عن الشيخ الذي قلنا إن الأسدية أخفت “إسلامه المُعتدل”

الاسد بين سواعده اليمنى من الشيوخ السلطان

رستم محمود

“فالسلطة الأسدية، ودائماً حسب هذه الرؤيا، كانت قد أسست ورعت مجموعة من المشايخ الرسميين/السُلطويين”
فيما يتعلق بـ”الإسلام السوري”، إن صحت التسمية، ولعقود طويلة، كان ثمة رؤية فكرية سوسيوسياسية تُسيطر على وعي النُخب الثقافية والسياسية السورية، تقول إنه ثمة في سوريا “نوعان” ظاهران من الإسلام العام/السياسي، وثالث تُغيبه المنظومة الحاكمة بقصدية تامة، لأغراض سياسية سلطوية.

فالسلطة الأسدية، ودائماً حسب هذه الرؤية، كانت قد أسست ورعت مجموعة من المشايخ الرسميين/السُلطويين، الذين يحمدون بجاهها، تماهياً ومديحاً، يلتزمون بتوجهاتها وخطاباتها ورؤيتها لأحوال البلاد والإقليم، ويغضون النظر تماماً عن كُل ما قد يمسها. كان شيوخ من مثل مفتي الجمهورية أحمد كفتارو والشيخ الشهير سعيد البوطي ومؤسساتهم الفقهية والدعوية نماذج عن ذلك الإسلام السلطوي.

على الدفة الثانية، كانت البنية الأمنية والسياسية للأسدية تفرز إسلاماً راديكالياً مُتطرفاً، ترعى تنظيمات وقوى جهادية عابرة للحدود، يستخدمها النظام حسب حاجاته، بالذات في تعاونه الأمني مع أجهزة الاستخبارات الغربية، وإرعاب جزء من المُجتمع السوري من الجزء الآخر.

مقابل ذلكم النموذجين، فإن رؤية هؤلاء المثقفين والسياسيين المعارضين السوريين، كانت تدعي إنه ثمة إسلام اجتماعي وشعبي سوري يتم تغييبه تماماً، كان البروفيسور صادق جلال العظم يسميه “إسلام السوق”، فيما كان آخرون يسمونه “إسلام الشام”. فهذا “النموذج من الإسلام”، وأيضا حسب هذه الرؤية، كان يجمع الاعتدال الشرعي بروح الانفتاح العقلي والحياتي، وإن بشيء من المحافظة الاجتماعي. يجمع ذلك مع الكثير من صحوة الضمير وسمو المشاعر الروحية، والقابلية للتآلف مع الحداثة، بالذات في قيمه وآليات عمله السياسية والاقتصادية والبيروقراطية. كانوا يقولون إنه هذا النموذج من الإسلام هو الأقرب لروح المتدينين الأوروبيين، الذين جمعوا المحافظة الاجتماعية بالسمو الروحي مع الحداثة السياسية والمؤسساتية والقانونية.

لعقود كثيرة، ادعت خطابات قوى المعارضة ومثقفيها إن ذلك الإسلام هو “الحل”، لأنه ينتشل الإسلام، كدين وكأكبر مُحرك للمُجتمع والحياة العامة، ينتشلها من كِلي النموذجين المُستقطبين، إسلام السلاطين وإسلام العنف العابر للحدود، وتالياً فإنه إسلام مُضاد للاستبداد السياسي والاجتماعي بجوهره وديناميكياته الداخلية، لذا كانت السلطة مُصرة على تغييبه.

لفترة طويلة، بقيت تلك الرؤية تُغري الكثير من السوريين المعارضين، من أناس وفاعلين سياسيين وثقافيين، من غير المُتدينين والأعضاء في الحركات اليسارية والمدنية، مروراً بالمتأتين من الجماعات الأهلية السورية من غير المُسلمين السُنة. كان كل هؤلاء يمنون النفس أن يكون ذلك الإسلام دافعاً لأن تنبلج كُتلة شعبية وطنية كُبرى، مناهضة للاستبداد حقيقة، بشكليه السياسي والمجتمعي، وأن يكون ذلك النموذج من الإسلام شريكاً وفياً في هذا التطلع نحو مستقبل يحترم التنوع والخصوصيات ويبني دولة ديمقراطية.

كانت جماعة زيد الدينية أكبر تكتل وأوضح مثال لما كان يُقصد بذلك النموذج من “الإسلام المعتدل”. فالفرقة الدعوية هذه، التي أسسها الشيخ عبد الكريم الرفاعي، والد الشيخ أسامة الرافعي، منذ أواخر العصر العثماني، كانت توحي بأنها تمثل ذلك: إذ تضم مجموعة من المشايخ المدنيين، ذوي العلاقة والمصالح الوثيقة بعالم التجار الدمشقيين “كوكب البازار حسب تعبير فارسي شهير”، لا يصدرون فتاوى متشددة، ويركزون على الجوانب الروحية والأخلاقية في الدين، وإن كانوا محافظين اجتماعياً وثقافياً، مثل أي ملتزم ديني آخر. لكن الأهم أنهم لم يكونوا يمالقون السُلطة الحاكمة، ولا يتجاوزون أوجاع الناس ومعاناتهم مع أفعال السلطة، وإن لم يكونوا معارضين واضحين ومباشرين لهذه السلطة.

بالتقادم، تحولت الجماعة إلى ما يشبه النموذج، فنجلا الشيخ الرفاعي، سارية وأسامة، مشيا على النهج نفسه، وكان موقفهما الخاص من الثورة السورية، ومعارضتهما لسلوك النظام العنيف تجاه المنتفضين، بمثابة خاتمة وتأكيد لكل ما كان يُقال عن تلك الجماعة الدعوية.

لكن الجماعة نفسها، بقياداتها وسلوكياتها، وبعد هجرتها من سوريا واستقرارها في تركيا، وتأسيسها للمجلس الإسلامي السوري، الذي يُعد بمثابة دار الإفتاء ووزارة الأوقاف الرديفة للائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، فعلت كل شيء يدحض تلك الرؤية السابقة عنهم، وكانت الخطبة الأخيرة للشيخ أسامة الرفاعي في أحد جوامع مدينة إعزاز، المُسيطر عليها من قِبل ميليشيات الائتلاف السوري، بمثابة تأكيد على إن “الإسلام الشامي” أو “إسلام السوق” ذاك، لو صح التعبير، لا يملك ما يميزه عن باقي النماذج من “الإسلام المُتطرف”.

في خطبته التي استهدف فيها الناشطين في مؤسسات المُجتمع المدني السوري، الإناث منهم بالذات، والتي سماهم الشيخ الرفاعي “مراكز من دول الاستعمار والكفر والضلال وهدفها نشر الإلحاد”، لم يتعرض الشيخ لأمر شرعي أو فقهي، بقدر ما قال شيئاً في السياسة، أو بعبارة أدق “قولاً في السلطة”. فالشيخ يرى أن الخطر الأكثر مباشرة والذي يجب أن يكون مركزاً لتفكيرنا وانتباهنا، إنما يتكون من توليفة مركبة من ثلاثة عناصر: النساء والحياة المدنية والغرب، بقيمه ومؤسساته.

في التفصيل، لم تختلف مضامين خطبة الشيخ المُعتدل عن رؤية أي فقيه أو شرعي لأكثر جماعات الإسلام السياسي عنفاً وتطرفاً، التي تختلف في كل شيء عما بينها، لكنها تتفق على إسباغ هذا المزيج من التكفير والتخوين على أكثر قوى المجتمع حيوية، النساء والمؤسسات والأعمال المدنية والعلاقة التواصلية مع الغرب، ثقافته وقيمه ومؤسساته. هذه الديناميكيات التي يعرف الشيوخ في باطن وعيهم إنها من أقوى المناهضين والمضادين النوعيين لسلطتهم المجتمعية والرمزية، وطبعاً لميلوهم ونزعاتهم الرجعية.

قبل الخطبة بأسابيع وشهور وسنوات، لم ينبت الشيخ الرفاعي بأي شيء عن مظالم مئات الآلاف من السوريين الذين تعرضوا للمحق على يد حلفاء ورعاة الشيخ ومؤسساتهم وميليشياتهم، الذين خطفوا وغيبوا نُشطاء المجتمع المدني في منطقة دوما، وحملوا المدنيين من أبناء الجماعات الدينية السورية الأخرى في أقفاص وساروا بهم في شوارع المُدن التي سيطروا عليها، الذين هجروا سُكان منطقة عفرين واستولوا على ممتلكاتهم وحرقوا أشجارهم، وليس انتهاء بالسكوت عن تنظيمات راديكالية طائفية تحكم أجزاء واسعة مما يعتبره الشيخ “سوريا المحررة”. ومثله فعل كل الشيوخ والمؤسسات التي كانت سابقاً تُبشر أن تكون “إسلاماً مُعتدلاً”.

هل من تفسير لكل ذلك؟

غالباً نعم، ولأسباب شديدة التركيب: فربما كانت التقية هي ما تُظهر الجماعة المذكورة عما كانت عليه من قبل، وحينما صارت بموقع سلطوي، انبلجت حقيقتها.

وقد يصح إنها سُرطنت من هيمنة جماعات الإسلام السياسي الأكثر تطرفاً، الإخوان المُسلمون السوريون وغيرهم من المُسيطرين على الائتلاف السوري. وقد يصح أن الشيخ ومؤسسته متعطشون لسلطة اجتماعية فقدوها حينما غادروا الشام، وصاروا ينافسون مزاحمين آخرين على راديكاليتهم.

وقد يكون معقولاً أن يكون ذلك مناخ الممولين الجدد وفضاءهم. وأشياء كثيرة أخرى من مثل ذلك. لكنهم في المحصلة أثبتوا تهافت ما صنعوه من صورة حول أنفسهم، وسذاجة من آمن يوماً ما باختلافهم عن النماذج الأخرى من الإسلام السياسي.

في طريقهم الطويلة نحو تحقيق البداهة “أن يكونوا شعباً عادياً في دولة طبيعية”، مرّ السوريون بكل الأهوال التي يُمكن للمرء أن يتخيلها. لذا، فإن تحولات الشيخ وجماعته، ليست إلا واحدة من كثير الأوجاع والخيبات التي طالتهم.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.