عندما يصبح رجل الدين إلها!!!

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

يقول الفيلسوف
Dante: The Curse on Those Who Do Nothing in the Face of Evil
(اللعنة على هؤلاء الذي لا يتصدّون للشرّ) ويقول انشتاين:
The world is a dangerous place to live; not because of the people who are evil, but because of the people who don’t do anything about it.
(العالم مكان خطير لتعيش فيه، ليس بسبب وجود الأشرار، بل بسبب الأشخاص الذين لا يتصدون لشرورهم!)
لست هنا لأفضح مخلوقا شريرا انتهك عرض طفلة، فالأشرار موجودون في كل مكان وزمان،
لكن غايتي أن أفضح هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم “آلهة” الزمان والمكان الذي
اُرتكبت فيهما تلك الجريمة، وحاولوا بكل جهدهم أن يتستروا عليها.
نعم، أنا هنا لأفضحهم وأنشر غسيلهم العفن على الملأ، لعل هذا القطيع
الذي يتبعهم فاقدا لعقله وكيانه يحدوه إيمان أعمى، لعله يستيقظ من غفوته ويثور عليهم،
علّنا نضمن عدم سقوط المزيد من الضحايا!
……
يقول المختص في الإرشاد النفسي السيد روبرت بطرس، وهو قبطي يمارس عمله في القاهرة، يقول:
(أتصور أن ضحايا التحرش الجنسي في الكنيسة في مصر بالمئات….
وأتوقع أن عدد الحالات ـ التي يتمّ الإعلان عنها ـ ستكون أعلى في المهجر مما هي في مصر،
نظرا للإختلاف بين الثقافتين فيما يتعلق بتحمل المسؤولية ومستوى الوعي.)
ويتابع:
(عندما لا يرى الناس العدالة في الكنائس أتساءل: كيف يؤمنون بالعدالة الإلهية؟)
يؤكد التقرير الذي تضمّن المقابلة مع السيد بطرس، أن القائمين على الكنيسة القبطية في مصر
لا يرغبون أن يتكلموا بخصوص أية خطة لفضح الممارسات غير القانونية لرجال الدين داخلها.
(Church officials in Egypt are reluctant to speak on the record about plans to address transgressions by clergymen)
على مايبدو ومن خلال قراءة التقرير، كل ما كانت تفعله الكنيسة
هو نقل هؤلاء المجرمين من كنيسة إلى أخرى، في محاولة فاشلة وخسيسة لقمع أصوات الضحايا ومراضاة أهاليهم.


بهذا الخصوص يحتج القس يوحنا ناصيف المسؤول عن كنيسة قبطية في شيكاغو، بقوله:
That shuffling offenders between parishes is no longer an option
whoever is proven guilty must be relieved of his priestly rank
(جر هؤلاء المخالفين من ابرشية إلى أخرى لم يعد خيارا، من تثبت إدانته يجب أن
يعفى من منصبه ككاهن)
كما يقول المثل السوري: (إجا ليكحلها عماها)!!!!
حاول القس السيد ناصيف أن يتكرم على الضحايا فاقترح أن يُعفى المخالف من
منصبه الكهنوتي!!
انتبهوا إلى اللغة الضعيفة المستخدمة، والتي تكشف حقيقة موقفه من هذه القضية.
قال: أن يعفى من منصبه ـ لا أن يُطرد من منصبه!
استخدم كلمة ـ Relieved ـ بدلا من كلمة Revoked or Kicked
استخدم كلمة مخالف بدلا من كلمة مجرم!
offenders بدلا من كلمة criminals
ناهيك عن طبيعة العقاب ذاته: (أن يُعفى من منصبه)!!
يااااااله من عقاب!!!
أين هي العدالة المدنية؟
أين هو القانون؟
لماذا لم يقل: على الكنيسة أن تحيلهم إلى القضاء كي يحقق في الأمر ويقتص من جرائمهم؟
الإعفاء من المنصب ليس حلا!
الحل الوحيد والعادل أن يقضوا بقية عمرهم خلف قضبان زنزانات،
لا تتسع إلاّ لأجسادهم العفنة!
بالإضافة إلى حل آخر، ألا وهو أن يصدر قانون يمنع أي رجل دين
من أن ينفرد بامرأة أو طفل داخل الكنيسة،
أو في أي مكان آخر بحجة ممارسة شعائر دينية!
نقطة أخرى اؤكد عليها وهو أن القس السيد ناصيف قد تجرأ وطالب بإعفاء هؤلاء من مناصبهم،
لأنه ـ على الأغلب ـ وجد نفسه يسبح في ماء مغلي،
ومضطرا أن يأخذ موقفا، بعد أن واجهته الصحافة الأمريكية
بوابل اسئلتها التي لا تحترم ولا ترحم دينا أو معبدا عند تجاوز القانون!
وأتصور لو كان يعيش في مصر لما اختلف موقفه عن موقف سيده البابا شنوده،
الذي صمت عشرين عاما أمام انتهاك عرض طفلة من قبل أحد رجاله، ولم يحرك
ساكنا خوفا على منصبه!
………………….
لكن هذه الطفلة كبرت وخرجت إلى الحياة مشبّعة بالثقافة الأمريكية التي
علمتها أنها كيان كامل ومقدس، ويجب أن تُقص كل يد تسيء إلى حرمة وحدود هذا الكيان.
كبرت هذه الطفلة، وبشجاعة لا مثيل لها أزاحت الستارة عن مسرح الجريمة،
وكشفت تاريخا طويلا من الجرائم الجنسية،
التي كانت الكنيسة، وتحديدا البابا شنوده على علم بها.
كشفته بوضوح على صفحاتها في وسائل التواصل الإجتماعي!
……
هذه الطفلة هي اليوم السيدة الأمريكية سالي ذكاري التي تقود مجموعة من النساء،
لفضح ومناهضة جرائم التحرش الجنسي داخل الكنيسة.
كانت في الحادية عشر من عمرها، عندما اقترح القس يوسف عزيز خليل،
الموفد إلى كنيستها في فلوريدا من كنيسته الأم في مصر،
اقترح على والديها أن يبدأ معها دروسا فيما يدعونه
confession
وهو أحد طقوس الكنيسة، والذي يعترف خلاله المخطئ بذنوبه لرجل دينه كي يغفرها له.
تصوروا أن تغسل دماغ طفلة في الحادية عشر من عمرها على أنها ارتكبت ذنوبا،
وهي بحاجة لثعلب يتخفى بثوب حمل،
كي يغفر لها تلك الذنوب!!
ماهذا الهراء؟!!
أن تُقنع طفلا أنه ارتكب ذنبا…..
ثم من سيغفر لرجل الدين جرائمه؟!!
الإحساس بالذنب أبشع المشاعر السلبية وأكثرها تدميرا للروح، مالم
يعالج بطرق علمية ومن قبل مهنيين مدربين.
أما الأطفال فلا يرتكبون ذنوبا،
إنهم منزهون حتى يأتي بالغ ويلوث عقولهم وعوالمهم!!!
يقول توفيق الحكيم: لو بقي الإنسان طفلا لأصبح شاعرا…..
………
والدا ساره المغفلان فتحا له بيتهما كي يكون مسرحا للجريمة،
وقدما له طفلتهما على طبق من بلور، كي تكون ضحيته على مدى سنوات!!!
كتبت ساره على صفحتها في الفيس بوك:
(قبلني غصبا عني على كل وجهي، وأدخل لسانه في فمي (يعق)،
ألقاني على الأرض ونام فوقي، وفعل ما كان عليه أن يفعل،
وهو يرتدي ثوب كهنوته الأسود)!
نشرت أيضا على صفحتها في الانستغرام صورته، وكتبت تحتها:
(هذا هو قس قبطي بيدوفيللي ـ شاذ جنسيا ضد الأطفال ـ
الهرم الكهنوتي داخل الكنيسة يعرف بما جرى على مدى عشرين عاما،
لكنه رفض أن يطرده من الخدمة، وهو ليس الوحيد الذي فعلها.
سأستمر في فضحهم حتى يستجيب البابا تاوضروس!)
عشرون عاما؟؟؟؟
إذن القضية بدأت مع البابا شنوده واستمرت حتى تاريخ البابا تاوضروس،
فلقد بدأت في بداية التسعينيات من القرن المنصرم!
نعم، هذا ما أكدته لوكالة الأسوشيتد بريس، بقولها:
(مرات لا تحصى شكوت أمري لأساقفة، وسبق وأخبرت البابا السابق واللاحق بما حدث)
“I’ve already gone to countless bishops. I’ve already gone to two different popes,” she told The Associated Press. She went to police as well.
أيضا في تقرير البوليس الذي حصلت عليه وكالة الاسوشيتد، قالت:
(مد يده داخل حاملة الأثداء وعصر ثديّ وراح يلعب بهما. ثم قبلني على وجهي
وفمي ورقبتي واذنيّ، وادخل لسانه في فمي، ومن ثم قال لي ـ محذرا ـ : ما يحصل
خلال الاعتراف يجب أن يبقى سرّا)
وبذلك أتمم واجباته الكهنوتية…..!!!!
هذا التقرير لم يُخجل السيد رفعت فاروق، ولفيف من أمثاله، من منطلق تعصبهم الأعمى
وتأليههم لرجال دينهم،
لكنهم تصببوا عرقا من شدّة الخجل عندما قرأوا كلمة “مؤخرة” التي وردت في بوستي السابق،
واتهموني بـ “قلة” الأدب وبأنني مصابة بـ “الخرف”!
أليست ـ بالله عليكم ـ مهزلة؟!!!!
يتهم مصابون بالخرف لكنا غفرنا لهم قصور ضمائرهم!!
…………..
لنترك الكنيسة ورجالها بعض الوقت، ولنتكلم عن المسؤول الأول والأكبر،
ألا وهو والدا السيدة سالي!
لا أحد فيكم يحاول أن يقنعني أن جريمة كانت ترتكب باستمرار داخل البيت،
وضد طفلة صغيرة لا حول ولا قوة لها، ولا تعرف الأم بما كان يجري!
الأم أول من يعرف كل شاردة وواردة في حياة أولادها.
لقد حبتها الطبيعة بجهاز انذار أدق من أدق آلة حاسبة، يقرأ مشاعر
أطفالها كي تقوم بحمايتهم من سلبياتها.
لكن البرمجة الدينية تعطل كليّا ذلك الجهاز!
ابنتي طبيبة، وعندما تتصل بي من الولاية التي تدرس فيها، وبمجرد
أن تقول:
Hi MOM
أعرف تماما كيف قضت يومها، فنبرة ذلك الصوت تقدم لي من المعلومات
مالا تستطيع غوغل أن تقدم لي عن عالم الفضاء!
وبناءا على تلك النبرة اُدير دفة الحوار معها حتى أفرّغها من كل ضغوط يومها،
وأركز على مامرّ في ذلك اليوم من حوادث مفرحة، بدون أن أشعرها
أنني اقتحمت خصوصياتها.
مجرم يقتات على جسد طفلتها وكأن شيئا لم يكن…
لماذا؟
لأنها تقولبت بطريقة حديدية أن تكون خروفا في قطيع يقوده رجل دين،
وأن تمشي وراءه إلى مذبحها بدون أي اعتراض.
لا شك أنها كانت تدرك في وعيها وفي ساحة اللاوعي عندها أن خللا ما يحدث.
لكنها باللاوعي قمعت ذلك الوعي، وأقنعت نفسها أن كل شيء على خير مايرام!
عبرت عن تلك الحقيقة سيدة قبطية اسمها (سهيلة سومي) محتجّة على بوستي السابق، بقولها:
(الشك جريمة وخصوصا الشك برجال الكهنوت)
عندما قرأت تعليقها انتابني اعصار من الحزن والألم، وتساءلت:
مامدى التخريب العقلي الذي تعرضت له تلك السيدة حتى وصلت
إلى تلك القناعة؟!!!
حتى عندما تؤمن بالمطلق أن الله موجود، أنت ملزم بين الحين والآخر أن تشك
بذلك الوجود، كي يبقى مفهومك له مقبولا وأخلاقيا!
كل تجربة تخضوها ـ سلبية أم ايجابية ـ يجب أن تساهم في تحسين مفهومك
لذلك الله!
هل من المعقول أن تُغتصب طفلتك في عقر دارك من قبل رجل دين، وضعت
فيه كل ثقتك بالله، ولا تعيد مفهومك لهذا الله ورجاله؟!!!!
والدا ساره هما المسؤولان الأساسيان، ولو كنتُ مكانها لأحلتهما إلى محكمة أمريكية،
بتهمة سكوتهما عن جريمة ارتكبت بحقها وهي طفلة في كنفهما!
قرأت أكثر من ثلاثة تقارير صحفيّة مفصلة عن جريمة ساره وغيرها، وعن صمت
وتجاهل الكنيسة لتلك الجرائم، وتواصلت مع أشخاص
مقربين من مسرح الجريمة ويلمّون بتفاصيلها.
لكنني لم أسمع أو أقرأ شيئا عن مسؤولية الآباء، ولا عن
إحالة أيّا من المجرمين إلى القضاء ليقتص منهم!
ذكرت بعض التقارير أنه وتحت ضغط من نشطاء في مجال مناهضة التحرش الجنسي
ولسنوات طويلة، وافقت الكنيسة على اعفاء المجرم من مهامه الكهنوتية!
ياله من عقاب!!!!
هناك تقرير يذكر قس آخر متهم بنفس النوع من الجريمة اسمه Antonios baky
جاء في التقرير عنه:
He was put on administrative leave on October 20, 2020 following accusations of misconducts
(اُعفي من مهامه على أن يبقى في بيته بكامل راتبه على أثر اتهامات منافية للقانون!!!)
والسؤال: من يدفع راتبه إلا هؤلاء الضحايا وأهاليهم؟
وحتى تاريخ كتابة هذا المقال لم استطع أن أصل إلى أية معلومات
تفيد بأن أحدا منهم كان قد اُحيل إلى القضاء، ونال عقابه القانوني!
هرّبت الكنيسة من كان متهما منهم من أمريكا إلى مصر بحجّة العقاب،
كي لا يطاله القانون الأمريكي، ولأنها تعرف حالة التسيب القانوني في مصر!
فهم يفعلون المستحيل كي لا يفلت زمام الأمر منهم، بغية استمرار
السيطرة على القطيع تحت أي ظرف، وهذه المهمة هي الأهم بالنسبة للكنيسة،
فلو جفّت ضروع ذلك القطيع من أين ستنتفخ كروش القائمين عليها؟!!!
………………………
كتب أحد أصدقاء صفحتي ردا على بوستي السابق بما معناه:
(أن البابا شنوده قد تحمل مسؤولية كبيرة تجاه حماية طائفته في مجتمع اسلامي
متعصب وشرس، ويجب أن تؤخذ هذه المهمة بعين الإعتبار!)
لا أريد أحدا أن يذكرني بقضية اضطهاد الأقباط في ذلك المجتمع المتعفن،
فلقد كنت أول شخص في تاريخهم، ينقل قضيتهم إلى الملأ
من خلال أهم منبر إعلامي في ذلك الوقت،
وذلك عندما صحت من على منبر الجزيرة في مقابلتي الأولى عام ٢٠٠٥:
(لماذا قتلتم ٢١ فلاحا قبطيا في قرية الكشح؟)
وتوالى دفاعي المستميت عن تلك القضية، رغم قرفي واشمئزازي من تصرفات بعض
الأقباط في المهجر، وهذا موضوع آخر سأعود إليه!!
فأنا قبطية أكثر من أي قبطي عندما يتعلق الأمر بقداسة تلك القضية!!!
لكن عندما يتعلق الأمر بمسؤولية البابا شنوده تجاه تلك القضية، أقولها
وبصوت لا يقل وضوحا وجهورا عن صوتي في تلك المقابلة:
لا يستطيع شنوده ـ ولا خليفته ـ أن يحمي طائفة ولا أن يحمل لواء قضيتها،
عندما يعجز على أن يحمي طفلة من براثن رجل دين يقتدي بتوصياته وأوامره،
ويعيش في عقر كنيسته،
ناهيك عن مئات من الضحايا الآخرين في مصر وخارجها!
لقد فشل فشلا ذريعا عن سابق قصد وتصميم.
لذلك، يجب أن تُنتزع مهمة حماية الأقباط من أيدي رجال الكنيسة، وتُسلم
لرجال الطائفة العلمانين والقانونين والمفكرين والنشطاء في مجال حقوق
الإنسان وحرياته، وما أكثرهم!
وإلا سيبقى البابا شنوده يطلّ علينا بين الحين والآخر،
من عالمه حيث يوجد اليوم، وهو يتسامر مع خليله الشيخ الشعراوي، مستهزئا من قطيع
تمكن من القبض على رقابه أكثر من أربعة عقود!
….
….
لقد بدأت مقالتي بقول لفيلسوف ايطالي رائع Dante، لعن فيها كل من يرى الشر
ولا يتصدى له.
وبودي أن أختمها بقول لفيلسوف آخر لا يقل روعة، حدّد فيه من هم
هؤلاء الذين يرون الشر ولا يتصدون له، ألا وهو الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن
الثامن عشر،
Baron d’Holbach
جاء فيه:
(Nothing can be more contrary to religion and the clergy than reason and common sense)
لا شيء يمكن أن يتناقض مع الدين ورجال الدين أكثر من المنطق وملكة الإدارك!
أتمنى أن أكون قد تناقضت معهم بما أملاه عليّ منطقي وما أملكه من إدراك،
فهي أسلحتي الوحيدة في مواجهة أية قضية تقتضي الإسعاف السريع!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.