عندما كان التحدث باللغة العربية ذنباً


يصف الأستاذ سعيد الأفغاني اللغة العربية في البلاد التي خرج منها الأتراك بعد الحرب العالمية الأولى “باللغة التي نهضت من تحت الأنقاض”.
ويذكر بعضاً من أحوال أهل البلاد الذين عانوا من سياسات التتريك في كتابه (من حاضر اللغة العربية) فيقول:
“أما المدارس الحكومية ﻓﻠﻐﺘﻬﺎ ﺍﻟﺘركية ﻭأكثر معلميها ﺃتراك، ومن كان عربياً منهم ﺃﻟﻘﻰ ﺩروسه بالتركية، وتجافى ﻋﻥ ﺍﻟﻜﻼﻡ بالعربية مع ﺃﻥ من يخاطبهم ﻋﺭﺏ، حتى ﺍﻟﻜﻼﻡ خارج ﻏﺭﻑ الدرس ﻓﻲ الباحات ﻭضعوا ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺭﻗﺒﺎﺀ، ﻓﻤﻨﻌﻭﺍ أبناء ﺍﻟﻌﺭﺏ ﺃﻥ يتحاوروا ﻓﻲ الشؤون العادية بينهم بالعربية، وأوجبوا عليهم الكلام بالتركية، ومن سبق لسانه إلى كلمة عربية صاحوا به (سنيال)
(Signal)
وسلموه خشبة نقش عليها كلمة (سنيال)، وصار على هذا أن يجول بين رفاقه حتى يسمع كلمة بالعربية سبق بها لسان متكلم فيبادر إلى تسليمه الخشبة صارخاً به (سنيال)، ومتى انتهت الاستراحة عوقب الذي تبقى بيده.

وكانت هذه آخر سهم في جعبة التتريك حتى يجفو الناشئ لغته، وينشأ على التقزز منها.
وإليكم شهادة شاهد عيان اكتوى بهذا الجو، قال الأمير مصطفى الشهابى: ((أتذكر أنني درست سنة واحدة في مدرسة تجهيز الحكومة العثمانية بدمشق، فكانت جميع الدروس تلقى بالتركية، وكان اللسان العربي يُدرَّس أيضاً باللسان التركي، وكان معلم العربية رجلاً تركياً يتكلم لغة الضاد بلهجة تركية، ولا يفرق بين المذكر والمؤنث، ولا يفقه شيئاً من أدوات اللغة إلا مبادئ من الصرف والنحو مطبوعة في كتاب تركي))


ولا تظنن أن هذا القدر الضئيل من الصرف والنحو المدرس باللغة التركية وضع مراعاة للولايات العربية، بل هو القدر اللازم لفهم قواعد التركية وأدبها والإنشاء فيها، وهو القدر المقرر في مدارس الولايات التركية تماماً.
وذكر لي الأستاذ رشدي الحكيم -وهو ممن كان في تلك الفترة في أول الشباب، وأسهم في عدد من الجمعيات العربية السرية حينئذ- أن الاستهتار الثقافي وصل بالأتراك إلى أن أبدلوا بالشيخ طاهر الجزائري معلماً تركياً لتدريس العربية في ثانوية دمشق (مكتب عنبر)، وإلى أن نصّبوا أرمنياً نصرانياً لتدريس الشريعة الإسلامية بالتركية في إعدادية بيروت، وأن هذا الأرمني جهد في إقناعهم بأن هذا عمل فاضح، فلم يقنعوا وأجبروه على هذا التدريس.
أما ما يلقى الطلاب العرب من سوء معاملة معلميهم الأتراك وشتمهم للعرب ولغتهم فحدث ولاحرج”.
من حاضر اللغة العربية – الأستاذ سعيد الأفغاني

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.