#صدام_حسين والسياسة الدينية

#صدام_حسين والسياسة الدينية

كان صدام حسين يدرك خطر الشخصيات والأحزاب المنافسة له مهما كانت ميولها الدينية او العلمانية او السياسية. كانت يعتقد ان لا مكان في العراق لغير قائد واحد لقيادة البلاد. ويرى نفسه أنه الرجل الأفضل لقيادة العراق . كان هاجسه الدائمي واليومي ان العراقيين عسكريين ومدنيين واحزاب إسلامية شيعية وتجمعات سياسية يتآمرون عليه شخصيا ويخططون لقتله و الإطاحة به خصوصا الشيعة الموالين لإيران واستلام الحكم بدلا عنه .
إن التاريخ السياسي والإنقلابات العسكرية السابقة في العراق اعطت صدام حسين درسا مهما في الحذر واليقضة وانماء الحس الأمني ونشر العيون والمخبرين في كل مكان لأحباط اي محاولة إنقلابية في مهدها مهما كلف الثمن ومستعد لتقديم ضحايا وقتل المشتبه بهم واعدامهم حتى على الشبهة و النوايا .
وعلى هذا الأساس أنشأ اجهزة أمنية واستخباراتية عديدة، واحاط نفسه بعدة حلقات من الحمايات والأجهزة الخاصة لحمايته الشخصية . وكلف اخوانه غير الأشقاء وابنه قصي لإدارة الدوائر الأمنية وجهاز المخابرات و وزارة الداخلية والأمن الخاص . حتى حزب البعث جند افراده كجهاز للتجسس على المواطنين في دوائر الدولة والجامعات والمدارس لينقل له كل صغيرة وكبيرة في تقارير حزبية عن اي تحركات او اخبار تهدد حياته او تهدد نظام حكمه .
لم يكن صدام حسين متدينا، كان هو واولاده وخاصة عدي يحتسون الخمر ويمارسون الفسق والفجور مع النساء. وكان لهم سماسرة مختصين لجلب الناس الداعرات لهم . لكن صدام لم يكن معاديا للدين ، ويتظاهر بإيمانه وتقواه ، فيذهب لزيارة المراقد المقدسة في النجف وكربلاء يصلي فيها امام الكاميرات وحماياته تلتف حوله . وتعرض زيارته في تلفزيون العراق لعدة مرات في نشرات الأخبار ليظهر نفسه القائد الورع التقي والمتدين اما الشعب . بينما حبال المشانق تلتف حول رقاب كل مشتبه به يمارس نشاطا عدائيا ضده .
كانت سياسته هي السيطرة على اي نشاط ديني في العراق يأخذ اتجاها سياسيا مضادا له . بعد إنتهاء حرب الخليج عام 1991 تغيّرت سياسته الدينية، فأعلن الحملة الإيمانية وتشجيع البرامج الدينية وتحفيظ القرآن، وادخل الدين والرموز الدينية بدرجات متزايدة في الحياة العامة للعراقيين.وأمر بكتابة القرآن بحجم كبير بدمه بدلا من الحبر . بعد اعتقاله قال للمحقق الأمريكي في جلسات الإستجواب : انه كان لا يمانع احد من ممارسة الشعائر الدينية ، لكنه بنفس الوقت لا يسمح لأحد ان يدخل العمامة في السياسة، وبالخصوص كان يعني زعماء الدين الشيعة الموالين لإيران مثل محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر ومقلدي الخميني الذين يختارون المعارضة وتحريض الناس ضده ويهددون سياسة ونظام حزب البعث بثورة اسلامية على غرار ثورة الخميني الشعبية التي اطاحت بشاه ايران محمد رضا بهلوي عام 1979 .ولهذا أمر بقتلهما . وشن حربا شعواء على رجال الدين الشيعة فاغتالت مخابراته العديد منهم، واعدم الكثير منهم في سجونه وخاصة من ينتمي لحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذين تاسسا في ايران بدعم فارسي محرض ضد العراق وصدام ..


كان صدام حسين يراقب عبر اجهزته الأمنية والإستخباراتية والحزبية انتشار الفكر السلفي في دول الخليج العربي وتغلغله الى العراق. ذلك الفكر الذي يسعى الى اعادة المسلمين المؤمنين والمتطرفين منهم الى نمط أكثر تطرفا وعلى غرار ما كان سائدا من سلوك في زمن الرسول محمد . كان نظر صدام حسين يتسم بالواقعية وبعد النظر في التهديد السلفي الارهابي المستوحى من ايران وارتباطاتها السرية مع الشيعة العراقيين . كان صدام يعتبر العراق خط الدفاع العربي الأول والبوابة الشرقية لحماية الوطن العربي من التمدد والأطماع الفارسية. وجعل العراق حصنا سنيّا قويا في وجه الأغلبية الشيعية الساحقة في ايران .
راى صدام ان الفكر السلفي المتطرف ينتشر بشكل سريع في البلدان العربية يفوق بسرعته كل التوقعات، وبذلك سيعتبر الناس السلفية فكرا ونضالا يستخدم كذريعة لمحاربة الأمريكان على الساحة العراقية مستقبلا وقد يسبب في مواجهة مباشرة معه .
إن اسقاط صدام حسين ونظامه البعثي في العراق عام 2003 بعد الغزو الأمريكي والتحالف الدولي ، فتح المجال واسعا للتدخلات الإيرانية في العراق بواسطة عملائها من الأحزاب الإسلامية الشيعية وجواسيسها، من انصار فيلق بدر و الحرس الثوري الإيراني. استطاع عملاء ايران الوصول بمساعدة الأمريكان الى مفاصل الدولة المهمة ورئاسة الوزراء وكتابة الدستور المفصل على مقاسات الأحزاب الإسلامية والكردية والسنية . وصول اولئك الإسلاميين خلق فراغا في السلطة الوطنية وحوّل الخلافات العقائدية والمذهبية بين السنة والشيعة وسيلة وسببا لأفتعال حرب اهلية بتحريض عصابات القاعدة وابو مصعب الزرقاوي وتحريض ايراني. عندها بدأ القتل المذهبي على الهوية و تاسست فرق الموت و انتشرت الجثث المقطوعة الر اس في المزابل وحافات الشوارع . وتبادل الطرفان الميليشيات السنية والشيعية حرب الشوارع وتفجيرات المساجد والحسينيات في المحافظات و الأقضية . وذهب ضحيتها الاف الابرياء . لمجرد خلق فوضى بالبلاد تحقيقا لتخطيط كونداليزا رايس و حكام ايران .
صار العراق ساحة للقتال المذهبي والثار من الطرف الآخر. ولازال الحقد يغلي والأحزاب تتصارع والشعب اصبح يترحم على ايام زمان حيث كان في العراق الأمن والأمان . رغم وجود ديكتاتور واحد لم نقبل به، اصبح لدينا الان الف ديكتاتور اسلامي جاثم على صدور الشعب ينهب امواله ويغتال ابطاله.
صباح ابراهيم
17/6/2022

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.