ضع نفسك مكانها

بقلم سناء العاجي/
ليتخيل كل شاب يغادر بيته صباحا باتجاه الجامعة أو العمل بأنه سيسمع، طوال اليوم، كما رهيبا من التعليقات حول لون بنطلونه، وحول التيشرت اللصيق بعضلات صدره، وحول “الجل” الذي يضعه على شعره، وحول قبعته، وحول ذقنه غير الحليق، وحول مؤخرته، وحول طول قامته أو قصرها، وحول بطنه المنتفخ وشكل نظاراته.
كيفما كانت طريقة مشيه؛ كيفما كانت تصرفاته؛ كيفما كانت ملابسه.. لن يسلم من كلامهن وملاحظاتهن.
ها نحن نكتشف مرة أخرى أن التنديد بالتحرش هو ربما شعار فيسبوكي لا أكثر
بعضهن سيلمسن أجزاء من جسده. في الحافلة، سيلتصقن بمؤخرته. وإذا ما تجرأ ووبخ إحداهن أو توجه للشرطة، ستسأله القاضية والجارات (وبعض الجيران الذكور أحيانا) وحارسة العمارة وتلك “المؤثرة الفيسبوكية” عن نوع ملابسه وعن الساعة التي حدث فيها التحرش. سيروجون حوله النكات والرسوم الساخرة. سيشككون في أخلاقه ونواياه. سيشهرون به وبأسرته.
تبدو الصورة كاريكاتورية؟ خيالية؟ لكنها للأسف ليست كذلك بالنسبة لعشرات الآلاف من النساء في منطقتنا. واقع يومي تشهد كل امرأة أنها عاشته أكثر من مرة خلال وجودها في الحيز العام. لكن كثيرين لا يزالون يصرون على اعتباره تفصيلا مبالغا فيه من طرف النساء.
في المغرب، ومنذ صدور قانون مكافحة التحرش، تابعت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أعدادا هائلة من النكت و”القفشات”. سخرية مبتذلة (تبعثها النساء أحيانا) تبين بالواضح كيف أن مكونات كثيرة داخل المجتمع لا تزال تستهتر بالإشكالية وتعتبرها موضوعا للنكتة والمزايدات.


بل إن كم السخرية الذي تعرضت له ناشطة اجتماعية رفعت دعوى تحرش لدى الشرطة (الأولى من نوعها في المغرب)، يدفع للتساؤل حول مدى الوعي المجتمعي بعنف الظاهرة، بما في ذلك لدى بعض المحسوبين على التيار الحداثي والحقوقي.
تساءل البعض لماذا سيتحرشون بها ما دامت ليست جميلة (حسب مقاييسهم طبعا). وكأن النساء الجميلات وحدهن يتعرضن للتحرش، في حين تبين الشهادات أن النساء، جميلات أو أقل جمالا، بالحجاب أو بدونه، حوامل، مع أطفالهن… كلهن يتعرضن للتحرش بشكل شبه يومي. ألم نسمع أكثر من مرة عن حوادث اغتصاب نساء مسنات؟ ألا نسمع أرقام اغتصاب الطفلات الصغيرات؟ فكيف نستمر في اعتبار النساء “المثيرات” وحدهن من يتعرضن للتحرش والاغتصاب؟ ثم، إن تساؤل هؤلاء بخصوص مقدار جمال السيدة المعنية، ألا يعنى في النهاية قبولا أو تفهما للتحرش بامرأة يرونها جميلة، حسب مقاييسهم؟
تساءل البعض الآخر عن الصدفة الكبيرة التي جعلت رئيسة جمعية لمكافحة التحرش تكون أول من يرفع دعوى قضائية ضد التحرش، في حين أن الطبيعي جدا أن فاعلة في المجتمع المدني، ستمتلك شجاعة أكبر لرفع دعوى قضائية بمجرد صدور القانون، مقارنة مع أي فتاة أخرى قد تخاف من ضغط المجتمع والأسرة. كما أنها قد تفعل ذلك بهدف إعطاء القدوة والمثال لتشجيع نساء أخريات على فضح المتحرشين.
كيف نشرح لهؤلاء بأن التحرش هو عنف يمارس ضد المرأة بشكل يومي، وأنه ليس موضوع نكتة أو سخرية عابرة؟
باختصار.. ها نحن نكتشف مرة أخرى أن التنديد بالتحرش هو ربما شعار فيسبوكي لا أكثر. أما في الواقع، فالكثير من المنددين أنفسهم يبقون أبعد ما يكون عن الوعي بعنف الظاهرة.
إحدى الصديقات كتبت مؤخرا أنها سمعت في برنامج إذاعي مغربي نقاشا حول موضوع التحرش، صرح فيه أحد المشاركين بأن قانون مكافحة التحرش سيتسبب في انتشار العنوسة؛ بينما اعتبر آخر أن هذا القانون سيتسبب في انخفاض هرمونات الخصوبة لدى الرجال، وبالتالي فهذا يهدد المغاربة بالانقراض.
هكذا، بكل بشع الجهل والخلط بين التحرش وبين الغزل والعلاقات الرضائية.
كيف نشرح لهؤلاء ولغيرهم بأن الفتاة حين تكون موافقة على مبدأ التعارف أو ربط علاقة، فذلك لا يسمى تحرشا؛ وبالتالي فالخلط بين التحرش والخصوبة والعنوسة (مع كل التحفظات الممكنة على مفهوم العنوسة نفسه) هو أمر غير منطقي بتاتا؟ كيف نشرح لهؤلاء بأن التحرش هو عنف يمارس ضد المرأة بشكل يومي، وأنه ليس موضوع نكتة أو سخرية عابرة؟ كيف نشرح للبعض أنه، إذا كان يعتبر في التحرش دليلا على فحولته، فهذا يعني أنه يحتاج ربما لكثير من العلاج؟

شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.