عصبة الأمم والبحث عن وطن أشوري


ترجمة: د. رياض السندي
مقدمة المترجم
هذا مقال كتبه كل من فيليب س. زان وهو محامي، خريج كلية القانون في جامعة نيويورك، ومحاضر في جامعة جورج ميسن بولاية فرجينيا، بالإشتراك مع واليتا كانون وهي أميركية آشورية تعيش في شيكاغو، ولدت عام 1919 وتبلغ من العمر حالياً 99 سنة. وتعمل في اللجنة التوجيهية لمنظمة الديمقراطيين الإشتراكيين في أميركا (
(DSA
في شيكاغو. وقد قمنا بترجمته أثناء البحث في القضية الأشورية نقدمه لقراء العربية.

ترجمة المقال:
في عام 1930، وقّع الملك جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى وفيصل ملك العراق، معاهدة دخلت حيز النفاذ عند انضمام العراق إلى عصبة الأمم. فقد تم قبول العراق في العصبة بتاريخ 3 أكتوبر 1932. وفي ذلك التاريخ، وعملا بالمعاهدة المبرمة بين بريطانيا العظمى والعراق، فقد انتهى الإنتداب البريطاني على العراق. وتوقفت مسؤولية بريطانيا القانونية – وليس المسؤولية الأخلاقية – عن الأقليات في العراق. وبعد الإعلان عن التوقيع على المعاهدة الأنغلو – عراقية حيث كان من المقرر أن ينتهي الانتداب البريطاني، بدأت عصبة الأمم تتلقى تقارير عن انتهاكات والتماسات للانتصاف من الطائفة الآشورية. وكان القلق هو أن الظروف بالنسبة للآشوريين في العراق سوف تزداد سوءا بمجرد أن تسلم بريطانيا السلطة إلى العراقيين. قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لإنشاء وطن للآشوريين أو توفير الحماية لهم. وكانت المعاهدة الأنغلو – عراقية لعام 1930 صامتة تماما بشأن حماية الأقليات. وقد أدرج الدستور العراقي ضمنا مفهوم ” حماية الأقليات “، وأصرت الحكومة العراقية على إنها ستلتزم بهذا التوجيه. بينما يسجل التاريخ، بطبيعة الحال، أنها لم تفعل ذلك.

الالتماسات (الطلبات) الآشورية الخمسة
وفي عامي 1931 و1932، تلقت عصبة الأمم ما لا يقل عن خمس التماسات من الجماعات الآشورية”. وقد شكل توقيت الالتماسات والإنهاء الوشيك للانتداب البريطاني في العراق مشكلة أساسية لعصبة الأمم. ولأن الانتداب البريطاني يخضع لعصبة الأمم، فإن تقديم التماس ناجح يمكن أن يؤدي إلى قرار من مجلس عصبة الأمم يوجه بريطانيا إلى اتخاذ بعض الإجراءات فيما يتعلق بالأقلية الآشورية. ولكن بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني في العراق، أصبحت الالتماسات المقدمة إلى العصبة موضع جدل. ولا يوجد للعصبة سلطة أن تأمر الحكومة العراقية بالقيام بأي شيء فيما يتعلق بها. وفي 24 سبتمبر 1932، أوعز مجلس عصبة الأمم إلى لجنة الولايات بمراجعة الالتماسات والوثائق ذات الصلة، بما في ذلك ردود الحكومتين البريطانية والعراقية. وأصدرت لجنة الولايات تقريرا أشارت فيه إلى أن السلطة الإلزامية البريطانية في العراق قد انتهت. وقد وصف التقرير المقدم إلى المجلس في 3 كانون الأول/ديسمبر 1932، بعد شهرين من انتهاء السلطة الإلزامية في بريطانيا، هذا المأزق، مشيراً إلى “الطبيعة الحساسة لمهمة [لجنة الولايات] من وجهة النظر الدستورية”. ولا يمكن القيام بأي شيء، حتى لو كان المجلس يميل إلى القيام بشيء ما، ورفضت الالتماسات رسميا.

وكان الإلتماسين الأوليين مؤرخين في 20 و23 تشرين الأول/أكتوبر 1931. جاء هذين الإلتماسين من ممثلي الآشوريين في العراق بمن فيهم مار ايشاي شمعون الثالث والعشرون، بطريرك كنيسة المشرق. وطلبوا فيهما نقل الآشوريون في العراق إلى إقليم تحت حكم إحدى الدول الغربية أو، في حالة تعذر ذلك، إلى سوريا، التي لا تزال الانتداب الفرنسي. ولم تعترض بريطانيا ولا العراق على هذه الفكرة، ولكن لم يتطوع أي بلد لأخذ الآشوريين. وجادلت بريطانيا بأن إنشاء وطن ليس ضرورياً لأنه بمجرد تخلينا عن الآشوريين في سعيهم لإقامة وطن مستقل؛ فإنهم سيصبحون جزءا متكاملا و”مفيدا” من العراق. وفي وقت لاحق، سيتم اكتشاف بأن فكرة نقل الآشوريين إلى إقليم جديد تحظى بجديَّة أكبر (انظر أدناه).
وسعى الالتماس الثالث إلى الاعتراف بالآشوريين كأمة داخل العراق وإنشاء منطقة آشورية داخل العراق عن طريق إعادة رسم حدود العراق مع تركيا لتشمل داخل العراق المناطق التركية التي عاش فيها اللاجئون الآشوريون في العراق قبل طردهم من تركيا. وفي حالة عدم القيام بذلك، طلبت العريضة إقامة وطن خاص داخل الحدود القائمة للعراق، يتكون من كامل منطقة العمادية بالإضافة إلى الأجزاء المتاخمة من زاخو ودهوك وعقرة، للاجئين الآشوريين من تركيا في العراق. ونص الالتماس على أن تعترف الحكومة العراقية بسلطة مار شمعون الزمنية والدينية على المِلّة. ولأن سلطة مار شمعون امتدت على أتباع كنيسة المشرق، فإن السجل ليس واضحاً ما إذا كان القصد هو منح مار شمعون سلطة على الآشوريين من الطوائف الأخرى أو ما إذا كان التماس الاعتراف بالحقوق والحصول على وطن ينطبق فقط على الآشوريين الذين كانوا أعضاء في كنيسته. استغلت الحكومة العراقية هذا الارتباك: فنوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، عندما كان من المناسب القيام بذلك، قد فسَّر تعبير “الآشوريين” على أنه يعني فقط أعضاء كنيسة المشرق. وقد أتاح له ذلك الاحتجاج بأن الالتماسات ذات الصلة بالغت إلى حد كبير في أعداد الآشوريين. ويبدو أن التحليلات اللاحقة، بما في ذلك تلك التي استندت إليها سياسات الحكومة الأميركية، قد فامت على هذا الأساس، ويبدو إنها وقعت في هذا الفخ.

كما طالب الالتماس كذلك، إعطاء مار شمعون الحق في تعيين نائب في البرلمان العراقي. وينص القانون العراقي بالفعل على انتخاب نائبين مسيحيين في البرلمان من قبل لواء الموصل. وحجّة نوري السعيد ضد اقتراح نائب إضافي مفيدة: فالقانون العراقي يحدد نائباً واحداً لكل 000 20 ذكر؛ وكان هناك 73,000 مسيحي في الموصل، أو، إن السعيد ضمنَّهم، حوالي 36500 من الذكور، لذلك فإن إستحقاقهم كان نائبان فقط، كما إحتجّ بأن ذلك “أكثر من كافي”. وعلى هذا الأساس فإن مسيحيي الموصل ممثَلون بالفعل بشكلٍ كافٍ. فالآشوريون ليسوا الطائفة المسيحية الوحيدة في لواء الموصل. ففي الواقع هم يبلغوا حوالي ربع السّكان المسيحيين. فهناك أيضاً مسيحيون كلدانيون وأرمن وسريان أرثوذكس وسريان كاثوليك”. وعندما وجد العراقيون أن من المناسب تقسيم تلك الأقلية الكبيرة نسبياً إلى مجموعات منفصلة صغيرة ذات مصالح مختلفة، فعلوا ذلك. وادعى السعيد أن “الآشوريين” لا يشكلون سوى ربع المسيحيين البالغ عددهم 73 ألف مسيحي في الموصل، أي حوالي 18 ألف مسيحي.

ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الأرقام تشمل لاجئين آشوريين من تركيا. وعلى أية حال، ونظراً إلى أنه لم يتم إجراء أي تعداد بين نهاية الحرب العالمية الأولى وإنتهاء الانتداب، فإن أرقام السعيد هي في أحسن الأحوال تخمينات موضوعية تماماً. وكان الرد البريطاني على هذا الالتماس هو أن الالتماس يمثل آراء الآشوريين المطرودين فقط من تركيا وليس الآشوريين الأصليين في العراق. وأعربت المملكة المتحدة عن قلقها من أن منح اعتراف خاص للآشوريين من شأنه أن يعرض الوحدة الوطنية للعراق للخطر. وأكدت أنه لا توجد أراضٍ غير مأهولة بما فيه الكفاية لإقامة وطن آشوري داخل العراق، ولكنها وافقت على أن تكون المنطقة المطلوبة من تركيا داخل العراق. وبالمقابل، وبطبيعة الحال، رفضت تركيا الحدود المقترحة كما رفضت أيضا السماح للآشوريين بالعودة إلى ديارهم.

أما الالتماس الرابع، والمؤرخ 21 أيلول/سبتمبر 1932، فقد وقَّع عليه 58 شخصاً يدعون أنهم يمثلون 395 2 أسرة. وتشير الوثيقة البريطانية التي قدمت هذا الالتماس إلى أنها جاءت من الأسقف إيوالاها مطران برواري بالا والعمادية الذي كان الأول على قائمة الموقعين. واعترض هذا الالتماس على الالتماس الثالث، بحجة أن مار شمعون لا يمثل جميع الآشوريين، وأن الآشوريين، اللاجئين والسكان الأصليين على حد سواء، ممتنين للحكومة العراقية. وفي معرض الرد أو تقييم هذا الالتماس، فإن بريطانيا والعصبة، انساقا بسرعة إلى تعريف نوري السعيد الضيق جداً للآشوريين كأعضاء في كنيسة المشرق إلى ما يجب أن يكون تعريف أوسع بكثير، وربما واسع بما فيه الكفاية ليشمل جميع الناطقين باللغة السريانية في العراق. وهنا خدم مصالح العراقيين في النظر إلى الطائفة الآشورية ككل واتخاذ المعارضة الآشورية لإمتيازات مار شمعون الخاصة كدليل على رضا عامة الآشوريين عن حكومة العراق وعدم رضاهم العام عن مار شمعون. إنها سياسة فَرِّق تَسُد.
أما العريضة النهائية، والمؤرخة في 22 سبتمبر 1932، فهي الأخرى مقدّمة من مار شمعون وتدعي أن للآشوريين الحق في المطالبة بمنازلهم الأصلية أو البدائل المناسبة من المملكة المتحدة، التي حارب الآشوريون من أجلها في الحرب العالمية الأولى. وتطلب إعادة مقاطعة هكاري أو إعادة التوطين على غرار ما هو مطلوب في الالتماس الثالث. وأشار الالتماس إلى أن الآشوريين صوتوا لصالح العراق في استفتاء لواء الموصل بناء على توصية العصبة في عام 1925 الخاصة بمنح الآشوريين حكما ذاتيا محليا. إنه قمع للهوية العرقية الآشورية.

وعلى العموم، فقد رفضت الحكومة البريطانية الخلافات العرقية بين الآشوريين والأكراد، وفضلت النظر إلى الآشوريين بدلاً من ذلك على أنها مجرد أقلية مسيحية تحتاج إلى التخلي عن مطالبها بالوطن وتصبح جزءاً من النظام السياسي في العراق. وكتب السير فرانسيس همفريز، المفوض السامي البريطاني في العراق في نهاية فترة الإنتداب: لا ينبغي إيلاء أهمية كبيرة للخلافات الطائفية المحلية، التي كثيرا ما يوجد تفسير لها في بعض المسائل أو الحوادث التافهة البحتة. … تقارير [أي، من التهديدات المحتملة للطائفة الآشورية] لا يمكن إلا أن تعمل على إثارة العداوات الدينية، لإبعاد الحكومة العراقية، وزعزعة الآشوريين أنفسهم، الذين تعتمد آمالهم في الرفاه في المستقبل على دمجهم في النظام السياسي في العراق، وقبولهم كرعايا مخلصين للملك فيصل، والعيش في سلام مع جيرانهم.. ولا يشارك الجميع هذا الرأي، بالطبع. وفي معرض التعليق على معاهدة العراق إلى جمعية غروشيوس في عام 1931، فقد كتب س. غ. فيسي – فيتزجيرالد، إن السلطة المكلفة بالقانون الدولي والشريعة الإسلامية، أنه بمجرد أن تصبح المعاهدة مع العراق نافذة المفعول وبضمنها الإنتداب فإنه “ستتوقف مسؤوليتنا أمام مجلس العصبة. ولكن هل سيكون علينا أن نتوقف عن أن نكون مسؤولين أخلاقياً؟
وفي تموز/يوليه 1933، غادر نحو 800 رجل أُسَرهُم في العراق إلى سوريا، معتقدين أن الفرنسيين سيقدمون لهم الأرض التي لم يوفرها العراقيون والبريطانيون. وكانوا يخططون لجلب عوائلهم بمجرد استقرارهم. وقد عبروا الحدود إلى سوريا في 22 يوليو/تموز، لكن الفرنسيين أمروهم بالعودة إلى العراق. وعندما عبروا عائدين إلى العراق، اشتبكوا مع مفارز الجيش العراقي. وقد قُتل العديد منهم؛ وعاد نحو 500 شخص إلى سوريا ثانية، حيث اعتقلتهم السلطات الفرنسية. وفي نهاية المطاف، سمح الفرنسيون لهؤلاء الآشوريين بالعيش في منطقة الخابور، حيث أصبحوا مجتمعاً زراعياً مكتفياً ذاتياً. وفي الشهر التالي، في 11 آب/أغسطس 1933، ذبح العراقيون الآشوريين في سميل. ربما نجا 1500 آشوري، معظمهم من النساء والأطفال. وقد أرسلت الحكومة العراقية هؤلاء إلى معسكر في الموصل. واعترفت العصبة بأنها ارتكبت خطأً وقررت توفير موطن جديد للآشوريين “الذين يرغبون في المغادرة أو الذين لم يتمكنوا من الاندماج بسلام في الدولة العراقية”. وعُينت لجنة لمعالجة هذه المشكلة. ونظرت في نقل الآشوريين إلى منطقة نهر پارانا في البرازيل؛ أو غويانا البريطانية؛ أو سوريا. وقد أصبحت پارانا مستحيلة عندما أصدرت البرازيل قانوناً يحدُّ من الهجرة. واعتُبرت غويانا البريطانية غير مناسبة لإعادة التوطين على نطاق واسع. التي تركت سوريا. وبحلول ذلك الوقت، كان المزيد من الآشوريين قد انضموا إلى 500 لاجئ في الخابور. بيد أن الأتراك والعراقيين عارضوا التوصل إلى تسوية دائمة في الخابور، لأنها كانت قريبة جداً من الحدود التركية والعراقية. وفي نهاية المطاف، وافقت السلطات الفرنسية في سوريا على السماح بتسوية آشورية دائمة في الغاب. وسيتم نقل الآشوريين في الخابور إلى الغاب، وسيُسمح لأي آشوري ينشّد الانتقال إلى الغاب بذلك. وسيكون جيرانهم مسيحيين آخرين، وسيدير حكومتهم جزئيا حاكم فرنسي.

انهيار حل الغاب (Gape)
وافق 24 ألف آشوري في الموصل على الذهاب إلى الغاب. وأعرب ثمانية آلاف آخرين في الموصل عن اهتمامهم. كما أراد الآشوريون في بغداد وكركوك الذهاب. وتوضح الأعداد الكبيرة المعنية أن الآشوريين الذين يخططون للانتقال إلى الغاب لم يكونوا مجرد لاجئين آشوريين من تركيا، وليس فقط أعضاء في كنيسة المشرق، بل يجب أن يكونوا أشوريين من جميع الطوائف. وفي عام 1935، أفادت العصبة بأنها مستعدة لنقل الآشوريين من العراق الذين يرغبون في المغادرة، وأن لديها الأموال اللازمة للمضي قدما في الخطة. ولكن في نيسان/أبريل من عام 1935، أعلنت فرنسا أنها ستطلب إنهاء الانتداب الفرنسي في سوريا. وفي ظل غياب سلطة الإنتداب الفرنسية في سوريا، فإن خطة التوطين في منطقة الغاب كان محكوم عليها بالفشل.
وأدى الاستياء العربي السوري من إدخال أقلية مسيحية أخرى داخل سوريا إلى معارضة الخطة: فلا توجد حكومة سورية تدعم توطين الآشوريين في الغاب. وفي 4 يوليو 1936، وافقت العصبة على التوصية التي قدمتها لجنتها لإعادة توطين الآشوريين بالتخلي عن خطة توطين الآشوريين في الغاب. وأصبحت مستوطنة الخابور دائمة، لكنها لم تتمكن من دعم عشرات الآلاف من الآشوريين الذين خططوا للذهاب إلى الغاب. ولم يقدم الخابور سوى القليل من الأمن لأن الأكراد والبدو داهموا المستوطنة بانتظام. وأخيراً، دعت العصبة الآشوريين في العراق إلى “الاندماج في الشعب العراقي كمواطنين عاديين في الدولة العراقية”. وسرعان ما انساقت العصبة مع الكارثة التي بدأت تلوح في الأفق في أوروبا، وبذلك أصبحت العصبة نفسها غير معنية بالموضوع.
المقال الأصلي:

The League of Nations and the Quest for an Assyrian Homeland
Phillip C. Zane and Waleeta Canon
الرابط: http://www.aina.org/articles/lfnaqfah.htm
الرابط:

About رياض السندي

د. رياض السندي دكتوراه في القانون الدولي
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.