فحص العذرية، معاينة ‘البضاعة’ قبل ‘الشراء’!

د. عماد بوظو/ : موقع الحرة
أصبح من المألوف أن تسير المجتمعات العربية بطريق معاكس لخط تطور بقية البشرية. من آخر الأمثلة على ذلك انتشار اختبارات فحص “العذرية” في بعض المجتمعات العربية، والتي تهدف إلى التأكد من سلامة غشاء البكارة، حيث يقوم بإجرائها في العادة طبيب أو قابلة ـ والقابلة هي المرأة التي تقوم بتوليد سيدات البلدة أو الحي.
تاريخيا، قامت بضعة قبائل إفريقية باستخدام هذا الاختبار أثناء تفشي مرض الإيدز، وكانت تطبقه العائلة المالكة البريطانية على من تريد الزواج من هذه العائلة، قبل أن تتوقف ممارستها في الوقت الحالي.
ترفض الأغلبية المطلقة من الفتيات والنساء القيام بفحص العذرية
لم يكن فحص العذرية شائعا في المجتمعات العربية إذا، رغم استخدام دليل الدم بعد الزفاف كمؤشر على “العذرية”. والسبب هو انتفاء أي خلفية دينية لهذا الاختبار، لا بل تكاد تُجمع كافة المصادر الإسلامية على عدم جواز إجرائه باعتبار أن ذكره لم يرد في التراث الإسلامي. فضلا عن ذلك، يعد إجراء فحص العذرية من سوء الظن كونه يُضمر اتهاما مسبقا أو حكما أخلاقيا على النساء، بل ويعتبر بمثابة قذف للمحصنات.
هذا بالإضافة إلى أن إجراءه يتطلب الكشف عن العورة بدون ضرورة شرعية، وفي القوانين المدنية للبلدان العربية لا يوجد ما يدعو أو يشجع على إجراء هذا الاختبار.
كما أدانت المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية اختبارات العذرية باعتبارها تمييزية ومهينة بحق النساء والفتيات، معتبرة إياها شكلا من أشكال التعذيب والمعاملة اللا-إنسانية للنساء؛ وقالت ليسل غيرنتهولتز مديرة قسم حقوق المرأة بمنظمة “هيومن رايتس ووتش” إن “وجهة النظر الطبية المقبولة على نطاق واسع تقرّ بأن اختبارات العذرية لا قيمة لها”، كما أن فحص العذرية في غير حالات الاعتداءات الجنسية والاغتصاب أو الحوادث والعمليات الجراحية في منطقة الأعضاء التناسلية، هو أمر مخالف لأخلاقيات مهنة الطب، كون أي إجراء طبي يستوجب وجود داعي صحي يبرّره، فطلب الخاطب إثبات عفّة خطيبته، أو طلب الأنثى إثبات عدم خوضها تجارب جنسية من خلال هذا الفحص ليس له داعي من الناحية الطبية.
يجري هذا الفحص عادة عن طريق مشاهدة غشاء البكارة بالعين المجردة، وأضاف بعضهم اجتهادا بإدخال إصبع لمعرفة “ارتخاء عضلات المهبل” وهذا ادّعاء غير صحيح من الناحية الطبية ويعكس رغبة بإلحاق إهانة إضافية بالمرأة. وبما أن مشاهدة غشاء البكارة سليما لا ينفي حدوث أشكال مختلفة من العلاقات الجنسية؛ هذا بالإضافة إلى إمكانية إجراء عمليات ترميم وترقيع لهذا الغشاء، وإمكانية تعرض غشاء البكارة لتمزقات عرضية لا علاقة لها بإقامة تجربة جنسية، وتنتفي بذلك “الفائدة المرجوة” من إجراء هذا الفحص.
انتشار ممارسة فحوص العذرية في المجتمعات العربية


رغم كل ما تقدم، تصر بعض المجتمعات العربية على إجراء فحوص العذرية. ففي المغرب يعتبر هذا الاختبار شائعا ومن المألوف وجود شهادة العذرية ضمن وثائق معاملات الزواج، بل إن هناك أوساط محافظة في المغرب تعترض على منع هذا الفحص لأنها ترى أن منعه يهدف إلى “نشر الرذيلة والتشجيع على العلاقات الجنسية خارج الزواج”.
في المقابل، قامت حملة نسائية تحت عنوان “فرجي ملك لي”، قالت فيها الناشطة الحقوقية سارة العوني: إن إرغام الفتاة على الخضوع لفحص إثبات العذرية هو أمر يحط من كرامتها وهو شكل من أشكال الاغتصاب، ويؤثر على صحة النساء النفسية والجنسية”.
وكان وضع الجزائر قريبا من المغرب إلى أن جمدت الحكومة الجزائرية فحص العذرية عام 2016 ولكن من الصعب معرفة مدى التزام الناس بهذا القرار.
وشهد هذا الفحص انتشارا خلال السنوات الأخيرة في الأردن، وقال الدكتور مؤمن الحديدي رئيس المركز الوطني للطب الشرعي عام 2009 إن “1200 فتاة يتم فحصهن سنويا من أجل الكشف عن عذريتهن”، مما يوضّح وجود أزمة ثقة مجتمعية، وتراجعا ثقافيا وأخلاقيا هدفه السيطرة على أجساد النساء.
افتتاح الحياة الزوجية بهذه الطريقة لا تساعد على قيام علاقة صحية سليمة
وفي العراق قال الدكتور منجد الريزه لي مدير معهد الطب العدلي في بغداد إن هذه الفحوصات تجري في المعهد، ومعظمها يكون قبل الزواج أو بعد اليوم الأول منه، حيث يزعم الزوج أن عروسه ليست عذراء فتأتي العائلة بها بأمر قضائي، ثم ترسل نتائج الفحص للمحكمة ولا تسلّم للعائلة. ويشير الدكتور سامي داوود من نفس المعهد، إلى أن القضية محرجة وأغلب النتائج تكون لصالح المرأة.
كذلك ارتفعت في مصر خلال السنوات الماضية حالات إجبار الفتيات على إجراء كشوف عذرية، وكان لتصريحات النائب بالبرلمان المصري إلهامي عجينة التي طالب فيها عام 2016 بإجراء فحوص عذرية دورية لطالبات الجامعات المصرية، تأثير صادم على المجتمع المصري، ورغم اعتذار النائب عنها وادعائه أنها مجرد اقتراح لحل مشكلة الزواج العرفي لكنها كشفت عن تأييده لإجراء مثل هذه الكشوف.
وهناك القضية الكبيرة التي أثارتها سميرة إبراهيم ورشا عبد الرحمن عندما كشفتا عن تعرضهما مع مجموعة من المتظاهرات لكشوف العذرية أثناء حكم المجلس العسكري في بداية عام 2011 بقصد تعمّد إهانتهن، أو محاولة تلفيق تهم أخلاقية لهن، وقد أصدر القضاء المصري بعد سنتين قرارا بوقف إجراءات كشف العذرية، واعتبره “انتهاكا لحرمة جسد الإناث وعدوانا على كرامتهن”، لكنه لم يطالب بمعاقبة من قام بها أو من أمر بإجرائها.
تمييز اجتماعي بحق النساء ببعد اقتصادي طبقي
رغم وجود بعض الأسباب الاجتماعية والثقافية التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، مثل انتشار طرق الزواج التقليدية في المدن الكبيرة حين لا تزال تسود العقلية الذكورية في تطبيق الزواج المرتّب مسبقا، ومع ما يترافق معها من نظرة ثقافية دونية للنساء ولأدوارهن تحرمهن من السيطرة على أجسادهن و”تشكك” بنمط حياتهن، إلا أنها تخفي جوهرا اقتصاديا ـ طبقيا في العمق، لأن تطبيقه يكاد يقتصر على النساء والفتيات من الطبقات ذات الدخل المحدود في المجتمع، حيث لا يوجد من يجرؤ على طلب إجراء هذا الفحص من ابنة إحدى العائلات الثرية أو العشائر الكبيرة أو شقيقة أحد الزعماء أو الوجهاء، تماما كما أنه من الصعب إجبار امرأة ناجحة ومستقلة اقتصاديا على القيام به.
ولهذه الأسباب، لم ينتشر فحص العذرية في المجتمعات الخليجية مثلا رغم أنها محافظة اجتماعيا وتمارس بشكل عام شكلا متشددا من التديّن، ولكن الإهانة التي يتضمنها طلب إجراء هذا الفحص، وترافق ذلك مع الوضع الاقتصادي الجيد عموما لطرفي عقد الزواج يلغي الحاجة للقيام به.
يمكن حصول مضاعفات نتيجة الإصرار على هذه الاختبارات مثل الانتحار أو جرائم قتل بذريعة “الشرف
ففي الزواج المتكافئ، يتم احترام خصوصية ونمط حياة كل طرف من قبل الآخر، وبالتالي على الطرفين أن يقبلوا أو يرفضوا بعضهما على حقيقتهما، “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”؛ بينما ليس من المستغرب عند الزواج من فتاة فقيرة أن يُطلب منها إجراء فحص العذرية، لأن عقد الزواج في هذه الحالة يأخذ شكلا ثقافيا في تلك المجتمعات يسعى إلى تشيء النساء في عقد قريب من “الشراء” ويكون المهر بمثابة “الثمن”، وبالتالي من الطبيعي “معاينة البضاعة” قبل إتمام “الصفقة”!
تعتقد المرأة المتمكنة أن طلب تقديم كشف حساب بتصرفاتها هو محض إهانة ليس من السهل تقبّلها، ولذلك ترفض الأغلبية المطلقة من الفتيات والنساء القيام بهذا الفحص. وافتتاح الحياة الزوجية بهذه الطريقة لا تساعد على قيام علاقة صحية سليمة مبنية على الثقة والمحبة والتفهّم، ولا يمكن تجاهل إمكانية حصول مضاعفات كبيرة نتيجة الإصرار على هذه الاختبارات مثل حالات انتحار أو جرائم قتل بذريعة “الشرف” وغيرها، لذلك لا بد من بذل المزيد من الجهود على كل المستويات لإيقاف هذه الإجراءات المهينة والمدمرة بحق المرأة والعائلة والمجتمع.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.