ضمير القتلة و تحقيق العدالة

يقال في اللغة العربية ضميرٌ متصل و ضمير مستتر ، والضمائر تعرف من خلال الفاعل الذي تعود عليه . وفي الحياة الانسانية ايضا يوجد ضمائر متصلة بالبشر فتكون ظاهرة احيانا ومستترة احيانا اخرى . و يعرف ضمير الإنسان من خلال فعل الفاعل وصفاته.
فيكون فاعل الخير يعمل الصلاح و صادق وأمين في حياته وفي تعاملاته مع الآخرين ، فيقال فلان له ضمير حي وعامر بالصلاح ، وان كان الإنسان شريرا ويفعل الشر ويؤذي الناس ويمتاز بالكذب والفسق والجريمة، فيقال انه عديم الضمير وفاقد الانسانية .
المعروف ان مهنة الطب مهنة شريفة انسانية ، يعمل صاحبها على تخفيف آلام البشرية و يستخدم الطبيب علمه وخبرته لتشخيص المرض وعلاجه لانقاذ حياة الانسان من العذاب والالام والهلاك، اما ان يكون الطبيب فاقدا لضميره ويعمل من اجل ان يقتل ضحاياه وينهي حياتهم بتعمد وسبق اصرار لمجرد انه يطيع اسياده وينفذ كالالة المبرمجة اوامرهم بلا ضمير ولا انسانية ، فهذا الطبيب هو إبليس بعينه و مجرد من انسانيته وحتى فاقد لشرفه وشرف مهنته .
طبيب الطب الشرعي ، والتشخيص الجنائي، مهمته وعمله تشريح جثث الموتى بعد الحوادث لتشخيص ومعرفة سبب الوفاة ، يكتب تقريره للجهات الامنية والمحاكم لتاخذ برايه وتحكم بموجبه لأنه جهة صاحبة اختصاص و مصدر ثقة ويعتمد الحكم والقضاء على ما يقوله، وقد أقسم اليمين لربه ان ينجز عمله بكل شرف وإخلاص و يخدم الانسانية المعذبة .
الدكتور صلاح محمد الطبيقي طبيب سعودي متخصص بالطب الشرعي وخبير أدلة جنائية والتشريح ، الضابط في الأمن السعودي برتبة عقيد و بمنصب مدير دائرة الطب الشرعي وصاحب الخبرة الطويلة في مهنته ، كلفته حكومته بمهمة قذرة ولا انسانية ، وهي السفر من بلاده الى بلاد اخرى ، ليقوم لا بعلاج مريض وإنقاذ حياته ، بل بتخدير مواطن سليم البنية وبكامل عافيته بترصد وسبق اصرار وقتله وتشريح جسده وتقطيعه الى اشلاء صغير وتوزيع أجزاء الجثة في حقائب متعددة لتسهيل نقلها خارج مسرح الجريمة وهي بناية القنصلية السعودية في اسطنبول لدفنها وإخفائها في مكان ما بعيدا عن العيون الراصدة كي لا يُعرف مصيرها. و تكتب لاحقا حادثة اختفاء المجني عليه ضد مجهول . كل هذا تم من قبل هذا الطبيب لترضية اسياده وكتم صوت معارض للحكومة بالكلمة الحرة والرأي الصحفي .


لكن علماء الجريمة ومحققي كشف الأدلة الجنائية يقولون لا توجد جريمة مكتملة الأركان ، فلابد ان يترك الجاني اثرا يدل عليه . و هنا تكمن عدالة الله في القصاص من الجاني .
الدكتور صلاح محمد الطبيقي ، لم يرفض مهمة القتل وارتكاب جريمة إنهاء حياة رجل لا يكن له شخصيا اي عداء في حياته ، وربما لا يعرفه ولم يلتق به ابدا. وافق على بيع ضميره المستتر لمن أصدر له أمر القتل و ازهاق روح رجل برئ الصحفي جمال خاشقجي. وافق هذا الطبيب فاقد الضمير راضيا مقتنعا للسفر الى اسطنبول مع فريق من القتلة القساة مستصحبا معه حقن التخدير ومنشار تقطيع الجثث ليقوم بارتكاب ابشع جريمة ضد إنسان دخل قنصلية بلاده امنا مطمئنا لاستحصال وثيقة رسمية ليتسنى له الزواج بعد عشرة أيام . فتم ضربه وتخديره وقتله من قبل رجال أمن ومخابرات سعوديين تنفيذا لأمر اسيادهم . وتكفل الطبيب فاقد الضمير وعديم الانسانية بتقطيع جسده الى اشلاء على أنغام الموسيقى التي نصح فريق القتلة للاستماع إليها لتهدئة اعصابهم المتوترة لحين اكماله عملية التشريح والتقطيع لجسد المغدور البرئ.
لو ذهب المجني عليه جمال خاشقجي الى القنصلية لوحده دون ان يخبر احدا بالمكان الذي يقصده ، واغتيل هناك واخفت جثته ، لكان اختفاءه لغزا لا يعلم به أحد ، وربما كانت الحادثة تسجل أمنيا وقضائيا ضد مجهول ولن يُكشف من قتله وأين .
لكن ارادة الله وعدالة السماء أرادت ان تكشف الجريمة الشنعاء، ويصرخ دم القتيل الى السماء يعلن من هم القتلة وسفاكي دمه ، فشاء القدر ان يصطحب جمال خاشقجي خطيبته خديجة جنكيز معه الى بناية القنصلية ومسرح الجريمة المعد سلفا، والقتلة متهيئون لاستقباله بالشر وأدوات القتل . وكان لجمال حدس وتوجس من وقوع مكروه ضده في هذه البناية الحكومية، فطلب من خطيبته ان تنتظره خارج القنصلية ، وإن حدث له شئ غير طبيعي عليها ان تتصل بأرقام هواتف لشخصيات في الحكومة التركية لتخبرهم بما حصل ، وتركَ هاتفه الجوال معها . ودخل الى الفخ برجله ولم يخرج من القنصلية إلا جثة هامدة مقطع الاجزاء موضوعا في حقائب نقلت الى مكان مجهول .
اقول لهذا الطبيب القاتل صلاح الطبيقي و فريق القتلة واسياده المحرضين والمخططين على الجريمة والقتل المتعمد ، مدّعي التقوى والإيمان والمتظاهرين بحماية الدين والعباد المنتمين الى بلاد الحرمين، مركز الاسلام ومهبط الوحي في العالم ومحج المسلمين. والبلاد التي فيها قبر النبي وتضم آلاف المساجد ، اقول : يا من تدعون الدين والتقوى وتطيلون لحاكم و تسوّدون جباهكم بوسم الورع المزيف، كيف تصلون الى ربكم خمس مرات باليوم و أيديكم ملوثة بدم رجل برئ ؟ ماذا تقولون لربكم أثناء الصلاة وبماذا تدعون ؟ هل تطلبون المغفرة لجريمة ارتكبتوها عن عمد وسبق إصرار. وكلكم تعلمون ان من قتلَ نفس بريئة بغير ذنب كأنما قتلَ الناس جميعا .
لولا وجود خديجة جنكيز التي كانت السبب في كشف الجريمة وتشخيص هوية المجرمين و حددت موقع الجريمة ، لضاع دم جمال خاشقجي وهدأ الضمير الميت للمخطط والمحرض والقتلة. لكن الله يُمهل ولا يهمل .
التحقيقات مستمرة وسيتم كشف تفاصيل الجريمة ومرتكبيها. والمهم العثور على الجثة وكشف مكانها لتثبيت اركان الجريمة ومحاكمة فاعليها واصدار القصاص العادل بحقهم .
وانا من المنتظرين لتحقيق العدالة وانزال القصاص .

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.