صرخة من أجلهم … المعتقلون … كافر من ينسى عذاباتهم.

Bassam Yousef

التاريخ: 25/11/1987.
المكان: فرع المخابرات العسكرية- اللاذقية.
أتكوّر في زنزانتي العارية، قبل قليل أعادوني من جولة التعذيب الأخيرة، موجات من الألم الشديد تجتاح جسدي كله، من قدمي حتى رأسي، أتحسس برؤوس أصابعي وجهي المتورّم، الذي يحترق كما لو أنه فوق صفيح ساخن، وما إن أتلمسه حتى يزداد الألم؛ فأبعد أصابعي، وأتحسس بلساني أسناني التي فقدت ملاستها، وغطتها نتوءات حادة، أفكر: ربما تكون قد تكسّرت بعد لكماتهم التي استقبلوني بها. كنت لا أزال واقفاً، يداي مقيّدتان وراء ظهري، وعصبة بلاستيكية مرنة وسميكة تغطي عينيّ، عندما أطاحت بي لكمة عنيفة على وجهي، شهقتُ، وأحسست أن فمي يمتلئ ببقايا صلبة، كانت تنطحن بسهولة تحت أسناني، سقطتُ، لكن قبل أن أصل الأرض تلقفتني أيد ما، وأوقفتني، لتهوي لكمة أخرى وأخرى… كان جسدي يتطوّح يميناً ويساراً وأماماً وخلفاً … لكمات متلاحقة تنهال من الجهات كلها، وأنا أشهق، وأحاول- بحدس الروح- أن أتجنب لكمة ما، فتقع عليّ أُخرى، وأنا لا أرى جهات الخطر؛ لا يحق لي أن أرى؛ لأننا نحن السجناء محرّم علينا أن نتعرّف إلى وجوه الجلادين.
لقد كففت عن استكشاف ماحل بأسناني، كانت حركة لساني تؤلمني؛ فتوقفت، وأحاول أن أحرك جسدي قليلاً، وأتوقف … اللعنة!! من زرع أرض هذه الزنزانة اليابسة بكل هذه الكتل الإسمنتية المسنّنة، أي عقل هذا الذي يشتغل على صناعة كل هذا الألم؟ أحاذر أي حركة في تكوري داخل زنزانتي المعتمة؛ فهذه الكتل المسننة اللعينة تنغرز في جسدي بلا رحمة؛ فأتوقف عن محاولاتي الوجلة أيضاً.


أستعيد وجه أمي، أمي التي ظلت صامتة طيلة الدقائق القليلة التي أمضوها في بيتنا، منذ وصولهم وحتى اقتيادي إلى سيارتهم، لم تقل إلا جملة واحدة، مازال صوتها وهي تنطق جملتها الوحيدة المختنقة والمتوسلة: ( ياخالتي لوين آخدينو ؟؟) يتكرر بلا توقف في ذاكرتي، لا أدري لماذا صمتت، بعد أن أجابها ضابط المخابرات ساخراً: “لاتخافي، فنجان قهوة بس”، يبدو أنها أيقنت: أن لافائدة من الحديث معهم؛ فصمتت. لكن دموعها ظلت تسيل بهدوء، لم تقل شيئاً، راحت تراقبني وأنا أخطو خطواتي الأخيرة باتجاه سياراتهم. مشيت بين حشد عناصر المخابرات الذين جاؤوا لاعتقالي صامتاً، أنا الآخر تحجّبت بالصمت. ثم ما إن أصبحت داخل إحدى السيارات حتى بدؤوا بضربي، أحكموا وضع شيئ ما سميك على عينيّ؛ منعني عن رؤية أي شيء من حولي، ووضعوا يديّ خلف ظهري، وقيدوهما بقيد معدني ضيق، وكبسوا رأسي؛ فتصيّرت متكوّراً، يداي تنتفضان ألماً بسبب حديد القيد المغروز فيهما، وضرباتهم تنهال عليّ كيفما اتفق.
عندما وصلت السيارة إلى باحة فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية، فتحوا بابها، وبركلة قوية من أحدهم قُذفت خارج السيارة، ثم أنهضوني، وبما يشبه السحل سحبوني إلى جوف البناء، وإلى غرفة التحقيق.
جولة من التعذيب، ثم أخرى ، وأخرى؛ فهم في البداية لايريدون منك إلا أن تنهار، وأن تتوسل، وأن تستغيث، ثم بعدها، بعدها فقط، يسألون، ويباشرون.
وأنا في البداية صرخت، وصرخت، كان صفير اختراق الكبل- الذي أجلد به- للهواء قبل وصوله إلى جسدي يبعث في نفسي رعباً هائلاً، ثم بعد أن تعبت من الصراخ، سكتُّ، حاولت أن لا أسمع صوت أزيز الكبل وصفيره وارتطامه، لكأنني اقتنعت أن لاجدوى من الصراخ ولامن التوسل؛ فتركت جسدي لهم، تخلّيت عنه، هجرته، تركتهم يفتتونه كيفما يشاؤون، أصبحت جثة صامتة.
جولة تعذيب أخرى… وتعقبها أخرى… والنهار يمضي بطيئاً، وعندما يرتاحون بين جولة وما بعدها، يتركونني متكوراً وعارياً إلا من سروالي الصغير، ويديّ مقيدتين وراء ظهري، فأحاول التكور أكثر لكنني لا أستطيع؛ لم يعد هذا الجسد المدمى جسدي: لم تعد يداي لي، ولا رأسي لي، ولم تعد أي قطعة من هذا الجسد لي.
وكان الليل قد ليّل، عندما انتهى يوم عملهم؛ فأمسكني اثنان من إبطيّ، وسحبوني من الطابق الثالث إلى المنفردات في الطابق الأرضي، وفتحوا باب إحداها، ونزعوا القيد عن يديّ، والطميشة عن عينيّ، وألقوني على أرضها، ورموا ثيابي فوقي، وغادروا.
ينتفض جسدي تحت موجات ألم تتواتر بسرعة، أشعر أن كتل الإسمنت المسننة المزروعة عمداً في أرض الزنزانة اليابسة، تمزق جسدي لكنني لا أقدر على تحريكه.
أسمع أصواتاً قريبة مني، ثمة أشخاص يتهامسون، ثم يرتفع صوت أحدهم أكثر، ويسأل:
– أنت … شو اسمك؟
– أحاول أن أقول شيئاً، لكنني ما إن أفتح فمي حتى أشعر بألم حاد في فكي؛ فأصمت.
يسألني مرة أخرى بصوت أقوى:
– أنت ياجديد…، شو اسمك؟؟
أقول بكل قدرتي:
– اسمي بسام يوسف.
لايخرج صوتي، محاولة الكلام تبعث في فكي موجة حادة من الألم، أصمت، وأبقى متكوّراً بلا حركة.
هل غفوت، أم غبت عن الوعي، أم … أفتح عينيّ في الظلمة، لا أدري أين أنا، كل شيء غائم، لكن صوت قرقعة حادة لمفتاح في قفل باب زنزانتي يذكرني أين أنا، يَصِرُّ باب الزنزانة المعدني بصوت حاد، ثم أشعر كما لو أن حزمة من ضوء تسقط على وجهي، أحاول فتح عيني المتورمتين عبثاً، لكنني أشعر أن أحداً ما يقف عند باب الزنزانة، وأسمع صوت تنفسه، يصمت قليلاً، ثم يسألني بلهجته المتغطرسة:
– هنت من الديلي…؟( أنت من الدالية؟)
أهز برأسي بالإيجاب، ولكن رأسي لايتحرك؛ فيركلني بحذائه على قدمي:
– يا كرّ … مسألك: هنت من الديلي…؟؟
أصمت؛ فيركلني مرة أخرى بقوة، وينتفض جسدي بموجة ألم حادة، وأواصل صمتي، فيركلني ركلة أخرى أشد عنفاً، ثم وبصوت أقرب إلى العواء:
– متطلع ضد الرئيس ياعرص…والله لنسّيك الحليب اللي رضعتو …والله لأعدمك.
ينخبط باب الزنزانة بقوة، ثم يقرقع مفتاحها مرة أخرى، وتعود الظلمة، بينما تبتعد خطوات من سينسيني حليب الرضاعة.
أعود إلى غيبوبتي مرة أخرى، لكن بطل نسيان الحليب، يبكر في طلبي، لم يكن موعد بدء العمل صباحاً قد حان، عندما تم اقتيادي مرة أخرى إلى غرف التحقيق.
كان يفحّ مثل أفعى وهو ينهال بكبله الرباعي فوق جسدي الوحيد المطروح أرضاً:
– والله لربي الديلي فيك … ولك هنت ضد السيد الرئيس …؟؟!! ماعجبك تطلع إلا ضد السيد الرئيس…؟؟ والله بقبل تطلع ضد الإمامو علي، أما تطلع ضد السيد الرئيس !!! العمى بعيونك العمى…
وعلى الرغم من محاولاته كلها، وفنونه في التعذيب كلها، فإني لم أتمكن من تذكر حليب رضاعتي؛ لكي أستجيب إلى طلبه بنسيانه، ويبدو أنني قد نسيته قبل أن ألتقي هذا الجندي الأسدي الباسل، لم أكن قادراً على أن أتذكر شيئاً … لقد كنت أنتفض تحت لسعات ألم لايوصف فقط، لقد كان جسدي يتمزق، وصرخاتي التي أطلقها معتقداً أنها تملأ سماء هذا العالم، لم تكن أكثر من أنين عميق متواصل …
وهو، الجندي الباسل، ككلب مسعور يواصل لهاثه، والكبل الذي بيده يهوي بكل مايستطيع من القوة، وجملة واحدة يرددها بلا توقف:
– آيليييييي ضد السيد الرئيس؟؟!!
لم تكن سوريا حاضرة، ولا الإمام علي، ولا الوطن، ولا أي شيء، وحده السيد الرئيس يُعلن عن حضوره الطاغي بعنصر مخابرات مسعور، وبكبل يستطيع أن يفتت لحم ضحيته: إنه الرئيس، الرئيس الأوحد، الفرد الصمد، المالك السيد … ونحن عبيده الجاحدون المارقون الكافرون به، نحن الناكرون فضله ومنّه وخيره …نحن من نتنفس هواء، ماكان ليكون، لولا عطاءاته وفضله.
في صباح اليوم الثالث من اعتقالي فتح السجان باب زنزانتي، وهو يزعق طالباً مني الوقوف، حاولت فتح عينيّ فلم أستطع، كان الورم قد تضاعف، ولم تنفع ركلات السجان ولا زعيقه ولا شتائمه وتهديداته، في سكب ما يكفي من القوة في جسدي؛ لكي أنهض، كنت جسداً متيبساً ومتورماً، وكانت كل خلية فيه تنتفض بلسعات ألم لاتحتمل، وهكذا اضطر إلى الاستعانة بعنصر آخر، فجرّوني مثل كيس، كنت أصرخ مع كل خطوة يخطوانها، لكن صرخاتي، هي أيضاً، كانت أعجز من أن تتجاوز ذلك الأنين العميق الذي لايتوقف.
وكان يوماً آخر من الجحيم في غرفة التحقيق، فالجسد الذي تفتت، وتورم، وتفصدت جروحه، قد فقد- خلال يوميه الماضيين- طاقته على التحمل كلها، لقد كانت لسعة الكبل، الذي يهوي فوق الجروح، تُفجّر ألماً لايمكن وصفه، ولايمكن لصراخ في العالم أن يقوله، ولا يمكن لأي آلهة أن تخفف بعضاً منه، ثم بعد قليل من بدء جولة التعذيب يُعلن الجسد المنهك زوغانه؛ فيعطل حواسه كلها؛ ليفعل آخر ما يمكنه فعله.
أشهق بعد دفقة ماء باردة على جسدي الذي تتوهج جروحه كجمر، تؤلمني دفقة الماء الباردة أكثر من ضربات الكبل؛ فتسحبني من غيبوبتي، وأجاهد بكل ما أستطيع لكي أفتح عيني، لكنهما تظلان مغلقتين، وإن كنت لا أعرف يقيناً، إن كنت قد تمكنت من فتحهما أم لا؛ فالظلمة التي أغرق فيها لا تنقص أبداً، وذاكرتي التي تبحث عن شيء ما؛ لكي تحدد أين أنا، لا تعثر على أي شيء، وتغيم، وتدور قبل أن تباغتني دفقة ماء أخرى؛ فأشهق مرة أخرى، وأشعر كما لو أنني بلا ذاكرة، لاشيء حولي، والعالم أسود وحارق، لكنني أستعيد شيئاً فشيئاً قدرتي على التذكر، بعد أن أسمع صراخهم وشتائمهم، أتذكر أين أنا، وألعن حظي؛ لأنني مازلت على قيد الحياة.
في جولة أخرى سوف يغمى عليّ، وسوف يُسكب فوقي الماء البارد مرة أخرى، وسأسمع سيل الشتائم المصحوب بركلات أحذيتهم، وستظل جملتهم المستنكرة تتردد دائماً:
– ضد السيد الرئيس!!؟؟
لا أدري، لماذا يصرون على ترديدها دائماً، لكأنما يحتاجونها؛ لكي تحفز فيهم القدرة على سحق الآخر بلا رحمة، إذ ما إن يصرخ بها أحدهم حتى تنتابهم موجة هيجان جديدة، تتحول إلى عنف مجنون، ينصب انصباباً فوق الجسد المقيد أمامهم، وما إن تبرد ضغينتهم ضده قليلاً، حتى يبادر أحد ما ليحفزهم من جديد، فيطلق المعزوفة عينها:
– قلتلي هنت ضد السيد الرئيس!!!
لتبدأ معركة جديدة بينهم وبين الجسد المسجى أمامهم.
ثم أحضروا شخصاً ما لرؤيتي، أظنه كان طبيباً، وقد كنت، كتلة من اللحم المدمى مشلوحة فوق بلاط وسخ في غرفة تحقيق قذرة، غير قادر على الحركة، عندما اقترب مني شخصان، قلبني أحدهم بعنف، ليرى الجهة الأخرى من جسدي، وسمعت الشخص الآخر يقول له هامساً:
– أوقفوا التعذيب، لقد بدأت جروحه تلتهب، سيكون الأفضل لو نقلناه إلى المشفى، أعرف أن هذا غير ممكن، لكن علاجه أصبح ضرورياً.
قرروا علاجي في الزنزانة، ومن يتولى أمر علاجي هو سجين آخر، عرفت أنه طبيب، سيكون هذا مهماً جداً لي، ثمة شيء آخر بالغ الأهمية وهو أن الطبيب السجين الذي يعالجني، قد استطاع أن يدخل إلى زنزانتي نصف بطانية عسكرية وجدها فوق سطح الزنازين، وهكذا استطاع بها وبما لديّ من ثياب، أن يخفف من حدة النتوءات القاسية في أرضية الزنزانة.
صرت أجلس في زاوية الزنزانة، أسند رأسي على ما يشبة وسادة، صنعها لي الطبيب السجين من قميصي الداخلي، بعد أن حشى به فردتي حذائي وربطه جيداً، فحذائي لم يعد له أي فائدة؛ لأن رجليّ المتورمتين كثيراً، لم يكن بالإمكان إدخالهما في فتحته.
هنا لايمكنك أن تعرف الليل من النهار، ثمة مؤشر وحيد يمكنك أن تستدل به على الوقت، إنه مواعيد قدوم الطعام، أو مواعيد التحقيق، ما تبقى هو زمن للألم والعتمة والصمت والذاكرة.
أجلس في العتمة الدائمة، أحياناً بعد أن قرروا أن يتركوا باب زنزانتي مفتوحاً؛ كي يتمكن الطبيب من مواصلة علاجي، وكنت أطلب منه أن لايغلق الباب تماماً، حتى يتسرب الضوء الخافت من خلال الشق الصغير.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.