عودة الفكر الإمبراطوري ..2

في المقالة الاولى من هذه السلسة تركزت المناقشات حول التطور في القوى داخل الولايات المتحدة … كان ذلك قبل انتخاب الرئيس ترامب … و لكن ظهور نموذج الرئيس ترامب و تفكيك مركزية القرار الامريكي اثبت بشكل ما الثيمة الرئيسية للمقالة..

الان و قبل ايام حيث احتفلت القوى العالمية بذكرى الانتصار في الحرب العالمية الاولى فان مؤشرات اخرى فرضت نفسها… في البداية و لا ادري كيف يعتبر ذلك انتصار رغم ان لا احد يشك في ان الحرب العالمية الثانية كانت امتدادا “طبيعيا” للظروف و الدوافع التي أدت الى نشوب الحرب الاولى و النتائج الكارثية في مستوى الدمار و الهيمنة و الإقصاء التي صنعتها آلة الحرب و قواها المنتصرة و المنكسرة … كما كانت الحرب العالمية الاولى هي نفسها امتداد للحروب الامبراطورية و صراع القوى الكبرى و المحلية على السلطة و الاقتصاد و الهيمنة السياسية و الاجتناعية…

لكن احد المؤشرات السياسية “الجديدة” التي تحدث عنها “المنتصرون” هو العودة الى الكلام عن الدولة الوطنية .. او اعادة بلورة مفهوم “الوطنية” في ظل اليات العولمة التي اختزلت و تجاوزت الحدود التقليدية لمفهوم الدولة و السيادة و المصالح الخارجية و الداخلية … الخ..؟؟..

لاشك ان الكلام عن عودة “الروح الوطنية” ليست وليدة هذه الأيام فقد ظهرت في العديد من الدول الأوروبية قوى سياسية يسارية و يمينية اتسمت طروحاتها بنغمة معادية للعولمة و اليات السوق التي اختزلت القوى المحلية الى ما يشبه وكلاء كومبرادروية بسيطة في دورها و قوة تأثيرها على الساحة المحلية ( الوطنية)… لكن سرعان ما تحولت هذه القوى السياسية “المعادية للعولمة” الى تكوينات تناهض الأجانب و تختزل “الوطنية” في أتون ايديولوجيا اثنو-عنصرية تذكرنا بظروف نشوء و هيمنة القوى النازية و الفاشيستية من حيث طبيعة تأويلها لمفاهيم “الانا الجمعية” و”الاخر غير محدد المعالم”… بدلا من الوقوف الجدي امام هيمنة قوى السوق و تفكيك اليات سيطرتها و هيكلياتها البنيوية …

في محاولة للتهرب من هذه المقاربة التاريخية حاول الرئيس الفرنسي ماكرون الذي استضاف احتفالات النصر ان يفرق بين مفهومي “القومية” و “الوطنية” التقليدين و الذين شكلا أساساً للحروب العنصرية و الاستعمار الاقتصادي و العسكري .. حيث قال الرئيس ماكرون … انا لا ادعو الى القومية و لا الوطنية ذات الحدود المقفلة… انا ادعو الى الاولوية الوطنية في تحديد السياسيات و العلاقات مع القوى الدولية… !!!.

بشكل يبدو ان الرئيس ماكرون لم يكن موفقا تماما في محاولاته إسدال صبغة معرفية لمشروع “امريكا اولا” … هذا المشروع الذي احتل العناوين و الاهتمام العالمي منذ ان نطق به ترامب .. رغم ان الطرح ليس جديدا كما ذكرنا في اوروبا و غيرها من بلدان العالم و منها بعض دول الشرق الأوسط (و ان كانت الدوافع و الرؤى مختلفة)… لكن مصطلح “الوطن اولا” يعود الى عقود … و لذلك فان اعادة بلورتها الان في المجتمعات الغربية و خاصة في دول تهيمن على اليات العولمة تمثل اشكالية آنية و مستقبلية في تطور العلاقات في العالم …

هنا اعتقد ان العودة الى طروحات “الوطنية و الوطن اولا” إنما تمثل مرحلة جديدة من مراحل تطور اليات العولمة حيث انها من ناحية توفر إمكانية تهرب القوى المهيمنة في العالم من المسؤلية الدولية وفق القوانين و الاتفاقيات و غيرها … و من ناحية ثانية تخلق مساحة شاسعة للدول الكبرى لتحقيق مصالحها “الوطنية” وفق اليات و أخلاقيات تحددها ذاتيا دون الرجوع الى مستلزمات الالتزام بحدود السيادة و الخارطة الجغرافية و الاقتصادية للدول الاخرى..

بكلام اخر … نحن ازاء حالة من التراجع التاريخي و التخلي عن مفهوم التنظيم المجتمعي الضامن لحقوق و وجود الكيانات المادية و الانسانية معنى الدول و المؤسسات و المنظمات و المصالح و كذلك الانسان أفراداً او جماعات…

هذه الحالة تعيد التاريخ الى مجموعة الهيكليات و الاليات التي كانت سائدة في عهد الإمبراطوريات السابقة حيث ان القوى العسكرية السياسة الاقتصادية كانت تتمدد و تتقلص وفق منطق القوة و الصراع المفتوح حيث لا حدود للطموحات و لا احترام للكيانات الاخرى … و هي الحالة التي بنيت على أنقاضها مفهوم توازن القوى في بدايات ظهور الدولة القومية و التي على اساسها ايضا انتشرت ثقافة الاستقرار السياسي و المجتمعي في اطار حدود سيادة الدولة…

مفهوم سيادة الدولة تعرض الى اختراقات كبيرة في ظل اليات العولمة خلال العقود الثلاث الاخيرة… و تفريغ القانون الدولي و الاتفاقيات الدولية من قيمتها الإجرائية اصبح من هوايات الرئيس ترامب و استعراض القوة السياسي و الأيديولوجي و التنظيمي للقوى الشعبوية في أوروبا شرقها و غربها و في الولايات المتحدة و امتداد ذلك الى بعض دول العالم الثالث يمثل جرسا يرن بقوة… هل يجب ان نعتنق فكرة ان “الإمبراطوريات عائدة و على قيم احترام حقوق الانسان السلام”..؟؟.. ربما..!!

في المقالة القادمة سنتحدث عن مآلات هذا التطور في الفكر و المشاريع السياسية على امكانات المحليات ” الدول الصغيرة و الضعيفة و قواها المختلفة” على التعاطي مع هذه الاشكالية …حبي للجميع.

About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.