غيروا أنفسكم قبل أن يخبطكم العالم ويدوسكم حتى تتغيروا

منذ سنوات طويلة وأنا أتردد على نفس الصالون، على الأقل مرة بالإسبوع.
تجرفني باتجاهه طاقتي الإيجابية المماثلة لطاقته… الصالون مختص بالعناية بالقدمين واليدين، وهناك ركن يختص بالمساج… المالك وكل العاملين فيه فيتناميون، والمكان يغص بالزبائن من مختلف الأعراق والألوان…
….
عندما أتجاوز عتبته أتوجه فورا إلى الطاولة الإمامية حيث يمكث تمثال بوذا، وأمامه الشموع وصحون الفواكه الطازجة، ثم ألقي قطعة نقدية في يده، ايمانا بأنها صلة الوصل بيني وبينه، ومعبر لطاقته الإيجابية منه وإليّ…

تلك الطاقة التي أشعر بتيارها يجتازني ويمسحني من كل أثر لشعور سلبي،
اجتاحني منذ آخر مرة زرت الصالون كما وأشعر أن روحي تقمصت ثوبا جديدا زاهيا بكل ألوان الحياة…
…..
كذلك، وكعادتي كل يوم أتوجه صباحا إلى مقهاي المفضل كي أحتسي قهوتي،
وأستمد من المحل طاقته الجميلة التي تزيت مفاصلي وتضخ الوقود في شراييني…..

ليوم الأحد عبق خاص… فكلما وصلنا إلى المنعطف الذي يقودنا من الشارع الرئيسي إلى المقهى أرى ثلاث نساء من أصول اسبنيولية، يحملن لوحات ويلوحن بها للسيارات التي تعبر التقاطع. تقول اللوحات:
– الله يحبك… ـ هل أنت جاهز للجنة؟… – زمّر اذا كنت تحب المسيح..

الزمور ليس ممنوعا بالقانون، لكن من شبه المستحيل أن يزمر سائق إلا لتنبيه سائق آخر على خطر ما. لذلك، يمر الناس بسياراتهم، وقلما تسمع أحدا يزمر،
إلا أنا فأزمر ذهابا وإيابا، لأنني أحب المسيح، ولكي أرسم البهجة على وجوه تلك النسوة، وأستمد من ابتسامتهم دفقا من طاقات الفرح…

منذ سنين كان لي جارة هندوسية…. دقت سوشما باب بيتي ذات صباح، وسحبتني من يدي وجرتني إلى سيارتها: (تمثال الإله الفلاني ينضح حليبا في المعبد القريب من حينا، وأريدك أن تكوني شاهدة على تلك المعجزة)

آلاف الناس يتجمهرون أمام المعبد، وسيارات البوليس تنظم السير بلا تزمر، وبكل أدب وإحترام! لم يتنس لنا أن ندخل من شدة الزحمة، ولكنني طمأنت سوشما بأنني على يقين لا يشوبه أدنى شك من أن التمثال ينضح حليبا، ومن أن إلهها هو الإله الحق!

الأحد الماضي كنت أحضر حفل تأبين داخل قاعة الملكوت التابعة لشهود يهوه،
والذين أعتز بهم كأصدقاء حقيقين ومخلصين وخلوقين… والسبت الذي سبقه حضرت عرسا ولا أجمل، في كنيسة القديس بطرس للأخوة الكلدانيين، والذين هم عائلتي في أمريكا…

الأحد الذي قبله استمعت إلى أجمل محاضرة في حياتي عن “مفهوم السعادة” في كنيسة تابعة للمورمون، والذين لي فيهم أصدقاء مقربون وأعزاء. أما كنائس الأقباط في منطقتي ، فلم يبق فيها كنيسة لم أتشرف بزيارتها… بينما نسيت عدد المرات التي دُعيت فيها للاحتفال بـ
Ben or Bat Mizhva
في معابد يهودية….

منذ عدة سنوات حكمت المحكمة في المدينة التي أعيش فيها لشابة مسلمة بمائة ألف دولار، لأن رجل بوليس أجبرها على أن تزيح حجابها كي يتأكد من هويتها…..
………………..
تلك هي أمريكا: (اعبد الحجر شرط أن لا تضرب أحدا بها) وأنا أقدس كل حجر يعبدها إنسان، ولا يفج بها رأس أحد… لهذا السبب، ولأسباب أخرى كثيرة، أحب أمريكا، وأعتبرها موطن الله…

….
هل أحد فيكم يستطيع أن يتخيل لو وقفت تلك النسوة على تقاطع طرق في مدينة إسلام آباد، وهن يحملن لوحات تقول ” هل تحب المسيح”، ماذا كان سيحصل؟

لو فتح فيتنامي محلا في الرياض ووضع تمثال بوذا على بوابته، ماذا كان سيحصل؟؟

لو تجمهر الهنود في شارع في قطر ليروا تمثال إلههم ينضح حليبا، ماذا كان سيحصل؟

لو ضبط رجل بوليس سعودي الإنجيل في حقيبة مسافر، حتى ولو كان مسيحيا، ماذا كان سيحصل؟

لو طرق شهود يهوه بابا في النجف كي يبشروا برسالة الإله يهوه، ماذا كان سيحصل؟

هل سيحصل لهم أقل ماحصل لبني قريظة في شبه الجزيرة العربية، أو ماحصل للبهائيين في عقر ديارهم في ايران؟
………
منذ أول سنواتي في أمريكا استهوتني الحرية التي يمارس بها الناس معتقداتهم. ولطالما تساءلت عن مصداقية الآية القرآنية التي تقول:
(لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)

لقد أرسى المسيحيون واليهود قواعد أمريكا، ولَم أسمع أنهم أجبروا يوما مهاجرا واحدا على أن يتبع ملتهم! على العكس تماما، حرية العبادة مقدسة ومضمونة في ظل الدستور الأمريكي، الذي يؤمن غالبية الأمريكان بأنه مستوحى من “الوصايا العشر”!
……..
لم تصل أمريكا إلى ماوصلت إليه من عظمة، عن طريق علم الرياضيات والفلك والهندسة والطب والعسكرة، بل وصلت إلى كل تلك العلوم مجتمعة، وأبدعت في مجالاتها، وبالتالي اكتسبت عظمتها، بعد أن أبحرت في غياهب النفس، وفهمت طبيعة السلوك البشري! وأدركت عندها أن عظمة أية أمة تأتي من عظمة الفرد فيها، ومن جودة تأهيله.

ليس هذا وحسب، بل أدركت أنها ـ ولكي تجيد تأهيل الفرد ـ يجب أن تمنحه أولا حرية المعتقد، تلك الحرية التي هي الأساس لكل الحريات الأخرى،
فلا إبداع بلا حرية!
……….
علماء النفس والسلوك في أمريكا لا يستهينون بأية ثقافة تحرض على القتل والإرهاب، ويدركون خطورة الأمر، حتى ولو كان أتباع تلك الثقافة من سكان الكهوف، وهم -أي الأمريكان- من سكان المريخ. فالكره والحقد من أقوى الأسلحة، وأشدها فتكا في تاريخ البشرية. لذلك، لا يكفون عن التخطيط لتقليم الأظافر قبل أن تستشري وتصبح مخالبا!
……….
الناقد والكاتب الأمريكي جورج كارلين، يقول:
Religion is like a pair of shoes…..Find one that fits for you, but don’t make me wear your shoe

(الدين يشبه زوج من الأحذية. أختر ما يناسب قدميك ولا تجبرني على لبس حذائك!)

أما في البلدان العربية والإسلامية فلا يوجد إلا قياس واحد، وعلى الكل أن يخضع له، من منطلق خوفهم على عقيدتهم، لأنهم يعون في أعماقهم مدى هشاشيتها. ليس هذا وحسب، بل وضعوا أنفسهم في مواجهة العالم كله، محكومين بتعاليم تحرض على الحقد والكراهية!
………….

تلك هي أمريكا… وستظل تحاربكم وتقلم أظافركم، حتى تعوا بربرية الثقافة التي ابتليتم بها، وتستبدلوها بثقافة إنسانية تضمن حقوق إنسانكم قبل غيركم!

لن تقوم لكم قائمة طالما ينهق رجل دين من على منابركم:
اللهم دمر اليهود والنصارى , لتجدن أبغض الناس للذين آمنوا اليهود…
غُلت أيدي اليهود ولعنوا بما قالوا…. فضرب الرقاب…..

سأبيح لكم سرا، لم يتوصل إليه محلل سياسي في تاريخكم… سرا من أسرار تلك الحروب التي تحصدكم، وستمتد لتحصد الجميع: (ستظل أمريكا تخبطكم حتى ترفعوا العشرة، وتعترفوا أنكم رهائن ثقافة بربرية، لم تعد تصلح للتعايش في هذا الزمن)

ولها في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا براهين على أن الخبط يعيد المنحرفين إلى حظيرة البشر!

لن ينبت لجوانحكم ريش حتى: تعود صديقتي اليهودية جميلة اشعيا إلى مدينتها حلب بسلام وطمأنينة… وحتى ينحني فيتنامي ويصلي بكل حرية أمام تمثال بوذا الذي نصبه داخل محله في النجف….. وحتى يذهب سعودي اعتنق المسيحية إلى كنيسته بلا خوف من سيف الإسلام.. وحتى يتوقف ضخ الحقد في عروق الناس من على منابر الجوامع ووسائل الإعلام… وحتى تتطهر المناهج الدراسية من ثقافة القتل والإرهاب….

لا أجيد “كولكة” السياسين والمنظرين والطوباوين وتجار الوطنية، إذ لم أكن يوما واحدة منهم، لذلك، سأقولها بصراحتي المعهودة، ومن منطلق قهري على مايجري في وطني الام:
“غيروا أنفسكم قبل أن يخبطكم العالم ويدوسكم حتى تتغيروا، غيروا أنفسكم عن رضى وطواعية قبل أن تتغيروا بالقوة وغصبا عنكم” ولكم في الواقع الذي تعيشونه اليوم شاهد حيّ على صحة ما أقول، وسيأتيكم الغد بمزيد من الشواهد والبراهين، إلاّ ـ اللهم ـ إذا سبقه التغيير!
….
….
وإن غدا لناظره قريب…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to غيروا أنفسكم قبل أن يخبطكم العالم ويدوسكم حتى تتغيروا

  1. س . السندي says:

    سيدتي الفاضلة هذا سر سأبيحه لك …؟
    التقيت أحد المسؤلين الامريكان قبل 19 عاماً في ألاردن ، رتبه صديق لي مقيم في أمريكا ، ولم أكن أريد إحراجه وإحراج صديقي لمساعدتي في السفر الى أمريكا ، فكانت له ولي فرصة الكلام ما يقارب الساعة ، فقلت له لماذا تدعون “الاٍرهاب الاسلامي” يتمكن من رقاب الناس الابرياء ، وهل يعقل من يريد قتل كلب أو ذئب عليه أن يحرق غابة (كنت أقصد العراق وصدام) ؟
    فسالني مبتسماً ، كم كتاباً قرات وكم دولة زرت ، فاستغربت من سواله ، وظننت أنه سيسألني عن شهاداتي وخبرتي وعمري وعملي وو ؟
    فقلت له من الكتب ما لا حصرة لها ، ومن الدول فقط تركيا وايران ومن زمان والان أنا في الاْردن ؟
    فقال ستفهم ولكن بعد عشرين سنة ، وبعد أن أدرك مدى حيرتي قال {مالم يكتوي أهل الشرق بنيران ارهابهم لن يفيقو من سباتهم} فقلت في قلبي { يا ابن ال …سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.