صفات الملوك 2

شخصيات الملوك لا تستطيع أن تسترخي بأعصابها بين حرية الرأي والرأي الآخر , وأود القول كلمة أخرى من مقالة أخرى لي وهي أن فساد الملوك لا يحتاج إلى دليل لأن المهنة نفسها فاسدة فطبيعة نظام الحكم الملكي طبيعة قديمة تقوم شرعيتها على اطلاق الأيادي الملطخة بالدماء كي تحكم وترسم وتنفذ السياسات,وهذه الطبيعة في الحكم كانت سائدة في المجتمعات الاستبدادية , وظهرت الأنظمة الملوكية أول ما ظهرت في بلدان الشرق الأوسط وبالذات في آسيا وأول ملك آسيوي كان( نرام سين ) تزامنا مع ظهور نظام الملكية الفردية وكان الملك يلبس فوق رأسه قرنين من قرون الثيران .
ونظام الملوك نظام اقتصادي قديم ونظام سياسي تعسفي فهو لا يسمح بنقده أو الاستهزاء به أو التهكم عليه, وهو:الدولة,والدولة:هو .

وهذه المواصفات العنيدة لا تستطيع أن تلبي حاجيات المجتمع المدني الحديث فالمجتمع المدني الحديث مجتمع ينتقد كل شيء وكل ما هو مقدس ولا قداسة لشخص على حساب ملايين الجماهير العريضة .

وفي القرآن كلمة عن الملوك وآية مكتوبة تشهد على فسادهم ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزتها أذلة وأذلتها أعزة ) وهذا يعني أن نظام الملوك نظام قهري فاسد يفسد على الجماهير مصالحها في سبيل الإبقاء على مصلحته الشخصية وبالتالي فهو نظام تسلطي يقرب من بطانته الدهات سياسيا واقتصاديا ويستفيد من قسوة دهات المال والسياسة ويحميهم بقوته العسكرية بنفس الوقت الذي يستفيد به من أوراقهم النقدية وسرقاتهم وعملاتهم المعدنية من أجل تجنيد الجيوش والجواسيس وهذا كله من أجل إحكام القبضة الحديدية على الجماهير.

ونظام الملوك نظام فاسد يقرب منه اللصوص الذين يعملون في الليل ويبعد عنه الصرحاء الذين يعملون في النهار وبالتالي في ظل نظام الملوك يزداد الفساد الإداري والعسكري والثيوقراطي وتكثر السرقات والأعمال الليلية وجز الصوف وتغيب من بطانة الملوك الديمقراطية والتعددية كونه نظام لا يسمح لأحد بأن يشاركه في حكمه أو أن يقترح عليه أحد أفراد الحاشية برنامجا سياسيا وحكم بديل حتى في أعتا الأزمات السياسية ويبدأ الملوك عادة حياتهم بخيانة المقربين منهم مثل الأقرباء والأشقاء ويختمون حياتهم بخيانة متكررة للأقارب والأشقاء من أجل توريث من يريدون توريثه من أبنائهم ولضمان انتقال السلطة بنجاح .

فكل الخلفاء يعدون ملوكا وبغض النظر عن ذكر أسمائهم فسجلاتهم التاريخية تثبت أن الخلفاء العباسيين كانوا في أول استلامهم لسلطاتهم الدستورية يقتلون الأبرياء لمجرد شكهم بخيانة العرش والبلاط والديوان ولمعرفتهم أحيانا بشخصيات طموحة تطمح للاستيلاء على السلطة أو المشاركة بحصة كبيرة من أسهم السلطة , فالحكم يومئذٍ للملك وكانوا لهذه الشكوك يقومون بتوزيع التهم السياسية عليهم لإقصائهم عن ساحة العمل السياسي والمدني والعسكري, كتوزيع العقاب كلٌ على حدى ويأخذ كل واحد عقابه الذي يستحقه لضمان هيمنة الملك .

ويفشل الملوك في حياتهم السياسية إذا كانوا على شاكلة الملك (فرنسيس ملك فرنسا المولود -1514م) فقد كان الملك فرنسيس رقيق القلب محب للجمال وصريح جدا لدرجة أنه فشل بأن يكون دبلوماسيا , وكان محبا للنساء الجميلات لدرجة الخبال لذلك فشل بأن يصبح داهية سياسية.

ورغم أنه كان يبتز الملك هنري ثيودور الثامن بأناقة ثيابه غير أن أنفه الكبير وشاربه الخفيف جعله أقل جمالا من هنري تيودور الثامن .

وهنري تيودور الثامن كان ملكا متعارضا في سلوكه لسلوك معاصره فرنسيس فقد كان ملكا وغدا وحوتا وتنينا قتل جميع أصدقاءه وكال التهم لكل عشيقاته وزوجاته وقطع رؤوسهن في سجن برج القلعة في لندن ولم تثمر به الحياة الزوجية مع ثلاث ملكات حبسهن في سجن القلعة الواحدة تلوى الأخرى وبالتالي فهذه الشخصية للملك هنري هي الشخصية الناجحة للملك الناجح بينما الملك فرنسيس بوفائه كان يستجيب للدموع والانفعالات ولربما أن شخصية جده الشاعر (أورليان ) قد نقلت إليه صفات وراثية ساهمت بعمق حبه للفلسفة إذا كانت لا تتعارض مع الحب والحرب .

ورغم أن شخصية الملك فرنسيس جمعت مزايا عصر النهضة في أوروبا وفرنسا بالذات فقد فشلت بأن تكون شخصية ملك قاسي القلب والطبع فلقد جمع أيضا معاصره هنري الثامن مزايا النهضة الإنكليزية وأورثها لأبنته الملكة إليزابث غير أن هنري كان قاسيا وفرنسيس كان رقيقا .

وعاش الملكان في ردهات قصرهم حياة طبيعية إذا استثنينا غراميات هنري خارج أسوار القصر وكذلك معاصره الذي أنتقل له السل عامدا متعمدا عن طريق امرأة أحب مضاجعتها فعلم زوجها بذلك فعاشر امرأة مصابة بالسل وضاجع زوجته ونقل لها العدوى كي تنقلها للملك فرنسيس صاحب الأنف الكبير الذي يدل كبر أنفه على فحولة جنسية شبقه .

على كل حال شخصية الملوك هي شخصية الحاكم القديم حين كان الناس دهماء ورعاع يفتقرون للعلم والمعرفة أيام المجتمعات الإقطاعية والنصف إقطاعية كما كان هذا النظام النصف إقطاعي في بلداننا العربية والإسلامية .

أما اليوم فلا أحد يهرب من عين الكاميرى السحرية التي تلتقط كل شيء حتى الأشياء التافهة , والقسوة وعدم رقة القلب لا تتناسب مع طبيعة المجتمعات المتمدنة اليوم فالمجتمعات المدنية اليوم بحاجة لملك ينفق على الثقافة كما تنفق فرنسا على وزارة الثقافة بميزانية تفوق ميزانية وزارة الدفاع, وكما ينفق الملك على ملابسه الفاخرة وبحاجة لملك متسامح مع المثقفين وخصوصا في أزماتهم الثقافية وبحاجة لملك يسمح بالرأي والرأي الآخر ولملك صريح جدا وغير دبلوماسي مع السياسيين والمثقفين لدرجة خداعهم وتضليلهم من قبل أجهزته الأمنية بل دبلوماسي لدرجة الإشفاق عليهم واحترام معاناتهم وحصارهم الاقتصادي .

About جهاد علاونة

جهاد علاونه ,كاتب أردني
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.