صرخةُ مظلومٍ بابلي ( من روائع الأدب البابلي القديم ـ قصيدة لدلول بل نيميقي )

لوحة مسمارية من الالف الثاني قبل الميلاد
من روائع الادب البابلي

بقلم : عضيد جواد الخميسي

لدلول بل نيميقي ؛ هي قصيدة بابلية تروي رثاء رجل صالح عانى طوال حياته من قسوة شديدة وظالمة . والقصيدة معروفة أيضاً باسم ” معاناة الصالحين ” ، وترجمة عنوانها البابلي ” لأُمجّدنَ ربّ الحكمة “.

في هذه القصيدة التي تعبّرعن شدّة المواجهة والصراع الداخلي لدى رجل بابلي يُدعى (تابو ـ يوتول ـ بل ) البالغ من العمر 52 عاماً ؛ والذي عمل عند قصر الملك في مدينة نيبور . إذ لاقى هذا الرجل الطيّب الكثير من المصاعب والآلام والظلم في حياته ؛ بيد أن سلوكه القويم في وظيفته وداخل مجتمعه ؛ لم يشفع له أبداً . فهو كان يسأل دائماً عن سبب سماح الآلهة في معاناته .

القصيدة وعبر مضمونها ؛ وضعت تفسيراً مبهماً للسؤال التقليدي المتمثل ؛ ” لماذا تحدث الأشياء السيئة للناس الصالحين ؟؟ ” . إلاّ أن بعض العلماء ؛ قد رأوا من أن هناك هناك صلة بين هذه القصيدة ؛ والقصة العبرية (سِفر أيّوب ) ؛ أحد أسفار التناخ والعهد القديم .

في الحقيقة لا يوجد إجماع علمي ، وتاريخ محدد في كتابة سِفر أيّوب ، ولا عن حقيقة حدوث القصة أصلاً . ولكن بعض الآراء تشير إلى أنها قد كُتبت مابين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد ؛ بينما يعود تاريخ قصيدة لدلول بل نيميقي إلى حوالي عام 1700 قبل الميلاد .

هناك احتمال وارد في أن تكون تلك القصيدة مستوحاة من عمل أدبي سومري قديم ، وعنوانه (رجل وإلهه ) ، والذي يعود تاريخه إلى حوالي عام 2200 قبل الميلاد . وحسب ما ذكره عالم السومريات “صموئيل نوح كريمر “؛ ان هذا العمل تم تأليفه ؛ لغرض وصف الموقف السليم والسلوك القويم لضحية عانت القسوة الشديدة غير المُستحقة ؛ على ما يبدو.. ” (ص 589).

عند هذا النهج ؛ تتبع القصيدة نموذجاً للادباء البابليين الذين استعاروا من الآداب السومرية السابقة كما هو واضح في ملحمة گلگامش ؛ حين قام الكاتب والأديب البابلي ” شين ليقي أونيني ” حوالي عام 1300 قبل الميلاد ، بنقل بعض المقاطع السومرية المتفرقة عن ملك أوروك ونسجها في ملحمته التي نالت شهرتها الواسعة .

ليس هناك أدنى شك ؛ في أن العديد من روايات الكتاب المقدّس (العهد القديم ) ، لها أصولها في الأعمال الأدبية السومرية . فعلى سبيل المثال وليس الحصر؛ مجمل الأحداث التي وردت في قصة (نزول الإنسان الأول) ، و قصة (الطوفان) في سِفر التكوين ؛ كانت تعود في الأصل إلى العملين الأدبيين السومريين ؛ أدابا (قصة آدم ) ؛ و أطرا ـ هاسس (قصة نوح ) .

نظراً لتشابه الأحداث التي تم تناولها في لدلول بل نيميقي ، و سِفر أيّوب ؛ قام الكثير من العلماء والباحثين في وضع مقارنة بين العملين القائمين ؛ مع الاعتقاد في أن كتاب (سِفر أيّوب ) ؛ قد استمدّ فكرته بالكامل من عمل أدبي قديم على غرار قصة الطوفان . ولعلّ من الواضح كانت هناك بعض المزايا المثمرة لتلك الدراسة . ولكن من المعيب جداً أن نستعرض كلا العملين فقط ؛ من أجل بيان مقارنة ما يتعلق بالاستعارة الأدبية . فإذا كان الهدف هو (المقارنة ) ؛ يمكننا أيضاً ؛ مقارنة قصيدة (لدلول بل نيميقي ) ؛ وبسهولة ؛ مع الأجزاء الأخرى من الكتاب المقدس مثل (سِفر الجامعة ) ، أو الإصحاح الثالث من كتاب (سِفر مراثي إرميا ) .

يسأل المتحدث أو المحاور في سِفر الجامعة ؛ نفس الأسئلة التي طرحها تابو ـ يوتول ـ بل في لدلول بل نيميقي ، وما جاء في مراثي إرميا ـ الإصحاح الثالث . في حين أنه من الممكن و شبه المؤكد ؛ من أنّ العمل الأخير قد أُستمدّ مادته من الأول ، كما على الأرجح وبنفس الطريقة عند استعارة قصيدة لدلول بل نيميقي فكرتها ؛ من رواية (رجل وإلهه) .

من المحتمل جداً ؛ في أن يتعامل الاثنان ببساطة مع نفس الموضوع . إذ لا يزال الناس في الوقت الحاضر ؛ يتساءلون عن سبب معاناة الناس الطيبين !. وعندما يصّر بعض المهتّمين على أن سِفر أيّوب ؛ هو نصوص محدّثة من لدلول بل نيميقي ؛ فإنهم بذلك قد جرّدوا القصيدة معانيها وقيمتها التاريخية ؛ وجعلوها فقط مصدراً أدبياً لأعمال أخرى ؛ بدلاً من تقدير العمل عن الحالة الإنسانية الذي كان الهدف في كتابته .

هناك اختلافات أكثر أهمية من أوجه التشابه بين سِفر أيّوب وقصيدتنا البابلية ؛ وعلى الرغم من أن القصيدة البابلية قد عُدّت مصدراً للأعمال الأدبية اللاحقة ؛ إلاّ ان قراءة سريعة لـ ( لدلول بل نيميقي ) باعتبارها مجرّد ” اختيار تقريبي” للسرد التوراتي (سِفر أيوب) ؛ هو انتقاص بحد ذاته لتاريخ العمل الأدبي ورمزيته ؛ وإضاعة بوصلة التقاطع والتلاقي لكليهما . وبالتالي علينا طرح نفس السؤال مرة أخرى ؛ و بإلحاح :

لماذا تحدث الأشياء السّيئة للناس المخلصين أو الطيّبين ؟؟ .

هذا السؤال قديم بقِدم البشر أنفسهم . فعندما يكون تابو ـ يوتول – بل ؛ الذي تحمّل معاناة فظيعة رغم أنه كان متديناً للغاية ؛ ويؤدي جميع طقوسه وصلواته ؛ و أذ يقول : ” لكنني فكرت في الصلوات والتوسلات – فقد كانت الصلاة حكمتي ، وأضحيتي هي كرامتي ” ؛ رغم ذلك ؛ فإنه ظلّ يعاني !.

أيّوب ؛ شخصية مشابهة لتابو رغم الفارق الزمني ؛ وذلك عند قول أيّوب في الإصحاح ( 23 :11 أيّوب ) : ” بخطواته استمسكت رجلي ، حفظت طريقه و لم أحيد “. وكذلك في الإصحاح (23 : 12)” من وصية شفتيه لم ابرح اكثر من فريضتي ، ذخرت كلام فيه “. وطالما هناك تساؤل في كلا العملين عن الكيفية التي يُفترض بها أن يدرك الإنسان إرادة ربّه ؛ فإن خلاص كلتا الشخصيتين (تابو ، و أيّوب ) في العملين ؛ جاء حتماً بطريقة التدّخل الإلهي حسب رؤية مؤلفيهما .

تبقى الاختلافات بين القصيدة البابلية وسِفر أيّوب من خلال تفاصيليهما والثقافة التي ينبعان منها . الفرق الأكثر وضوحاً في الإثنين ؛ هو أن القصيدة البابلية كُتبت بأسلوب (المونولوج ) ـ أي الحوار مابين الشخص وذاته ـ ، أمّا التكوين العبري أو التوراتي ؛ جاء كنوع من (الدراما الأدبية ) ؛ بمعنى متعددة الشخوص . وقد ظهر الاختلاف واضحاً عندما كان خلاص أيّوب على يد ربّه ؛ في حين نجد أن خلاص تابو يوتول بل ؛ جاء من خلال أحد السحرة ( الإنسان ) . أما الفرق الأكثر أهمية ؛ هو في شكل وطبيعة تلك المعاناة ، وتصورات الآلهة .

يعاني ” تابو يوتول بل” في شخصه ، ويستنبط من هذه المعاناة حالة التأمّل في معاناة الآخرين وفوضى الحياة :

“أين يمكن أن يتعلم البشر سُبُل الرّبّ ؟ فالذي كان حيّاً في المساء قد مات في الصباح .. في لحظة واحدة كان يغنّي و يلهو ؛ وبرمشة عين ؛ صار مكلوم “.

كذلك أيوّب ؛ يعاني في شخصه ؛ وكان عليه أن يتحمّل موت أبنائه ؛ وفقدان كل ما عمل من أجله في حياته . وهو أيضاً يتأمّل في معاناة الآخرين ؛ ويتساءل كيف يمكن للمرء أن يتعلم سبب حدوث ذلك ” لكي يحاكم الإنسان عند الرّب كابن آدم لدى صاحبه ” (أيّوب 16:21) . ومع ذلك ؛ فان الآلهة بنفسها ؛ تكشف عن الفرق الأكبر في العملين .

في ديانات بلاد الرافدين القديمة ؛ كان هناك ما بين ( 300 – 1000) إله على مدى تاريخها القديم ، وأن استجابة تلك الآلهة لمطالب البشر متفاوتة ؛ وذلك وفق ما رُسم لها . فالخير الذي يريده الإله مثل ؛ “مردوخ ” لأحدهم ؛ قد يحبطه إله آخر مثل “إيرا “. وعليه ؛ فإن شكوى “تابو يوتول بل ” ؛ لا ينبغي أن تفصح عن جملة معاناته ؛ لأن إلهه مردوخ قد فعل الصواب تجاهه ؛ ولا ذنب لأحد في المصائب التي جاءت في شكواه . فقد كان عليه أن يعي ذلك جيداً ؛ من أن الإله مردوخ لم يكن سبباً عمّا حلّ به ، ولا خطأً منه ؛ بل جاء من إله آخر ؛ ولأيّ سبب ربّما .

تُبيّن صلاة التوبة التي يؤديها المواطن السومري ، مثلما دُوّنت على رُقيم طيني يعود تاريخه الى حوالي عام 2500 قبل الميلاد ؛ من أن التائب في تلك الصلاة يلتمس الرحمة والشفقة لأي إله أساء له دون دراية أو معرفة ..

بعد سلسلة من الشكاوى والمظالم التي عرضها تابو يوتول بل على إلهه ، إلاّ انه وفي آخر المطاف ؛ قد لُبيّت مطالبه عن طريق الساحر أو العرّاف الذي بعثه الإله مردوخ إليه . وتبين ذلك بوضوح من خلال عنوان القصيدة .

في القصيدة البابلية ؛ إذن ؛ يتم التعامل مع مشكلة القهر والاضطهاد من خلال إله واحد (أو عدد من الآلهة) ، مع وجود وسيط يعمل مابين الإله والبشر لتحقيق العدالة .

لربّما فَهِم الرافدينيون القدامى عند سماع تلك القصيدة (بغض النظر عمّا اذا كانت معاناتهم مُستحقة أم لا) ؛ من أن مشاكلهم وآلامهم سيتم التعامل معها وفق الطريقة نفسها التي أُتبعت مع تابو يوتول بل . على اعتبار أن خلق البشر ؛ جاء بقصد مؤازرة ومعاونة الآلهة في ازدهار الأرض وتحقيق العدالة ! . وحسب اعتقادهم ؛ فالإله الذي سعى لهم بالخير في وقت من الأوقات ؛ بالتأكيد سوف يمحو أخطائهم ويعالج مشاكلهم في نهاية الأمر! .

أمّا في سِفر أيّوب ؛ فالإله الأعلى تعامل مع الموقف نفسه بشكل مختلف . إذ يظهر الرّب نفسه متحّدثاً من خلال ريح عاصفة ، ويسأل أيّوب :

” أين كنت حين خَلقتُ الأرض ؟ أخبر ان كان عندك فهم ؟ . من وَضع قياسها ؟ لأنك تعلمْ ، أو مَن مدّ عليها مِطماراً ” (سِفرأيّوب 38: 4-5) .

ويستمر إله أيّوب بتوجيه الأسئلة المُذلّة لعبده ، إلاّ أنّ بجميعها يمكن حصرها في سؤال واحد فقط : “مَنْ أنت ؛ لتُشكّك في قُدراتي ؟”.

على الرغم من أن هناك (نهاية سعيدة) في سِفر أيّوب ؛ حيث يُكافأ هذا الإنسان المؤمن بأبناء جُدد ، وحياة جديدة . إلاّ ان السؤال عن سبب حدوث أشياء سيئة للناس الطيبين أو الصالحين ؛ لم يتم الإجابة عليه مطلقاً !! .

من المؤكد وعند نهاية المطاف ؛ سوف يفهم قارئ كتاب ” أيّوب ” ؛ من أن جميع مظالم ومصائب أيّوب ؛ جاءت بسبب تحدٍّ ورِهان بين الرّب وإبليس ؛ لاختبار أيّوب في التقوى والطاعة !.

إنه أمرٌ لعجيب حقاً ! كيف لإمريء “عاقل ” أن يشعر بالسعادة والراحة والاطمئنان ؛ بفكرة أن يتخلى عن صحته ؛ وزوجته ؛ وأبنائه ؛ وأقربائه ؛ ومعارفه ؛ وثروته ؛ وكل ما يملك في الدنيا ، فقط ؛ لإرضاء غرور إلهه في كسب ” الرِهان ” ؟؟!! .

في سِفر أيّوب ؛ بدلاً من الإجابة المباشرة عن سبب معاناته ؛ يشيد الرّب بعظمة وجلالة نفسه . ويغضّ الطرف عن شكوى أيّوب له . هناك فرق كبير جداً ما بين استجابة الآلهة السومرية إلى تابو يوتول بل ، وإله أيّوب . ومع ذلك ؛ فإن استجابة رّب أيّوب ؛ هي واحدة من أعظم نقاط القوّة في العمل العبري ؛ غير أنه لا توجد إجابة مُقنعة على السؤال ؛ سبب ظلم الناس الطيّبين .

لقد كان مؤلف سِفرأيّوب حكيماً بما يكفي للاعتراف بهذه الحقيقة . إلاّ أن استجابة الرّب في كتاب أيّوب ؛ كانت تتماشى مع الثقافة التي أنتجت ذلك ؛ من خلال عدم التشكيك بقوّة الإله ، والوثوق بقدرته العظيمة . إذ كانت محبة و خير الرّب مكانها القلب لدى عباده من العبريين ، حتى لو تم التعبير عن تلك المشاعر من خلال شيء يبدو غريباً مثل ؛ “الرِهان “.

من المؤكد ؛ أن هذين العملين ( لدلول بل نيميقي ، و سِفر أيّوب ) مرتبطان بشكل موضوعي فيما بينهما ، وإن قراءة أدب بلاد الرافدين فقط ؛ لإثبات ما جاء في نصوص الكتاب المقدّس ؛ قد يقلل من الأهمية الحقيقية للأعمال الأدبية التاريخية القديمة . وبدلاً من (نَبشْ) هاتين القصتين في محاولة لإيجاد علاقة بينهما ؛ كان الأجدر قراءتهما بتأن ؛ لما يحملان في طيّاتهما هموم الإنسانية المجرّدة في صراع المرء مع نفسه . إذ كتب خبير اللغات السامية ؛ البروفيسور الكندي “جورج أي . بارتون ” التعليق التالي حول هذه النقطة :

“الهوّة التي غالباً ما تتسع بين تجربة المعاناة والوازع الأخلاقي ؛ كان من المؤكد حدوثها تماماً ؛ عندما أدرك البابليون ذلك ؛ وتبعهم العبريون بعد حين ” .

بالطبع ؛ ينطبق ذلك على أي شخص في عالمنا اليوم ؛ يعيش ويواجه صعوبات الحياة المختلفة . والمغزى العميق الذي قدمته تلك الأعمال القديمة للقارئ المعاصر ؛ هو شعور المرء بالاضطهاد في زمن الماضي ؛ هو نفسه لما يعانيه المرء في الوقت الحاضر .

نصّ تلك القصيدة ؛ مُستعاراً من تفسير خبير اللغات الرافدينية القديمة ، السير”هنري رولنسون ” حول النقوش المسمارية في بابل وآشور (المجلد الرابع ، 60 / 1850) ، وكما جاء في كتاب البروفيسور”جورج أي. بارتون ” (الآثار والكتاب المقدّس ) ؛ الذي نشر عام 1916م .

فيما يلي الترجمة الكاملة من الانكليزية ؛ لقصيدة ( لدلول بل نيميقي ) ؛ والتي يقدّر عدد سطورها ؛ حوالي 500 سطر ؛ والمنقوشة على أربعة ألواح طينية ؛ من كتاب (الآثار والكتاب المقدّس ) للبروفيسور “جورج أي . بارتون ” .

( لدلول بل نيميقي )

ـ اللوح الطيني الأول ـ

لقدْ تقدّمَ بي العُمرُ، إذ وصلتُ إلى أقصاه البعيدُ

وأينما التفت ؛ كان هنا شّر ؛ وهناك أشرار…

يزدادُ الإحساسُ بالظلمِ ، والعدالة لا أراها قُربي

بَكيتُ إلى الإلهِ ، لكنْ لمْ يَرني وَجههُ

صَلّيت إلى مَعبودتي ، لكنّها لمْ تَرفعْ رَأسَها

كما أنّ العرّاف بنبؤتهِ .. لم يَحزِر مُستقبلي

ولا الساحرُ بالنورِ ، قد رَأى مِحنتي

ِاستَشرتُ مُستحضّراً للأرواحِ ، لكنّهُ لَم يَفهَمني

ولم يَرفعَ المُشعوذُ بسحرهِ ، الحَظْر .

كيفَ يتّمُ عَكْس الأفعال في العالمِ ؟

أَنظرُ خَلفي ، وإذا بالقهرِ يَتبعني

مثلُ امرئ لمْ يأت بقرابين الى إلههِ

وعِندَ ساعة الإطعامِ ، لا يتوّسل إلهه

ولا يُطأطئ رأساً ، عندما لاتُرى ذبيحتهُ

مثلُ أمريءٍ في فمهِ صلاة وأدعية .. ولكنّه مُقفولُ

لماذا قصّرَ الإلهُ يومهُ ، وصارَ العيدُ باهتاً ؟

الذي تخلّى عن نِعمهِ ، وذهبَ بعيداً في مُخيّلتهِ

خِشيةُ الرّب وتبجيلهُ ، لمْ يَتعلّمها عِبادهِ

الذي لم يبتهلَ إلههُ ، عندما تَناولَ طَعامه

مَنْ تَخلّى عن معبودهِ ، ولمْ يأتِ لهُ بما يُليقُ ؟

مَنْ يَضطهدُ الضعيفَ ، ويَنسى إلههُ ؟

مَنْ يَتخذّ إسمَ إلههُ العظيمُ كَذباً ، ويقولُ ، أنا أعشقهُ ؟

لكنّني فكّرتُ في الصلواتِ والتوسّلاتِ

فَقد كانت الصلاةُ حِكمَتي ، وأضّحيتي هي كَرامتي

كان يَومُ تقديس الإله ؛ هو فرحةُ قَلبي

كان يومُ طاعةَ الإله ؛ هو ثَروتي

كانت صَلاةُ المَلك ؛ هي بَهجتي

وأنغامُ موسيقاه ؛ هي مُتعة لي

نَثرتُ نَصائِحي ، لتبجيل أسماء آلهتي

وفاءً لإسم الآلهةِ ، عَلّمتُ شَعبي

مَهابةَ المَلك ، لأنها عظيمةٌ عِندي

وإحترامُ القَصر، تعلّمَ الناسُ مِنّي

عرفتُ كُلّ هذا ، محبةً في رَبّي

وما الجاهل في نفسهِ ، فهو من الأشرارِ!

وما كان في قلبهِ الوضيع ، (…) لإلهٍ عظيمِ !

مَن يَستطعْ معرفة أفكار الآلهة في السماءِ ؟

مشورة الإله مليئة بالهلاكِ . من يستطع فهم ذلك ؟

أين يمكن للبشر معرفة سُبُل الرّب ؟

فالذي كان حيّاً في المساءِ ، قد ماتَ في الصباحِ

تأتي همومهُ بسرعةٍ ، ويعيشُ حياته مظلومْ

في لحظةٍ واحدةٍ كان يُغنّي و يَلهو

وبرمشةِ عينٍ ؛ صارَ مكلومْ

تتغيرُ أفكارهم ، مثل الشمس المشرقة والغيومْ

إنهم جائعون ، مثل الأمواتِ

أنهم متخمون ، وينافسون إلههم

وبنشوة ، يقهقهون في الصعودِ إلى الجنّةِ

وعندما المشكلة أدركتهم ، تهامسوا بعد النزول إلى “شيول” *

[ عند هذا الحد ينتهي النصّ في اللوح الأول ؛ لحصول تلف في بقيته ]

ـ اللوح الطيني الثاني ـ

وأنا في سجني ، قد انهدمَ منزلي

وعندما كانت القيود تلفّني ، تمَّ رمي يَدَي

وفي أعماقِ نفسي ، لربما تعثّرتْ قَدَمي

. . . . . . .( حصول تلف في هذا الجزء) . . . . . . . .

بالعصا قامَ يوخزني ، كريهةٌ كانت رائحتي

طوالَ اليوم ، والمطاردُ يُطاردني

في الليلِ يُراقبني ، لا يريدني ان أسمعَ نَفَسي

من جرّاء التعذيب ، تكسّرت مفاصلي

تحطمّت أطرافي ، والقرفُ آلمّني

أتمرّغُ مثل الثور ، وأنا في مضجعي

مثل الخنزير ، كَمّ من القذارةِ غطّتني ؟

عِلّتي ، حيرّت السحّارين

وتحاشى العرّاف ، كاهلَ الظالمين

كما البصّار ، لم يشفني من مَرضي

ولم يتمكن الرّائي ، معرفةَ حالي

لم يساعدني ربّي ، ولا أخذ بيدي

آلهتي لم تشفق عليّ ، ولم تكن بصفّي

كان نعشي فاغراً، لمّا ورثتي نهبوا أملاكي

كانت أسباب الموت جاهزة ، عندما لم تحن ساعة موتي

[ عند هذا الحد ينتهي النصّ في اللوح الثاني ، لحصول تلف في بقيته ]

ـ اللوح الطيني الثالث ـ

صَرختْ الأرض بعلّو صوتها ، ” كيف تهاوى ؟!”

لقد سمع عدّوي ، وكان وجههُ مسرورا

لقد جاؤوا له بالأخبار السّارة مع الأخبار السعيدة ، فابتهج قلبهُ

لكنّي عرفت أوان موت جميع عائلتي

من بين الأرواح المُصانة ، كانت آلهتها مُمجّدة

…………….(حصول تلف في هذا الجزء)……………………

…………….(حصول تلف في هذا الجزء)……………………

دَعْ كفّك يُمسك بالرُمحِ

“تابو يوتول بل “، الذي يعيش في نيبور

بعثني اليكَ ، للتشاور معك

وقد وضعَ (…..؟؟؟ …) على عاتقي

في الحياة (….؟؟؟…. ) وقد يلقي

وحلم قد رأيته (….؟؟؟…. )

………..(حصول تلف في هذا الجزء ) …….

هو ذا الحلم الذي رأيته في الليل

الذي صنع المرأة ، وخلق الرجل

مردوخ الإله ، أمرَ العرّاف ( الكاهن) (؟) الذي هو أدرى بالأمراض

. . . . . . . . ( حصول تلف في هذا الجزء). . . . . . . .

و ……….. في كل ما ………….

حين قال : ” كم سيمضي من الوقت على هذا العُسر وتلك المصيبة ؟”

“ما الذي رآه في منامه تلك الليلة؟ “

في الحلم ظهر “أورـ باو” **

بطلٌ عظيمٌ ارتدى تاجه

والعرّاف أيضاً ، قد نالَ القوّة

لقد أرسلني مردوخ اليك ِصدقاً

حتى “شوبشي- ميشري ـ نيرجال” *** جلب الخير

في يديه النقيتين جلب الخير

بواسطة روح الوصيّ (؟) لقد توقّفَ (؟)

عن طريق العرّاف أرسلَ رسالة :

” فالٌ حسن أراه لشعبي “

. . . . . . . . (حصول تلف في هذا الجزء ). . . . . . . . .

(؟ ) انتهى بسرعة ، كان (…؟؟؟….) مكسوراً

(..؟؟…) من ربّي ، كان قلبه راض ٍ

(…..؟؟؟…..) ، وروحه كانت مُفعمة

(…؟؟…) رثائي ، (……؟؟؟؟……….)

(…..؟؟؟………..) ، صالح (….؟؟؟……)

………..( حصول تلف في هذا الجزء)……………………

………….( حصول تلف في هذا الجزء)…………………….

(…….؟؟؟………) ،مثل (………؟؟؟… ……)

لقد اقترب (؟) ، والتعويذة التي غَمغمَ بها

بَعثَ بريحٍ عاصفةٍ ، من شدّتها

صَنعتْ زَوبَعة ، ارتجَّتْ حِبالُ الأرض من قوّتِها

من عُمقِ صَدره ، تحرّرت الروح من قِيودِها

أرواحٌ لا تُحصى ، أَرسَلها إلى العالمِ السُفلي

(…؟؟؟…) مع العفاريت ، بَعَثها حالاً إلى الجَبلِ

[ عند هذا الحد ينتهي النصّ في اللوح الثالث ، لحصول كسرفي بقيته ]

ـ اللوح الطيني الرابع ـ

وغَمَرَ الطوفَانُ ، كُلَّ البِقاعِ

جذورُ الدّاء ، اِنتزعها مثل الغَرس ِ

السكونُ الرهيبُ الذي جثمَ على صَدري

.كان مثل الدخّان الذي ملأ َ السماء (.؟؟.)

……(حصول تلف في هذا الجزء ) ……

مع المصيبة التي جِيءَ بها ، رَدّها بقوّة

وملأَ الأرضَ بها كالعاصفة

……(حصول تلف في هذا الجزء )……

الألمُ القاسِي ، الذي قَهرَ حتى السَماء

أَخذهُ بعيداً عنّي ، وأَنزلَ عليَّ نديّات المساء

جفونى ، التي كان قد أَخفاها سواد الليلِ

فجراً وبريحٍ مسرعةٍ ، أعادَ بَصري

أذُنايَ ، اللتان أُغلِقتا ، كنتُ مثل رجل أَصمّ

أزالَ منّهما الصَمّم ، وأعادَ لِي السَمع

أَنفي ، الذي سُدّتْ مَجاريه مُذْ كنت في رَحمِ أُميّ

فقد خفَّ من عيوبه ، وبهِ صُرتُ أتنفّس

شَفتاي ، اللتان أُقُفلِتا وسُلِبَ مِفتاحِهما

أزال اِرتجافهما ، وحلَّ وثاقهما

فمي الذي كان مغلقًا كي لا أفهم (؟؟ )

نَظّفه مثل الوعاء ، وأشفى علّتهُ

عيناي ، اللتان قُلعتا ، وتدحرّجتا (؟ )

رَفعَ رباطهما ، وأعادَ مُقلتِيهما

لساني الذي تيّبسَ ، كي لا يرتفع

أَزالَ غَلاظتهُ ، لِتُفهَم كلماته

بلعومي كان مضغوطاً ، وسُدَّ منفذه

أشفى انقباضه ، وصارَ مثل النّاي (؟)

لُعابي الذي اِنقطعَ ، ولم يَعد يُفرز

رَفع غِللهُ ، وأصلحَ مِزلاجه

[ ينتهي النصّ عند هذا الحد ؛ لحصول كسر في اللوح الأخير ]

(( النهاية ))

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* شيول : هو الظلام أو الجحيم الذي يُعتقد في ان تذهب إليه أرواح بعض الموتى .

** أورـ باو : خادم الإله ” بو ” والمواكب لآخر ملك أكدي ” شو تورول ” في لكش .

*** شوبشي- ميشري- نيرجال : إله الموت والحرب لمدينة بابلية تدعى” كوثا “.

( …؟؟؟…) : كلمات غير مفهومة في النصّ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صموئيل نوح كريمر ـ نصّ الحكمة السومري : الرجل وإلهه ـ من مطبوعات جامعة جون كارول ـ أوهايو ـ 1999.

جورج . أي . بارتون ـ الآثار والكتاب المقّدس ـ (الناشرون) ـ اتحاد مدرسة الأحد الأمريكية ـ فيلادليفيا ـ 1920 .

موقع الأنبا تكلا هيمانوت ـ العهد القديم / سِفر أيّوب .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.