحصل عليها والسلام من كليه يداوم فيها بالكاد ويتخرج منها بأدنى المعدلات
لا ينبغي للعمليه التعليميه أن تمضي بمعزل عن العملية التربويه للفرد في المجتمع . منذ وصول الفرد الى مرحلة الدراسة الجامعيه علينا تعليمه كيف يكسب رزقه بنفسه وكيف يستقل اقتصادياً عن أهله ليتمكن من تخطيط حياته وايضاح رأيه واختيار طريقه , لا يجوز أن نربي أولادنا تابعين , من المعيب أن يكون أبناءَنا طلبة جامعيين ويتقاضون مصروفهم من ذويهم وكأنهم أطفال قُصَّر, كيف سنعلمهم نمو شخصياتهم اذا لم يتحملوا نفقات تعليمهم على الأقل , فمن استطاع منهم أن يعمل الى جانب دراسته فليعمل , ومن لا يتوفر له العمل فعلى الدوله أن تمنحه سلفاً دراسيه تتجدد كل عام حتى إنهاء دراسته يقوم بتسديدها حين يعمل مستقبلاً , بأقساط قليله من راتبه لحين تسديدها كامله , وعلى هذا الأساس فمن يقرر عدم إكمال دراسته الجامعيه فهو حر وسوق الأعمال الحره مفتوح أمامه على مصراعيه وبإمكانه أن يختار منه النقطه التي يرغب البداية منها

حين نقبل الطالب في دراسة جامعيه , لماذا نعوده على التبعية الفكريه ثم نطلب منه بعد ذلك أن يكون مبدعاً مبتكراً ؟ هل يستطيع طالب جامعي أن يقول رأياً دون أن نطالبه بذكر مصدر لهذا الرأي , حتى دون أن نستمع إليه عله يتمكن من إثبات رأيه بنفسه ودون مصادر يتعكز عليها ؟ ثم بعد ذلك نربطه بالتخصص الدقيق لدراسته فنخرّجه شخصاً يعرف كل شيء عن لا شيء والمثال المفضل الذي نضرب به المثل في هذا المجال هو حامل الدكتوراه في المسامير , يعرف كل شيء عن اطوالها ومعادنها واستعمالاتها ولا يفقه أي شيء سواه … متناسين أن دارس التاريخ يجب أن يبدأ من علم الفلك , ودارس الفن يجب أن يبدأ من علم النفس , ودارس علم النفس يجب أن يبدأ من الفلسفه , ومن نطالبه بصناعة الأجهزة الطبيه علينا أن نسمح له بدراسة الطب والفيزياء معاً . ألسيت التبعيه الفكريه والتخصص الدقيق من أولى معوقات تطور عقل الباحث ؟ فلماذا أقرتهما العمليه التعليميه ؟

في الدول ذات النظم الرأسماليه يكون التعليم العالي في جامعات خاصه تحتاج الى التمويل فتذهب الجامعات الى أصحاب رؤوس الأموال لمطالبتهم بمساعدتها , يشترط أصحاب الأموال متخرجين يقومون بخدمة صناعاتها ووظائفها فبدأت فكرة ربط التعليم بسوق العمل . انتجت هذه الفكره جيل يطلب العلم من أجل العمل , فاصبح العلم وسيله بعد أن كان غايه , وبدأنا نخرّج أجيال من التافهين علمياً لا نجرؤ على مطالبتهم بإبداع , وحتى لو جرؤنا فلن يكون هناك مجيب
محلياً نحن لسنا دول رأسماليه نحن دول ريعيه تعيش على واردات النفط بحاجه الى تنشيط صناعاتها وزراعتها وحرفها المختلفه استعداداً لمرحلة ما بعد النفط التي هي آتيه لا ريب في ذلك .. لمذا تربط تعليمها بسوق محدود للعمل , بينما يمكن نشر متخرجيها ليملؤا البلاد بأفكارهم ومشاريعهم والعمل فرادى وجماعات بدل حصرهم جميعاً في قاطع عمل محدود وتقييمهم على انهم : بطاله مقنعه ؟؟
أصبحت الجامعات الأهليه في أوطاننا مثل الفضائيات التي تبث سمومها ليل نهار دون وازع ولا رقيب رغم وجود الرقيب . قبول دون ضوابط وتخريج كيفي يشبه حفلات التخرج التي يقيمها الطلبه في كلياتهم لتدل على تدني سلوكي وذوقي واجتماعي مؤلم ينزل هيبة العلم والتعليم الى الحضيض
في جامعات الخارج تجد التعليم تجارياً صرفاً والإستاذ الجامعي يشرح المحاضره وكأنه في سباق ماراثون وأن تفهم أو لاتفهم فهذا ليس شأنه .. يهمهم رسوب الطالب لكي يجدد دفع اجور دراسته عدة مرات قبل أن يغادر الفصل الدراسي الى الذي بعده , لكن مظاهر الحياة الجامعيه من حيث القواعد والأطر وانضباط سلوك ومظهر الطلبه في اعلى مستوياتها ولا يسمح في حفلات التخرج بغير الروب والقبعه الجامعيه والمسيره الجامعيه التقليديه , ولا مكان لكرنفالات الأزياء والرقص والسوقيه التي تقع في جامعاتنا وتقع مسؤوليتها على عمادات الكليات , وأولياء الطلبه , وسياسة المجتمع في تربية ابنائه .. وخطط تعليميه تصمم بفشل وتريد لنتائجها النجاح
من خصائص عصر العولمه في كل مكان من العالم : حكومات رديئه , تنامي معدلات الفساد بشكل غير مسبوق , ثقافه محدوده , تعليم أقل , أجور أعلى ينفقها المواطن بشراهه لشراء الكماليات والجنس والمخدرات في بيئات تطحنها النزاعات والحروب

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.