طمع تركي بالذهب الفنزويلي

المصدر الشرق الأوسط

خالد البري

الإنذار الشهير، الآن تعني الآن، الذي وجهه الرئيس الأميركي السابق باراك إلى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، باركه الإعلاموباما، وأحزاب اليسار الليبرالي الأوروبية.
الإنذار الشبيه، الذي وجهه الرئيس الأميركي الحالي ترمب إلى الفنزويلي مادورو، دارت عليه دوائر نفس الإعلام. اليسار الأوروبي أخرج شعاره المفضل: كيف تجرؤ أميركا على التدخل في شؤون دولة أخرى؟!
كيف لا يرى هذا الإعلام وهؤلاء السياسيون هذا التناقض في موقفيهما؟
الكارثة في فنزويلا أضخم. أكثر دول أميركا اللاتينية ثراءً تشهد أزمة اقتصادية طاحنة واضحة للعيان. ليس بين المتظاهرين المعارضين للرئيس الفنزويلي جماعة إرهابية. بل قائد مظاهرات فنزويلا زعيم معارضة برلمانية. التناقض يصيب العقل بتضارب الأسلاك العصبية. هذا قبل أن يدخل إردوغان على الصورة. فينقلب الأمر ضحكاً يميت القلب.
في أثناء ما سمّاه الإعلاموباما العالمي «الربيع العربي» برز اسم رئيس تركيا عرّاباً لـ«نصرة الشعوب». وهكذا رُوج له في العالم العربي بعون من الإخوان العثمانيين، «المسلم الديمقراطي»، النموذج والمثال. اللوبي الإعلامي القطري قدم أيضاً إسطنبول عالمياً كـ«منفى الأحرار». ومهرب نشطاء الديمقراطية. الآن تركيا الدولة الوحيدة، باستثناء الدولتين الآيديولجيتين التقليديتين، روسيا والصين، التي تبرز داعمة لمادورو.
أين ذهبت «نصرة الشعوب»؟


ليس هذا سؤالاً إنشائياً. الإجابة جاءت في الأسبوع ذاته. خبر عن ترحيل شاب مصري من مطار إسطنبول إلى القاهرة. الشاب متهم في اغتيال النائب العام هشام بركات. لماذا كان هذا «الناشط الإرهابي» مسافراً إلى إسطنبول؟ لأن تركيا في الحقيقة صارت فيها قنوات عالمية محرضة باللغة العربية يديرها «الإخوان». وصار الإرهابيون يعبرون من حدودها.
رفاق الإرهابي في إسطنبول لم يستنكروا الاتهام بتفجير النائب العام، لكنهم استهجنوا ترحيل الإرهابي من كنفهم إلى كنف محاسبته على أفعاله. وتركيا ردَّت بالإعلان عن توقيف ثمانية ضباط شرطة يعملون في المطار بصورة مؤقتة لحين إتمام التحقيق معهم.
بالقرب من إسطنبول، وبعد 24 ساعة فقط، كانت زيارة رئيس الوزراء اليوناني إلى مدرسة دينية أرثوذوكسية أغلقتها تركيا عام 1971 وتطالبها اليونان بإعادة افتتاحها. في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء اليوناني طالب إردوغان اليونان بتسليمها ثمانية ضباط أتراك شاركوا في الانقلاب الفاشل، والآن يعيشون على أراضيها. لأن تركيا تتوقع من اليونان «ألا تكون ملاذاً آمناً للإرهابيين». حسب تغطية «وول ستريت جورنال».
لو أن الحياة متفرغة تماماً لكشف النفاق السياسي لشخص ما، فلن تستطيع أن ترتب الأحداث كما فعلت مع الرئيس التركي هذا الأسبوع.
كلمة ازدواجية المعايير في السياسة ليس لها معنى. نستطيع أن نقول ازدواجية المعايير المعلنة. ازدواجية المعايير التي صدقْتها أنت بسذاجة. ازدواجية المعايير التي يروِّج لها الساسة. أما المعيار السياسي فلا ازدواج فيه، المعيار هو «مظنة النفع». سأتخذ الموقف الذي يغلب عندي فيه مظنة النفع لبلدي على المدى المتوقع لهذه السياسة.
إردوغان حين أيَّد «الربيع العربي» ما كان ذلك إلا لظنه أن المماليك الجدد سيسيطرون على المنطقة، فيتمدد نفوذ الباب العالي. لا أكثر ولا أقل. إنْ كنتَ صدّقتَ أن الإسلامجية صاروا دعاة ديمقراطية، وأن المتشددين الدينيين الذين حوّلوا حياتنا طوال العقود السابقة إلى جحيم صاروا رموز تسامح، فالمشكلة عندك. إنْ كنتَ صدّقتَ أن قناةً تخرج من الدوحة مشغولة فعلاً بحق التعبير السياسي، فأعطني صوتاً مختلفاً داخل قطر، أو تابعْ تغطيتها لاستضافة بابا «النصارى» على أرض الإمارات. أو لا تعطني نصيحة أخرى ما حييت.
وبالمناسبة، مصر والسعودية والإمارات هي دول تقول إن التنمية الاقتصادية، والانفتاح المجتمعي الذي يسهم في هذه التنمية بتنويع أوجه النشاط الاقتصادي، أهمّ لها. لا أكثر ولا أقل.
تركيا تريد من فنزويلا عدة مصالح. أولاها استمرار تبادل ذهب فنزويلا بالمنتجات الغذائية التركية. حسب تقرير لـ«رويترز» اعتمد على بيانات رسمية تركية، فنزويلا صدّرت إلى تركيا ما يقرب من 24 طناً من الذهب عام 2018، مقابل 900 مليون دولار. في العام السابق له مباشرةً كانت صادرات الذهب الفنزويلي إلى تركيا صفراً. وسياسياً، تريد تركيا أن تطرح نفسها كقوة عالمية، ربما تساوم بهذا على الاعتراف لها بالنفوذ الإقليمي. ولو بإطلاق يدها في سوريا. لننس موضوع الشعوب والقلوب وليالي السهر.
لكنّ تبديل الأقنعة له ثمن، ولن تُعفى منه. قناع الديمقراطية في الشرق الأوسط. قناع الممانعة في فنزويلا. قناع الصداقة مع إسرائيل، ثم قناع المقاومة ضد إسرائيل. قناع الجبهة الإسلامية مع المحور الشيعي بداية الألفية، ثم قناع زعامة السنة ضد المحور الشيعي. قناع القيم الأوروبية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ثم قناع القومية التركية لمحاربة الأكراد. بعد 17 عاماً قضاها إردوغان في موقع صاحب السلطة الفعلية، هل يمكن خداع كل الناس كل الوقت؟ أبداً. فقدَ حلفاء الداخل، من عبد الله غول إلى فتح الله غولن. وقف على طرف نقيض من أصدقاء الأمس في طهران. فقدَ علاقاته بالخليج. توترت علاقاته مع إسرائيل. وصل التوتر مع أميركا إلى التهديد العلني بتدمير اقتصاده. مفاوضات الاتحاد الأوروبي أصابها الشلل. حتى الليرة التركية التي لطالما وقفت في صفه انتحت منه جانباً. ويوماً ما، قريباً، ستتوتر علاقاته بحلفائه، وسيبيعهم من أجل المعيار السياسي الحقيقي الوحيد… مظنة النفع.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.