عرض نقدي لقصة نبيل عودة 2+2=5

بين قصة نبيل عودة وعظة “الأعداد” في كتابي “في معبد الروح”

بقلم: د. جميل الدويهي

أصرح علناً وبصوت جهوري أنني معجب بكتابات نبيل عودة. وقد يغار مني الشعراء على ذلك، فقد طالما دأبنا على تمجيد الشعر، وبتنا نسمي شاعراً كل صاحب قلم. ولانني لست شاعراً فقط، وأستميت للدفاع عن حقي في أنني لست شاعراً، يغتاظ مني الكثيرون، وينزعجون لأنني أطالبهم بحقي وأصر على أنني لست شاعراً فقط. وتبعاً لهويتي الابداعية أنا معجب بالنثر، وبالقصة على وجه التحديد، ويطربني الإصغاء إليها، فكيف إذا كانت للنبيل عودة؟
ولا أخفي أن هذه القصة القصيرة هي من أجمل ما قرأت لعودة، ولست أدري كيف يتوافق هذا الأديب والمفكر القدوة في الرأي معي، من جهة العدد. وقد أختلف مع عودة في السياسة وعلم الاجتماع، ولديّ رؤى لا تتماهى مع رؤاه، لكنني في أغلب الأحيان أوافقه واصرح بان هناك وجوه شبه كثيرة بيننا.
وسألفت هنا إلى ناحية العدد، فلست متزمتاً حسابياً، ولا أطيق الحساب، وكنت من الطلاب الفاشلين في الضرب والقسمة، وبيني وبين الحساب عداوة كما بين عبس وذبيان، ولعل ذلك هو السبب الذي جعلني أكتب عظة الاعداد في كتابي “في معبد الروح” حيث بينت أن الأعداد مصطلحات جاء بها العلم، وليست حقيقة، وأعطيت أمثلة عن رجل هو ابن وأخ وخال وعمّ وجد… وهو رجل واحد وليس خمسة رجال، لكي أصل إلى أن الثالوث في المسيحية لا يمكن فهمه كرقم “ثلاثة”، فهو فوق التجريد ولا يشبه الجمع الجسابي المتعارف عليه بين الناس، وكانت كلمتي الأهم في تلك العظة: قد يكون الواحد واحداً وغير واحد في وقت واحد.


وهذه المعادلة اللاحسابية، أشعرتني بأنني أخوض في عالم لا يريد الناس أن يخوضوا فيه، وظننت أنّني أقول شيئاً لا تعترف الغالبية من البشر بصوابه، حتى قرأت قصة نبيل عودة، ومفادها أن الأبورجيني الأسترالي، عندما سئل عن حصيلة الجمع: 2+2، أجاب بأن الحصيلة هي 5 وليست 4.
الفرق بين الأبورجيني وأستاذ الحساب، كما الفرق بين رجل جائع وآخر متخم، وكلاهما في صحراء… فلو خيرت الجائع في الصحراء بين الذهب والرغيف، لأخذ الرغيف، ولو خيرت المتخم بينهما لأخذ الذهب وترك الرغيف.
إذن نحن نتعامل مع الواقع بحسب رؤيتنا الشخصية له، وليس علينا أن نتبع خطى الآخرين عندما يقررون عنا أن حصيلة 2+2 هي أربعة. فماذا فعل الأبورجيني؟ أخذ حبلاً وعقده عقدتين، ثم أخذ حبلاً آخر وعقده عقدتين… ولكي يجمع بين الحبلين ربطهما (علامة الجمع +) فتولدت عقدة خامسة، وهكذا تكون النتيجة 5، أي كما قلت في كتابي “في معبد الروح”: “وقد تظنون أن الفصول أربعة، وهي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة، وهكذا هو الله لا يحده عقل ولا تحدده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط، بل بأرواحكم أيضاً … وإذا سمعتم من يقولون إنه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يجيبوا، فلعله واحد وغير واحد في وقت واحد، ولا تستعجلوا في الحكم… وإياكم أن تتهموا أحداً بالضلال، فإن ذلك يحدث الانشقاق والفرقة بين الناس، وما أبغض الفرقة إذا كانت ابنة الأفكار المجردة والأرواح المعطلة والقلوب المتحجرة!”
***
يقول النبيل: إن الجواب هو نتيجة عملية لتطور المجتمع، او العقل البشري، وان الجمع لا يتعلق بقوانين الرياضيات، بل بقوانين الحياة التي يعيشها الإنسان. وأنا أوافقه على ذلك، وأضيف أن الجواب قد يكون نتيجة حالة نفسية، أو حاجة أو واقع يعيشه الإنسان. ولست أطالب بأن يخطئ التاجر في الحساب مع الزبون، أو تتخلى الدول عن حساباتها، لكن في أمور كثيرة تختص بالخلق والعالم اللامرئي لا يمكن الركون فقط إلى العلم، فالروح لها دور مهم أيضاً، ولا بأس أيها النبيل الجميل أن يصل الفلاسفة إلى الحكم، فهم أجدر الناس في قول الحقيقة التي ينكرها الكثيرون، أو لا تخطر في بالهم. ولكن لا أنصح الفلاسفة بنشر أعمالهم على فايسبوك، لأنّ عدد المعجبين بهم سيكون قليلاً جداً.
*- القصة في موقع نبيل عودة ” شبكة الناصرة الليبرالية” http://nazarethliberal.co.il/full/157
________
مشروع الأديب د. جميل الدويهي “أفكار اغترابية” للأدب الراقي – سيدني 2019

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.