ضاق بهم السبيل وكان البديل في الرحيل؟

علي الكاش
قال الكاتب الأمريكي روبرت فيسك” يبدو أن العراقيين جميع يريدون مغادرة العراق، نعم جميع المواطنين بإستثناء الأموات منهم”. وأضيف بإستثناء الفاسدين، وذيول ايران ايضا.
ما تزال مشكلة اللاجئين العراقيين تدور في متاهة، بعد أن استعصي حلً الأمور على الصعيدين الوطني والدولي. ومن المؤسف إن وزارة المهجرين نفسها جزء من المشكلة وليس من حلٌها، فالوزارة منذ تأسيسها ولحد الآن لاتمتلك إحصائيات دقيقة، ليس عن المهجرين خارج العراق حيث تكتنفه بعض الصعوبات فحسب، وإنما المهجرين داخل العراق، على الرغم من إغلاق معظم مخيمات النزوح. مع إن ذلك من صلب واجباتها. وعندما لايستند التخطيط في أي بلد الى إحصائيات وبيانات دقيقة، يتحول فعله إلى شخابيط وعبث بمقدراته ومستقبله، فوزير التخطيط الحالي تصوروا اعترف بأنه لا يعرف عدد الموظفين في العراق، فما بالك بمن هم خارج العراق!
سبق أن إعترف عراب أهل السنة (اسامة النجيفي) رئيس ما يسمى بمجلس النواب العراقي السابق، وهو رافع راية لصوص رفحاء عاليا، بأن” هناك أكثر من (1.5) مليون مهجر خارج العراق وأكثر من ذلك داخل العراق وهم يعيشون في حالة من الفقر والإهانة”. داعيا الى معالجة المشكلة بشكل سريع لأن “موضوع الهجرة والمهجرين موضوع حساس ويجب أن يحل باسرع وقت ممكن”. تصوروا رئيس أعلى سلطة تشريعية في مجلس النواب يطالب بحلٌ!! صاحب الحل يطالب بحل! مع انه سرعان ما حل مشكلة اللاجئين الرفحاويين برواتب مضاعفة لجمبع افراد الأسرة حتى الأطفال او من ولد في الخارج.
تصاعد عدد اللاجئين العراقيين في الخارج نتيجة العمليات الإرهابية التي طالت أهل السنة والمسيحيين العراقيين وبقية الأقليات على أيدي الميليشيات العراقية الإرهابية ونتنظيم داعش الإرهابي وأدت إلى نزوح جماعي إلى الخارج. فهذا النجيفي الأفاك كان يدرك جيدا إنهم يعيشون بذل وفقر ومهانة! لكن ما الذي قدمه لهم بإعتباره رئيسا للسلطة التشريعية في حينها؟ وهل خصص جلسة واحدة لمناقشة أوضاعهم المذلة في مجلسه البائس؟ وهل هؤلاء لا يستحقوق ُ ما حصل عليه لصوص رفحاء؟ وهل كانت مناقشة مسلسل (الحسن والحسين) في عهده عبر البرلمان أهم من مناقشة مصير ما يقارب (4) مليون عراقي بين مهاجر ونازح؟


ان المنحنى البياني يشير إلى تصاعد عدد اللاجئين العراقيين بعد سيطرة داعش ومن بعده حزب العمال التركي على سنجار، وفي ظل الظروف القاهرة وإستمرار نهج الحكومة في إستهداف العناصر الوطنية والناشطين العراقيين، مع بقاء بؤر الفساد المالي والإداري في جميع الوزارات والمؤسسات. وهذا ما نستنتجه من خلال المؤشرات الموجودة على الساحة العراقية، وهو نهج شاذ سيستمر على أقل تقدير لعدة سنوات قادمة! طالما إن الرئاسات الثلاث وزعماء الكتل والأحزاب السياسية ثابتون كالخرسانات الأسمنتية التي نصبوها في شوارع بغداد لا تتزحزح عن مكانها، في ظل سبات القضاء العراقي وما يسمى بالمدعي العام، الذي لا حيص له ولا بيص في الأحداث الجارية على الساحة، فهز يذكرنا بأصنام الجاهلية وكبيرهم هبل.
كثير من المواطنين الأصلاء أرغمتهم ظروف الإحتلال الامريكي الفارسي للعراق أن يشدوا رحالهم إلى قارات بعيدة ودول عديدة ما كانوا يحلموا برؤيتها، وربما لا يعرف بعضهم مواقعها على الخرائط. والبعض الآخر فضل الاقطارالعربية الشقيقة كما تسميها وسائل الإعلام عادة. بالرغم من ان الدول غير الشقيقة سيما الأوربية المسيحية هي أكثر تسامحا ورحمة بالعراقيين من الدول العربية الإسلامية. بل أكثر عرفانا منها بجميل العراق، رغم ان ما أصابها من خيرات العراق يعد ضئيلا إن لم يكن معدوما.
عندما نقول أجبرت ظروف الإحتلال العراقيين على التشرد، فهذا لا يعني الظروف المباشرة فقط وإنما كل ما نجم عن ذلك الإحتلال كالفساد الحكومي، وإنتشار الميليشيات المسعورة المدعومة من قبل ولاية الفقيه. وانهيار البنى الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والاخلاقية والدينية. إضافة إلى تبوأ العملاء والجواسيس والمجرمين والمزورين مقاليد الحكم، وهيمنتهم مع اقاربهم على المؤسسات الحكومية كافة. ولا يفوتنا بهذا الصدد الإشارة إلى الدور الخبيث لرجال الدين من السنة والشيعة المتواطئين مع شياطين البيت الابيض والولي الفقيه. علاوة على المراجع المتلاعبين بعقول السذج والجهلة والفقراء مما أدى إلى إنتشار الطائفية كالنار في الهشيم وحرقها للنسيج الوطني وتعطيبه. اما بقية المظاهر فمعروفة للجميع وأشبعت بحثا.
هؤلاء المشردون من وطنهم أولا، ومن مدنهم ثانيا، تركوا حصون مناطقهم المسيجة بالترسانات الخراسانية الضاغطة على صدورهم والقاطعة انفاسهم في بلد يتنفس الحرية والديمقراطية كما يزعم حكامه العملاء. لقد أستنبط اللاجئون بدراية ورؤية ثاقبة بإنه من الصعب- إذا لم يكن من المستحيل – أن تقوم قائمة للعراق خلال أقل من عقدين قادمين على سبيل التفاؤل ليس إلا.
في حين لم يدرك ذوو المنهج الطائفي وذيول الإحتلال والمطبلين معهم حتى هذه الساعة بأن الديمقراطية المزعومة كفنت ودفنت في عاصمة الرشيد، وهي في مهدها لم تفطم بعد!” لكن من الجهل ما قتل”!
لقد إتخذ بعض العراقيين قرارا صعبا كظروفهم الصعبة لإيقاف عبث الأقدار في مصائرهم ووضع حدا لمجونها واستهترارها بكل القييم السماوية والوضعية. نحروا الماضى والحاضر فداءا لمستقبل مجهول يصعب التكهن به. باعوا بيوتهم ومتاجرهم ومحلاتهم وممتلكاتهم، أو أغتصبت من قبل الميليشيات الشيعية وقرينها تنظيم داعش الإرهابي، وأهم من ذلك كله فقدوا بصمات الذكريات التي تركت آثارها في كل ركن وشبر فيها. بيعت ممتلكاتهم بأسعار بخسة مثلما بيع الوطن الكبير بثمن بخس. أليس الجزء يحمل صفات الكل الذي يتجزأ منه؟ إنطلق لا جئوا ومشردوا العراق في تنفيذ مشروعهم القسري اليائس من قاعدة مؤلمة وهي عندما يضيع تأريخ بلد فما يعني ضياع تأريخ أسرة؟ وعندما يتشرد شعب في اصقاع العالم فما يعني تشرد أسرة؟ ان خراب بيت وأسرة لا يقارن مطلقا بخراب وطن وشعب.
البعض يلوم اللاجئين لمغادرتهم الوطن وتركهم وظائفهم وأعمالهم ومصالحهم وحقوقهم لصالح العملاء! هذه حقيقة لا يمكن نكرانها. لكن عندما تقايض بها حياة الإنسان وأمنه وأمن أسرته تكون المقايضة مقبولة. وهناك أمر يثير الحيرة وهو إن حكومة الإحتلال تحرم حوالي مليوني لاجيء عراقي في الخارج من حقهم المشروع في واردات البلد النفطية وغيرها. وإذا احتسبنا إن عدد الأكراد يساوي عدد اللاجئين العراقيين في الخارج والذين خصصت لهم حكومة الإحتلال (17) مليار دولار سنويا لفهمنا هدف الحكومة من تحريض ميليشياتها واجهزتها القمعية من إبعادهم! ولفهمنا الهدف من وراء إرهاب أهل السنة والمسيحيين وبقية الأقليات كالأيزدية والصابئة لأجبارهم على مغادرة البلد! ولفهمنا سبب تقاعس الحكومة وعدم ترحيبها بعودة اللاجئين. وإن ما يبوق له بعض دهاقنة العمالة من حرص على عودتهم من المنفى للوطن إنما هو لأغراض دعائية فقط.
لقد غادروا الوطن المحتل من قوى الخارج والداخل، ذاك الوطن العاق الذي ركلهم كفرس جامح لخارج الحدود وهم يتمتمون مع أنفسهم:
ـ أي خير يرتجى في وطن يجبر أبنائه على النزوح منه، ويستقدم الأجانب بدلا عنهم؟
ـ أي خير يرتجى في وطن يفيض بالخير على الغرباء ويتقشف مع ابنائه؟
ـ أي خير يرتجى في وطن يحكمه الإرهابيون واللصوص والمزورون والدجالون؟
ـ أي خير يرتجى في وطن كل محافظة فيه هي وطن، وكل عشيرة هي حكومة؟
ـ أي خير يرتجى في وطن تستبيح فيه أعراض الشيوخ والأطفال والنساء على أيدي الشرطة وقوات الأمن؟
ـ أي خير يرتجى في وطن كل شيء فيه مستورد من الحكومة والبرلمان بل حتى الضمائر؟
ـ أي خير يرتجى في وطن يحكمه مرجع فارسي، ويديره ابنه مع شرذمة من المعممين والدجالين والمشعوذين وتجار المتعة؟
ـ أي خير يرتجى في وطنه قواته المسلحة المليونية عارية مشلحة، ويوميا تنتهك الميليشيات عذريتها؟
ـ أي خير يرتجى في وطنه قواته الأمنية تحمي الفاسدين وتلاحق الأبرياء الوطنيين؟
ـ أي خير يرتجى في وطن قضائه بغلة ضعيفة عجوز متهالكة تمطيها الحكومة المترهلة؟
ـ اي خير يرتجى من وطن يطلق فيه سراح تاجر مخدرات معمم، ويسجن الضابط الذي القى القبض عليه؟
ـ اي خير يرتجى من وطن تسيطر عليه الميليشيات الولائية وتعتبر قائدها العام للقوات المسلحة معزا يجب قطع أذنيه، فيبتسم برعونة ويطلب من شعبه الإبتسام للحياة، ويوعد بإرجاع هيبة الدولة، وهو لم يستطع ان يعيد الهيبة لنفسه؟
ـ اي خير يرتجى من وطن يحكم قضائه المخبر السري، والمفارقة ان جميع المخبرين من الشيعة، وجميع المتهمين من أهل السنة؟
ـ اي خير يرتجى من وطن يقتل فيه (700) متظاهر سلمي ويعوق ويجرح (25000) آخرين، ولم تتمكن القوى الأمنية التي تعدادها مليون ومائتي ألف منتسب، ومئات الآلاف من كاميرات الشوارع من اكتشاف مجرم واحد فقط؟
ـ اي خير يرتجى من وطن يحرق الغاز المنبعث من آبار النفط، ويشتريه من ايران بمليارات الدولارات؟
ـ اي خير يرتجى من وطن تزدهر فيه تجارة المخدرات والتزوير والرشاوي والسرقات والصفقات المشبوهة وكل مفاسد الدنيا، من هرم السلطة الى القاع.
اقول بأسف ربما يثير المواجع: العراق بلد ضائع، وشعبه معدم جائع، مخدر بأفيون المراجع. فلا رجاء ولا نصح معه نافع.
هل من رجاء في شعب يؤدي واجباته بكل خنوع ولا يطالب بحقه المشروع؟
وهل من رجاء في شعب ينتخب جلاديه مرة ثانية وثالثة لأسباب طائفية فقط؟ أي وطن هذا؟ وأي شعب هذا؟ العراق بيت آيل للسقوط على رؤس قاطنيه، والمسألة مسألة وقت فقط..
الشعب الذي تنُتهك جميع حقوقه ولا يثور، لا تنتظر منه النهوض ولا التغيير، من يتعود على الذل والعار، لا يبالي بحقوقه، ولا يثأر لكرامته، ولا أحد يتأسف عليه ان عاش أو مات، فالأمر سيان.

علي الكاش

About علي الكاش

كاتب ومفكر عراقي . لدي مؤلفات سابقة وتراجم ونشرت ما يقارب 500 مقال ودراسة. لدي شهادة جامعية في العلوم السياسية واخرى في العلاقات الدولية شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية لدي خبرة واسعة جدا في الكتب القديمة والمخطوطات
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.