عالم خلف حجاب

عالم وراء الحجاب
الأيميش

الياس خوري
عام 2010، وكنت يومها أستاذاً زائراً في جامعة نيويورك، اقترح أحد الأصدقاء قضاء عطلة منتصف العام الدراسي في بنسيلفانيا، من أجل أن يعرفني على الوجه الآخر المحجوب من أمريكا.
اعتقدت يومها أن صديقي يقترح عليّ زيارة أحد معازل سكان أمريكا الأصليين، الذين يطلق عليهم اسم الهنود الحمر. رفضت العرض، إذ سبق لي أن زرت أحد هذه المعازل، وشعرت بالرعب من الانقراض. الإبادة الوحشية التي تعرض لها ملايين الأمريكيين الأصلانيين لم تترك سوى شواهد مثيرة للأسى. هذه الشواهد هي علامة على توحش المستعمرين الأوروبيين، وكيف أن ما نطلق عليه اسم الحضارة خرج من رحم الوحشية والبريرية.
قال صديقي إن المشروع لا علاقة له بالهنود الحمر، فهو يريدني أن أرى القرون الوسطى، التي تعيش اليوم في إحدى الزوايا المهملة للحداثة الأمريكية.
قال إننا سنزور إحدى المناطق حيث يعيش الأيميش، وهم جماعة بروتستانتية هربت من الاضطهاد الديني في أوروبا، ويعيشون كأنهم لم يغادروا القرن الثامن عشر.
لم يكن بإمكاننا الإقامة في المكان الذي يعيش فيه الأيميش، إذ لا توجد لديهم فنادق، فأقمنا في فندق في قرية مجاورة. وهي قرية ينتمي سكانها إلى طائفة دينية أخرى تسمى المينونيين، وهي انشقاق عن الجماعة الأيميشية الأصلية، وأعضاؤها يعيشون حياة حديثة من دون التخلي عن بعض ثوابت الطائفة الأصلية.
وكانت المفاجأة.
كان علينا أن ندخل المكان الذي يشبه قرية كبيرة مشياً على الأقدام، فالسيارات ممنوعة هنا، وسيلة التنقل الوحيدة هي العربات التي تجرها الأحصنة. مشينا في شوارع وسط الحقول، نساء يلبسن أثواباً رمادية طويلة حتى الكاحلين، ويغطين رؤوسهن بمناديل بيضاء للمتزوجات وسوداء للعازبات. لا أثر لأي مظهر حديث، لا كهرباء ولا سيارات ولا هواتف ولا مستشفيات. والناس يتكلمون لغة قديمة هي مزيج من الألمانية والهولندية.
كأننا فتحنا كتاباً قديماً، وبدل أن نقرأ مشينا في صفحاته، وعشنا مع أبطاله وبطلاته الذين يسكنون في أزمنة غابرة.
النساء غير متبرجات، لا أثر لأحمر الشفاه أو لأي مستحضرات تجميل. الأنوثة تختفي خلف رداء طويل فضفاض لا يظهر أي تقاسيم للجسم. والرجال منصرفون إلى عملهم في الزراعة. يزرعون كما كانوا يزرعون منذ مئات السنين، ويأكلون كما أكل أجدادهم من قبلهم. الأطفال يدرسون حتى سن الرابعة عشرة ثم يتعلمون مهنة آبائهم، والخمرة محرمة.
مشيت بينهم، وبدوت كمن هبط من كوكب آخر، لكن لا أحد كان فضولياً كي يسألني من أين أتيت.
دور المرأة الأساسي هو الإنجاب، لكنها تشارك في العمل أيضاً. المرأة الأيميشية تنجب حوالي عشرة أطفال، والحياة تستمر بطيئة ورتيبة.


العقاب الأكبر هو الطرد من الجماعة، والمتعة هي التسليم بالقضاء والقدر. لا وجود لتعدد الزوجات كما في طائفة المورمون، لكن الرجل هو رأس المرأة، فالمرأة تغطي رأسها كعلامة للخضوع لله وللرجل.
لا أدوات كهربائية، ولا راديو أو تلفزيون، يضيئون منازلهم المتواضعة بالقناديل والشموع، ولا مظاهر ثراء. الكل متساوون، يصلّون بشكل جماعي في البيوت، يعمدون الأولاد بين التاسعة عشرة والثالثة والعشرين، وحين تتم معمودية الشاب أوالصبية يصير صالحاً للزواج.
«أين نحن، هل هذه قرية حقيقية أم نحن في ديكور فيلم سينمائي»؟
«غداً سوف تفهم»، قال صديقي.
في صباح اليوم التالي، وبينما كنا نتناول الإفطار، لاحظت أن صاحبة الفندق تغطي جزءاً من شعرها بمنديل رفيع أبيض.
شرحت لي أن طائفتها من المينونيين وهم يختلفون عن الأيميش لأنهم يتبنون وسائل العالم الحديث، لكنهم يشبهونهم في كونهم يعتبرون أنفسهم في العالم لكنهم ليسوا من العالم. لم أفهم ماذا أرادت المرأة قوله إلا حين قبلت دعوتها للمشاركة في صلاة الأحد، التي أقيمت في كنيسة القرية.
انقسم الحضور في الكنيسة إلى نصفين، على يمين المنصة، حيث يقف القس ممسكاً بالإنجيل، يجلس الرجال، وعلى يسارها تجلس النساء.
وبعد مجموعة من التراتيل وشهادات دينية من ثلاثة من الحاضرين، بدأ القس في قراءة مقاطع من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح الحادي عشر، التي تقول: «أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، وأما رأس المرأة فهو الرجل، ورأس المسيح هو الله». ويتابع بولس تنظيره الذكوري فيشير إلى ضرورة أن تغطي المرأة رأسها، ويقول: «فالمرأة إن كانت لا تتغطى فليقص شعرها. فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله؛ لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل…». وتمحورت عظة القس حول ضرورة أن تلبس المرأة حجاباً. وكلما ازدادت قسوة القس على النساء ازدادت التهاليل التي كانت تخرج من صفوف المصليات والمصلين.
حتى هنا، أي خارج عالمنا الحديث برمته، يبنى ما يسمى بالتماسك الاجتماعي على الخضوع، وحجر الزاوية فيه هو خضوع المرأة للرجل.
«ماذا لو تمردت المرأة»، سألت صاحبة الفندق التي دعتني إلى غداء الأحد الجماعي.
«تُقتل»، قالت، «من يتمرد سواء أكان رجلاً أو امرأة يُقتل»
«يعني تطلقون عليه النار»؟
«لا»، قالت، «يطرد من الجماعة، وهذا قتل رمزي، لأن الأيميشي لا يستطيع أن يتأقلم في مجتمع الخطيئة، فيموت روحياً وربما جسدياً». صورة صاحبة الفندق وهي تروي لي عن القتل أصابتني بالرعب. لا أدري كيف قفزت صورة تلك المرأة بكامل وحشيتها وأنا أتابع مقتل الفتاة الإيرانية مهسا أميني، وثورة الحرية التي أعلنتها نساء إيران وهن يشعلن النار في الحجاب ويقصصن شعرهن، ويُقتلن في الشوارع.
الحرية هي الموضوع الوحيد الذي يستحق أن نموت من أجله، حرية المرأة في أن تلبس الحجاب وحريتها في خلعه. كل تحجيب للمسألة خلف شعارات دينية أو حداثية هو مجرد تلفيق سلطوي.
تركت الأيميش لمصيرهم الذي اختاروه، وعدت إلى مصائرنا المليئة بالأسى، ورويت لكم حكاية.

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.