علم الجهل

د. ميسون البياتي
لاتوجد أية مفارقه أو تحايل على العباره في عنوان هذا المقال . فهو يتحدث بالتأكيد عن العلم الذي إشتُقَ من الفلسفه نهاية القرن العشرين وعنوانه : علم الجهل
إنفصل علم الجهل عن الفلسفه عام 1999 بالضبط كما إنفصل علم النفس عنها في النصف الثاني من القرن 19 على يد العالم الألماني فونت حيث اعتبر فونت مؤسساً لعلم النفس حين قام بإنشاء أول مختبر نفسي للدراسات السيكولوجيه النفسيه ، واستمر تأثير فونت على الفكر السيكولوجي لعقود طويله ، تبع ذلك قيام العديد من المؤتمرات وإنشاء فرع خاص ومستقل في الجامعات لعلم النفس باعتباره علماً مستقلاً من العلوم الإنسانية

نفس الأمر يحصل مع علم الجهل الذي إنفصل على يد الدكتور روبرت نيل بروكتور وهو مؤرخ أمريكي مولود عام 1954 عمل أستاذاً لتاريخ العلوم في جامعة ستانفورد , ثم في جامعة ولاية بنسلفانيا, وهو حاصل على البكالوريوس من جامعة إنديانا بلومنغتون 1976 ثم الماجستير والدكتوراه من هارفارد عامي 1977 _ 1984

أثناء عمل الدكتور روبرت نيل بروكتور في جامعة بنسلفانيا , كانت مساعدته هي زوجته الدكتوره لوندا شيبنغر وكانا يدرّسان مدة 9 سنوات مادة : ثقافة العلوم والطب والتكنلوجيا في المجتمع

أسس الدكتور بروكتور فرضيته الأساسيه في علم الجهل , وكيفية تجهيل الناس أو إزالة جهلهم في العام 1999 وهي قائمه على فكرة : إن كل الناس يعلمون بمضار التبغ التي تشير إليها كل الصحف والمجلات والنشرات الطبيه .. فلماذا يدخنون ؟ والجواب على هذا السؤال هو أن المغريات والمعززات التي تنشرها مؤسسات بيع التبوغ من علب أنيقه الى اعلانات مغريه , الى شخصيات راقية في المجتمع تظهر وهي تحمل السيكار أو الغليون أو السيكاره , وتدخن بشراهه وتلذذ , كل هذا يعمي بصيرة الناس عن المضار ويدفعهم الى التدخين
نشر الدكتور بروكتور نظريته في علم الجهل 2008 في كتاب يحمل عنوان : علم الجهل _ دراسه في التجهيل أو إزالته . الكتاب يقع في 312 صفحه من قطع كبير المتوسط , كان سعره 68 دولار , الآن وبعد التخفيضات أصبح 52 دولار
https://www.researchgate.net/publication/37702656_Agnotology_The_Making_and_Unmaking_of_Ignorance
يتحدث الكتاب عن مفهوم الجهل في الماضي والحاضر , فبينما كان الجهل في الماضي يعني عدم المعرفه , أصبح الجهل في الحاضر يؤكد على معطيات أخرى ترافق المعرفه تجعلها هي والجهل صنوان . عندما تترافق المعرفه مع الشك بمقدار صحتها , أو ترافقها معززات متضاربه رافضة وقابله في نفس الوقت , او ترافق الحيره أو الإرتباك مع المعرفه

في الماضي ومع الخطط الطموحه لبرامج محو الأميه , كنا نرى الكثيرين من حملة أعلى الشهادات الذين يمكن إعتبارهم ( ناتجاً عرَضياً سيئاً من نواتج برنامج محو الأميه ومجانية التعليم ) وكأن واحدهم يقف على سكة قطار يربط عتبة باب بيته بعتبة المدرسه ثم الجامعه , عند الصباح يدفعه أهله على السكه الى المدرسه ثم يعاد على نفس السكه الى البيت عند نهاية الدوام , يحفظ دروسه صم ودون فهم , ويحقق بحفظه اعلى الدرجات وما هي غير سنوات حتى يحصل على أعلى شهاده يتخرج بها ( أمياً مسلحاً بسلاح العِلم ) ليتبوأ أعلى المناصب .. ومن هناك يبدأ خرابه في المجتمع بإتخاذ قرارات تعبر أفضل تعبير عن إنغلاق وعيه وعمى بصره وبصيرته

اليوم هناك علم لإغلاق الوعي إن وجد عند أحدهم وتعمية بصره وبصيرته . حين يكون لدينا وباء كورونا مثلاً , يظهر رؤساء دول متقدمه وهم مستهينون بالوباء , ويظهر رجال دين ومتدينون يستهترون بخطره الوبائي معتمدين على الرب في تجنيبهم مخاطر الإصابة به .. فكم من الناس ستستهين بجدية الوقايه مما سيساهم في رفع عدد الإصابات والضحايا
حين يكون هناك كذب ومبالغه تضخيماً أو تصغيراً في نشر معلومه , كيف نطلب أن تكون إستجابة الناس في محلها من الموضوع المنشور
مجتمعاتنا العربيه يُسلط عليها نوع مختلف قليلاً من التجهيل , لا نسميه الشك في المعلومه , ولكن الحيره في اتخاذ موقف منها . الإعلام السيء يساهم بقدر كبير في صناعة هذه الحيره , فهو يعرض رجال الدين بفتاواهم الصارخه عن الفسق والفجور , ولا يتوانى عن عرض نتاجات أدبيه من نوع ( برهان العسل ) و ( عابر سرير ) وأفلام من نوع ( حلاوة روح ) يغازل شهوات دنيئه وغير بريئه , وسياسيين فاسدين سارقين , واخبار كاذبه ملفقه عما يدور في العالم أو الوطن .. ألا يحق لنا أن نتساءل بعد كل ذلك عن معنويات الشباب وما هو نوع المسوغات التي نربيها فيهم ليتدبروا بها متطلبات حياتهم , وألا يعد تشتت الخطاب تجهيلاً من أخطر أنواع التجهيل ؟؟

كما حصل في علم النفس بعد العالم فونت تسلمت العلم أيادٍ كثيره , ناقشته وطورته وأضافت له الى أن وصل الى الحالة التي هو عليها اليوم . الأمر نفسه وقع مع علم الجهل . بعد 21 عام من فصله عن الفلسفه هناك عشرات الدراسات التاليه التي تعلّم كيفية الشك بالعلم , والحيره إتجاهه , وعدم المبالاة به . ديفيد دانينغ من جامعة كورنيل يحذر من إتساع نشر الجهل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي والمقالات المنشوره على المواقع الإخباريه والثقافيه والعلميه والتي لا يستقي كاتبوها معلوماتهم من مصادر رصينه
سياسة النظام العالمي الجديد مع القطيع البشري تتعامل بسياسة : تعليم أقل وأجور أعلى وشراهه في الجنس واستهلاك الكماليات , وهكذا سياسه لن تنجح بغير التجهيل

د . ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.